شعرية الغياب

17 سبتمبر

المؤلف: د. رسول محمد رسول (العراق)

(إني يحاصرني الغياب؛ الغياب المترع بالصمت، إلاّ أني، ووفق طبيعتي في العناد، أواصل كتابتي الآن)، (آخر نساء لنجة: ص 120).

عندما يقع نظر أحدنا على عنوان رواية (آخر نساء لنجة للكاتبة الإماراتية لولوه المنصوري، تقفز دلالة التاريخ إلى ذهنه؛ فـ(لنجة) مكان، مدينة ساحلية، لكنَّ ما يضخم تلقِّي دلالة التاريخ لدينا هو القسم الأول من العنوان، المتمثل بملفوظ "آخر نساء.."، ليصبح عنوان (آخر نساء لنجة) مفعماً بعبق التاريخ حتى نظن أنّنا بصدد رواية من روايات ما وراء القص التاريخي أو روايات المتخيَّل التأريخي، لكنَّ التوغُّل في قراءة متن الرواية يأخذك إلى مضان أخرى تفوح برائحة التاريخ المسرودة ضمن مدارات وحكايات مصغَّرة ترتبط بتسريد الشُّخوص أو الفاعلين المشاركين في أحداث الرواية.

في غضون سنوات مرّت، عرفنا عن لولوه المنصوري أنّها كاتبة تتميز بلغتها الشِّعرية الطافحة بانزياحات مثمرة تجري رحاها بين المعنى والمبنى. وعرفناها أيضاً شاعرة تمتص من رحيق اللغة عصارتها العابرة لمعجمية مفردات الأشياء المعتادة صوب معجمية المعاني والدلالات الإيحائية، وهو ما انعكس أثراً سخي العطاء في تجربتها الروائية الأولى (آخر نساء لنجة)، الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 2013.

جاء المتن النَّصي للرواية بـ (261) صفحة من القطع المتوسط، وضمَّ سبع وأربعين فقرة سردية انضوت تحت خمسة عناوين مفصلية، هي: "رئة الظل"، و"سقف المحرَّق"، و"عباءة الضوء"، و"باب عنيد"، و"صوت أبيض". سبقت ذلك عتبة نصية افتتاحية تبدَّت إهداءً جاء فيه: "إلى.. أميرات الخبز، وسيدات أشجار الرولة، أهدي هذا الشاغر من الضوء حيث الانعطاف الآخر من عباءتي" (الرواية: ص 5)، وهو الإهداء الذي تتضح فيه حضورية الأنثى المتكرِّرة عبر ملفوظات "أميرات"، و"سيدات"، و"عباءتي"؛ الإهداء الذي يزفُّ، إيحاءً، كينونة فعل ما ستقبل عليه الناصَّة (Textor) أو (لولوه المنصوري) في روايتها هذه، والذي اختارت له معنى إيحائياً، وبلغة شعرية رائقة، عندما انتقت ملفوظ "أهدي هذا الشاغر من الضوء حيث الانعطاف الآخر من عباءتي"، وفيه خاصَّة ملفوظ "هذا الشاغر من الضوء"، الذي يوحي بفعل الكتابة الروائية.

في روايتها هذه، لم يأت السّرد إلى طينة نثرية واحدة، إنّما جاء متعدِّد البناء؛ فالناصَّة فضّلت صيغة الرسائل المتبادلة بين بعض المشاركين في أحداث الرواية، ومنها الرسائل التي يبعثها "سالم" إلى قريبته "ميعاد" من مدينة المحرَّق ابتداءً من 4 نيسان/ أبريل 1991، وبالتالي من العراق حتى 5 تموز/ يوليو 2003، حيث يعمل سالم مراسلاً صحافياً في بغداد الحصار والحروب، وكذلك مكاتيب "ميعاد" إلى "سالم" نفسه التي بدأت بإرسالها إليه ابتداءً من 20 تشرين الثاني/ أكتوبر 1991، وكذلك رسالة "يوسف"، زوج "ميعاد" الفار عنها لسبع سنين إلى أمريكا، والمؤرخة في 2 تشرين الثاني/ أكتوبر 2005.

