وفاء خزندار

04 أكتوبر

لا أريد أن أكون عبئاً على الفن بل أتمنى أن أضيف شيئاً بسيطاً من خلال رؤيتي المتواضعة والمغايرة لكينونة الموجودات وأهم من ذلك أتمنى أن يضيف الفن لروحي الكثير من النأي والسمو عن كل ما هو ترابي في اللغة ومواقف الحياة، لدي قناعة بأنه بعد الإنتهاء من اللوحة وعرضها على المتلقي لم تعد لي فهي ملكه وهنا يأتي دوره في فهمها، تفسيرها، وتحليلها. ويهمني كثيراً رأي المتلقي أو المتذوق العادي فأنا أرسم لهؤلاء.

تلك الدهشة المغايرة التي تتركها لوحتي في نفس المتلقى وإمعان التفكير للوصول لمفاتيحها هي دليل نجاح اللوحة وتحقق الغرض منها وهو إطلاق مخيلة المتلقي ومن جهة أخرى هذا يعني أنني وجدت موضوعي وعلي أن أواصل تقديم الجديد وأطور من الأفكار والتقنية. أستقي أفكاري من القراءة وقراءاتي المبكرة جعلت لدي مخزوناً لا ينضب. أقرأ للفلاسفة والمفكرين لأتصالح مع الموجودات وأختصر المسافات.

تشغلني قضايا إنسانية أردت إيصالها للمتلقي بطريقة تهدف إلى إيقاظ الطفولة الغافية داخل كل منا لذا اعتمدت الفنتازيا التي تقارب السوريالية بلمسة طفولية. لكل لوحة قصة وموضوع. شخوصي حقيقية ومتخيلة لكن الغرائبية تسكن لوحاتي وبنفس الوقت تبدو مألوفة وقريبة وحميمية. أتناولها بقدر من الجرأة والواقعية لذا اقدم أفكاراً مكثفة تحتاج للتأمل والصبر لقراءتها.

أعتمد الرسم بالإكريلك لأنه خامة مطواعة يقبل المزج مع مواد مختلفة أستخدمها لعمل تأثيرات وإيحاءات مدروسة. أغطي شخوصي بالموتيفات والزخارف لإعطاء الغنى اللوني والفني. أتعمد المبالغة في رسم الأطراف لأن شخوصي تسبح في فضاء اللوحة بحرية.

قرأت مبكرة جداً كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة ولا زلت حتى الآن أشعر أن بداخلي شهرزاد تريد أن تبوح وتحتاج لمن ينصت .

وبعد انتقالي لدولة الامارات الحبيبة التحقت بدورات فنية ولم أكن أكمل فيها فلم أجد ما أبحث عنه فقد كان من يعطينا الدروس يفرض علينا رؤيته هو وألوانه وأسلوبه، فاشتغلت على موهبتي التي أؤمن بها وصقلتها وحدي .

الفن جعلني أكثر قدرة على التسامح والسمو بروحي والارتفاع عن توافه الأمور التى تعيق مسيرتي لذلك خلق لى توازناً جميلاً بشخصيتي، وهذا بالطبع شيء تراكمي أي لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل بالعمل الدؤوب لإيمانٍ مني بأن الحياة قصيرة جداً مهما عشنا لذلك أكسب وأستثمر كل دقيقة تمر بي من أجل ترك أثر جميل، وإضافة شيءٍ ما، حتى لا أكون عبئاً على الأدب والفن.

هناك مراحل يمر بها الفنان أتحدث من وجهة نظري في البداية رسمت الواقعي ونقلت الطبيعة كما هي، ثم اتجهت للرسم التجريدي والتكوينات اللونية، للبيئة دور كبير وعامل مهم في سبيل الارتقاء بالموهبة لكن لا بد من وجودها اولاً، فالبيئة وحدها لا تصنع موهبة، في بدايتي كان تشجيع العائلة والمدرسين هو ما عزز ثقتي بموهبتي حتى هذه اللحظة، وقد ساعد وجود مكتبة متنوعة على التأكيد بأنني أنتمي لهذا العالم الجميل كتابة ورسماً.

هناك بيئتان تحيطان بالمبدع البيئة الطبيعية أو الجغرافية والبيئة بينه وبين نفسه فطبيعي لو كان المبدع في مكان يشجع على الإبداع ويحفزه سيستمر ويواصل الاشتغال على موهبته، أما البيئة الأخرى أقصد بها تصالح الفنان مع ذاته وصدقه وتوازنه هذا يخلق له عالماً خاصاً به ينأى به ويواصل إبداعه بمعزل عن الضغوطات والمنغصات .