إلى جانب ذلك، تدعم المنصوري نسيج سرديتها ببعض النُّصوص/ المذكّرات التي تحمل تاريخاً معيناً، لكنَّها المذكَّرات المتواقتة مع سير أحداث الرواية التي تُعبِّر عن فعل جارٍ وليس ماضياً، وهو شكل من أشكال التناصية (Intertextualité) الموحية، ما دعا المنصوري إلى توظيف التناص (Intertexte) من خلال استثمار بعض النُّصوص الشِّعرية لراينر ريلكه (الرواية: ص 205)، وجارسيا لوركا (الرواية: ص 246)، وعلي الشرقاوي (الرواية: ص 99)، ووليم شكسبير في رائعته "حلم ليلة صيف"، (الرواية: ص 157)، ولأبي العلاء المعري (الرواية: ص 261)، وهي المتناصَّات التي غدت مؤازرة لـ "ميعاد" على مواصلة بناء مسارات الروي؛ "ميعاد" الراوية المركزية (Central Narrator) في المتن الحكائي.

الحيز الزمكاني: كما هو واضح، أن أحداث الرواية تتكثَّف زمنياً في تسعينيات القرن العشرين وما بعدها من سنين حتى عام 2006، لكنَّ الناصَّة تعود إلى أبعد من ذلك؛ تعود إلى طفولتها، بل وإلى جذور سلالتها من خلال تسريد حياة جدتها لأمها (رزيقة) التي تنحدر من مدينة لنجة الساحلية، وزوجها (السّردال إبراهيم). وكذلك من خلال تسريد طريقة زواج (حورية)، والدة ميعاد وابنة رزيقة من (راشد) الفتى الذي تبناه (عبد الكريم العطار الأهوازي)، وصار بمثابة ابنه حتى زوّجه من "حورية" بعد اشتداد عوده. وكذلك تسريد حياة العطار الأهوازي نفسه وابنته الوحيدة (آسيا) اللذين جاءا معاً إلى (جلفار) للعيش فيها بعد أن هاجرا عن موطنهما الأهوازي في إيران. وهي تسريدات تعود إلى أزمنة قريبة في حدود عقود القرن العشرين سوى الإشارة إلى "الشيخ محمَّد بن قضيب" أحد شيوخ القواسم في القرن التاسع عشر، وبالتالي تسريد موت والدة البطلة "حورية" لتبقى "ميعاد" وأخواتها؛ "سعاد" و"عوطف"، يتيمات الأم تحت رعاية جدتهن اللنجاوية "رزيقة"، وبتربية "آسيا" الأحوازية لهنّ أيضاً.

أما الحيز المكاني، فيبدو لي أن لولوه المنصوري فتحت أفقاً جديداً في الرواية الإماراتية عندما وسَّعت من جغرافية الحدث المكانية لتشمل مدينة (المحرَّق) في البحرين، و(جلفار) في والإمارات، و(الأهواز) و(أصفهان) و(لنجة) في إيران، وكذلك (بغداد)، و(أمريكا). ولعل الأهم في تسريد هذه الأمكنة هو الانتقال المتناوب بين المحرَّق وجلفار وبغداد من خلال مدارات متوترة كالحب والحرب والحصار والموت والانتقال الديمغرافي بين المجتمعات وما يستتبع ذلك من ثقافات متعدَّدة تتكور وتتلاقى في المكان الكلي المسرود في الرواية لتكتسب - تلك الثقافات - هويتها المجتمعية الجديدة. 

تبدو رواية (آخر نساء لنجة) حكاية كل هذه الأطراف المشاركة في أحداثها، إلاّ أن الناصَّة آثرت تعويم قدر من الغموض في بناء العلاقة بين عنوان روايتها (آخر نساء لنجة) والشخصية المقصودة به، فيمكن النظر إلى تلك العلاقة بأنها تهدف إلى "ميعاد"، ويمكن أن تهدف أيضاً إلى "رزيقة"، لاسيما أن الناصَّة ختمت روايتها بموت "رزيقة" في عام 2006، إلاّ أنّنا، وفي أثناء متابعة المتن الحكائي، نهجس أن العنوان يرمي إلى "ميعاد" بوصفها آخر نساء لنجة، خصوصاً عندما قالت في نهاية الرواية: "رجال لنجة تكبر براويزهم؛ يشكِّلون انتماءً واحداً لتجذر اسمي!" (الرواية: ص 257).

ويبدو لي أن لولوه المنصوري تدرك جيداً أهمية تعويم الغموض في العنوان وهي تحقنه ببنية دلالية إيحائية قابلة للتأويل القرائي، وهو منعطف زخمته الناصَّة من تجربتها في كتابة الشعر، لكنَّ ذلك لا يعني أن الحكاية الكبرى في هذه الرواية لا هوية لها؛ بل على العكس من ذلك، تبقى حكاية الرواية في طواف يتمحور على شخصية "ميعاد"، الفتاة الجلفارية النشأة والتكوين والثقافة، ميعاد ابنة "راشد" و"حورية" التي توفيت بمرض مستعص لتترك الابنة "ميعاد" يتيمة وهي صغيرة، فاستحال أمر تربيتها إلى جدتها "رزيقة" وابنة العطار الأهوازي "آسيا" حتى تزوجت الابنة من "يوسف" الذي اغترب بعد عام عن الوطن إلى أمريكا وظلَّت تنتظره لثماني سنين حتى تطلّقه.

وفي خلال ذلك كله، تبقى "ميعاد" على علاقة شبه غرامية مع قريبها "سالم عبد الرحمن كاظم" اللنجاوي، ابن أخ "رزيقة أحمد كاظم" اللنجاوية؛ "سالم" الذي يعمل مراسلاً صحافياً في العراق، ويظلُّ بعيداً في علاقته مع "ميعاد" حتى نهاية الرواية احتراماً لكينونتها بوصفها متزوَّجة من "يوسف" ذلك الشخص الغامض في الرواية الذي يكتب، في نهاية المطاف،  رسالة إلى "ميعاد" من "شيكاغو"، يطلب منها الزواج من غيره، ويعترف، بحسب قوله، إنه "مجرَّد جرذ قذر وخائف حتى من ظله" (الرواية: ص 256)، بل ويعترف وإن متأخراً بأنه "عقيم، كان الخواء مني وقد علمتُ به فأخفيته متوارياً عن نميمة القرية إلى الأبد" (الرواية: ص 256). وهو الملفوظ أو المؤدّى السّردي الذي يكشف عن سبب سفره إلى أمريكا لغرض علاج عقمه، لتبقى "ميعاد"، وهي السيدة ابنة الأربعين عاماً، وحيدة بعد أن أصبح سالماً "المتشرد بحموضة الدم، التائه بنبوءة المجهول" (الرواية: ص 257)، وبعد رحيل زوجها "يوسف" النهائي عن حياتها؛ ومن ثمَّ موت "رزيقة" في المحرَّق، لتبقى "ميعاد" وحيدة كآخر امرأة من نساء لنجة.

شعرية المسرود: إن فداحة الأثر النَّفسي الذي تركه مآل "ميعاد" في القارئ، تزامنت معه ضميمة من الصيغ الأسلوبية التي كشفت عن أثر جمالي هائل أدلقته تجربة البناء الشعري في السّرد. وكما أشرت سابقاً بأن كتابة الشِّعر لدى لولوه المنصوري أتت بأثرها في عملها الروائي الأولى (آخر نساء لنجة)؛ فالمتن النَّصي يحفل بعدد هائل من الملفوظات ( ملفوظ = Prononcé) السّردية المتدفقة بإيحاء شعري فائق الحضور.

وإذا كان الملفوظ العتبي "أهدي هذا الشاغر من الضوء"، الذي افتتحت به المنصوري عملها الروائي هذا، قد ألمح إلى فلسفتها في الكتابة، فإنها عادت وبلورت جانباً آخر من تلك الفلسفة بملفوظ آخر افتتحت به (الفصل الثالث) = "عباءة الضوء" قائلة وعبر لسان "ميعاد"، بطلة الرواية: "إن الأدب لا يتهادن مع الهدوء، وإن تمَّت المهادنة، فلا شك أنّها ستغدو عادية، مملة، كتلك الأشياء العابرة المكرَّرة في ركضنا الباهت"! (الرواية: ص 101).

ولذلك، يمكن القول إن الارتماء في أحضان لغة عادية هو من قبيل الاشتغال على الهدوء والمعتاد والمكرَّر، بينما حياة "ميعاد" المسرودة ما كانت كذلك، بل هي حياة انفعالية يغزوها التوتر والتعب الوجودي الممل جرّاء الشعور العميق بالوحدة، وهو ما تطلَّب معجمية لغوية إيحائية انفعالية عابقة بالصور الشّعرية الخارقة لنمط المعنى الرائج على نحو فاتن وخلاب بغية "إبراز وجه العالم المؤثر" كما يقول جان كوهين في كتابه (بنية اللغة الشّعرية) (الرواية: ص 215).