تجربتي الشعرية والفنية نضجت على أرض الامارات الحبيبة، وأنا ابنة بلدين عظيمين فلسطين والإمارات أي انتقلت من بحر أناجيه لبحر أكبر يحتويني ويناجيني، وطبعاً لا أنسى اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة عضو المجلس الأعلى رعاه الله، بالفنون، وأكبر جائزة حصلت عليها حين علق سموه على لوحاتي حين اتبعت تكنيكاً مختلفاً، لا أستطيع وصف شعوري فقد أصبح لأعمالي قيمة مضاعفة والشكر موصول أيضاً لسمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة المجلس الأعلى للأسرة،رعاها الله لرعايتها للفنون واحتضان المواهب وتشجيعها المتمثل في جائزة إبداعات المرأة الاماراتية للأدب والفنون .

أنا لا أؤمن بأحادية الموهبة فالرؤية أو الفلسفة التي يبنيها المبدع كالبذرة يلقيها بأرض خصبة ولا يعرف بأي اتجاه ستنمو، سطح الورقة وسطح اللوحة هي فضاءات للكتابة، عن نفسي لا أستطيع الرسم إلا وأنا متصالحة مع نفسي ومع من حولي فاللوحة عندي حالة فرح وسعادة بينما الورق يستوعبني في جميع حالاتي، الانسان يمتلك ذاكرتين ذاكرة انطباعية وذاكرة مخفية وتلك لا يدري متى تظهر وعلى أي شكل ربما، كلحن جميل، كلما ت شعرية، لوحة تشكيلية، قصة أو رواية.. ربما أنا مثل الطائر، لا يحلق إلا بجناحين هما الكتابة والرسم.

المبدع إنسان مهموم برسالته متعب بشعره أو بلوحته أو بقصصه وأنا كوفاء لو قرأتني بجميع حالاتي وتساؤلاتي أنا هي الإنسانة ذاتها، الإبداع مثل لحظة الولادة حين تأتي الآم المخاض ننتقل لعالم آخر من الخدر واللاوعي حتى يهطل الوليد صحيحاً معافى يملك وسائل دفاعه عن نفسه وقبوله، لذلك أعتقد وما زلت أن الإنتاج الإبداعي هو كائن حي، يتنفس، يتفاعل معنا ونتفاعل معه، فكما نبحث دائماً عن صديق يشبهنا نبحث عن إبداع يشبهنا ويعبر عن المسكوت عنه، بدواخلنا .

شخوصي في اللوحات حرة تسبح في فضاء ممتد عبر اللوحة وهذه الحرية تتمثل في الشفاه الغليظة، حيث هي تدل على حريهة التعبير والبوح، والأطراف كبيرة كذلك تحمل نفس المعنى، وهي شخوص جميلة تجعل المتلقي يتعاطف معها، وهي توقظ الطفولة الغافية داخل كل منا.

عن الفنانة:

تتمتع وفاء خازندار بالإصرار على التجريب، وبخاصة في إطار الموضوعات التي تتصل بالبيئة النفسية للإنسان، محاولة استخدام موروثها البصري وتجلياتها اللونية لتحقيق عمل فني تحرص أن يكون مشابهاً لذاتها بما تحمله من جدل تجاه الأشياء، وقد ظهر ذلك في أعمالها الأخيرة التي ارتكزت على العنصر الإنساني وانحيازها للعوالم المتصلة برؤيتها للصورة التى يمكن أن تحققها الروابط والقيم الإنسانية في إطار العلاقة التوحيدية بين الرجل والمرأة من جهة وبينهما وبين البيئة الداخلية التي تستطرد هي في رصدها عبر الجسد والزخرف والفضاءات والاحتكاك المستمر بالحكايات والخرافات لتقديم بيان بصري حميم، فبين الصورة والتصور، بين المرئي وما خلفه، تتبع وفاء إيماءات روحها وبصيرتها لتضفي على المساحة أطياف أحلامها وحيرتها، يتجلى ذلك في السعي لتوحيد الداخلي بالخارجي، والبيئة الطبيعية الإنسانية والاستفادة من التراث التصويري الشرقي الجريء على المنظور والظلال، مستفيدة من تطلعاتها الشعرية لصياغة رؤية تحتاج إلى المزيد من الحرية للتعبير عن خياراتها البصرية، وسحب الحياة من الزمن وتثبيتها على شكل حكاية قوامها الصور التي من خلالها تحدق باستمرار في الحياة .

طلال معلا

شارك

مقالات ذات صلة