ولهذا، بدأ الدفق الإيحائي الشِّعري من عنوان الرواية، ومن ثم أخذ يتكرَّس في العناوين الخمسة التي تجلَّت بها الفصول الداخلية أو الفرعية للرواية. إلاّ أن كل ذلك لم يكن سوى الغيث الأول؛ فقد أخرجت المنصوري بوصفها ناصَّة لعملها السّردي بعض المؤدَّيات أو الملفوظات السّردية من معناها المعجمي السائد إلى معناها الإيحائي أو المعنى الطافح بالشِّعرية (الشِّعرية = Poéticité)؛ ومن ذلك ملفوظ "من جذورك/ سالم" (الرواية: ص 102)، وكذلك ملفوظ "إلى جذوري سالم" (الرواية: ص 122)، وهي تواقيع الرسائل المتبادلة بين "ميعاد" و"سالم" التي جاءت بديلاً عن ملفوظات معجمية دارجة مثل: "حبيبك/ سالم" أو "حبيبتك/ ميعاد"، وغير ذلك من المخاطبات التقليدية.

إن نأي الناصَّة عن تسريد ملفوظات معجمية معتادة يكمن في طبيعة العلاقة بين "سالم" و"ميعاد"، فهذه الأخيرة متزوجة من "يوسف"، والتي تنتظر عودته أمريكا، وشعورها بـه كشعورها بأب شبه غائب عن حياتها، وهو الغياب "شبه السنوي لبيت أمها" (الرواية: ص 217)، ومن ثم اختفاء ذلك الأب بعد أن "توكأ على عصاه وحزنه، وامتشقته آخر الدروب البعيدة..." (الرواية: ص 227)، ويشبه أيضاً غياب الأم المتوفاة باكراً عن حياة بناتها. ولذلك، لا يعد ُّ"سالم" حبيباً، إنما القريب الحميم الذي يذكِّر "ميعاد" بأنه كذلك من خلال ملفوظ "جذورك" الذي تكرر كثيراً بقصدية واضحة. وبذلك يصبح هذا الدال حاملاً لمعاني التواصل الإنساني في صورته القرابية في بداية الرواية، لكنَّه سيتحوَّل إلى تواصل غرامي عندما قال لها ذلك السالم، وفي أثناء مكالمة هاتفية: "أحبك ميعاد.. أحبك جداً" (الرواية: ص 238).

غالباً ما تلعب اللغة الشّعرية على أسلوبية الإضمار الدلالي المعجمي بغية إحياء دلالة إيحائية مسرودة، ومن ذلك وصف الناصَّة لكينونة "رزيقة" بأنها "امرأة من حنّاء وطحين وسمن ورطب؛ امرأة من شمس وبنادق وحطب، وذاكرة جرار الماء فوق الرؤوس" (الرواية: ص 8)، وهو وصف يمكن تلخيصه بمفردة معجمية من قبيل أن هذه الجدة هي أمرأه كادحة أو امرأة بدوية أو امرأة قروية.

أما عن تسريد حالة الأب، فنقرأ: "على رأس الميناء، صبيٌ هزيل أسمر، يدب حائراً في خطواته، يسأل التجّار عن عمل متاح، يجلس على الضفة يقتات الانكسار والتخاذل والجوع" (الرواية: ص 30). والمشار إليه (Referred to) هنا هو "راشد" الذي سيصبح والداً لـ "ميعاد"، وزوجاُ لـ "حورية" بنت "رزيقة". وكذلك نقرأ: "عندما بدا الخليج من النوافذ مرتدياً السواد التام بعد عملية اغتصابه، وسكب ما يقارب مليون طن من النفط، فابتلعها قسراً في جوفه" (الرواية: ص 60). والمشار إليه بلفظ الاغتصاب هو غزو صدام للكويت، وحرق آبار النفط وسيحه على نحو بربري في مياه الخليج.

وفي مكان آخر، نقرأ الملفوظ الآتي: "قبل أن تنزع المحرَّق قناعها الأزرق الملفوفة به قبيل نهضة الشمس" (الرواية: ص 29)، إشارة إلى انبلاج فجر الصباح. وتضم سردية الرواية الكثير من الملفوظات الخاصَّة بوصف الأمكنة المسرودة، وكذلك صور الطبيعة، خصوصاً ما يتعلَّق منها بمدينة "أصفهان" التي زارتها الرواية طفلةً مع والدتها لغرض العلاج.

وكلما نتوغَّل في قراءة النَّص الحكائي للرواية، نجد الانحناء لما هو شعري يتدفّق في صور إيحائية متعدِّدة تظهر بحسب ظرفية السّرد المدارية (مدارات = Topics)، خصوصاً ما يتعلَّق بكينونة "ميعاد"، ومن ذلك: "عن زائر فجائي لزج أحمر يباغت شهرياً، ويبعثر جدولة الأيام" (الرواية: ص 23)، والمشار إليه هو ظهور الدورة الأنثوية الدموية لدى "ميعاد".

شارك