"مهرة العام" لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم

16 سبتمبر

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

أن تقف مطولاً عند كل مفردةٍ في السياق البنيوي للنص، أو كل دلالة شعرية تحملها تلك المفردة من النصوص الشعرية التي احتواها الديوان الشعري المسموع الأول لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، مهمة صعبة وعسيرة، إذا ما عنينا "بالوقوف مطوّلاً" المفهوم النقدي الجمالي لمصطلح "أن نقلّب" صفحات هذا المدوّن الشعري المتعدد الأصوات، والمتناول حالات الشعور الصادق في قمة إنسانيته وعمق رسوخه في تلاقيه مع المجرّد الإنساني في علاقة أنا الشاعر بذاته، وبالآخر، والداً، أو قائداً، أو حبيباً، أو قريباً، أو أخاً.

لكن يستوقف كل قارئ (مستمع) للديوان حضور طاغٍ للمفردة الوجدانية العاطفية، بمعناها الإنساني الموضوعي، لا الذاتي العشقي فحسب، هذا الحضور الذي يطرح سؤال الشعر نفسه، وضرورة أن يقول الشاعر، لتقول الحياة في نصه ما أرادت من القول، والبوح، والصراخ الوجودي الذي يكشف عن الفرح والاحتفاء بولادة شاعر، أو نبوغ حكيم، فكيف إذا اجتمع الحدثان معاً، في نص شعري معبّر عن ولادة شاعر ذي تجربة، وحكمة، وفلسفة، ترى بعين البعيد ما يقوله القريب، ولا يصل، إلا بصوت الشعر وإيقاع الغناء العربي، كأنه الحداء أو القصيدة.

ففي الديوان الشعري المسموع الأول لسموه، نجد ما يدفع بالمتلقّي، ناقداً كان أو متذوقاً، أو قارئاً (مستمعاً) عادياً، إلى غايات المطلق الشعوري، والوجداني، في دفق وجدٍ وانسياب شاعرية تحيلنا إلى منطق ما يمكن تسميته بمنطق القصيدة أو الشعر البياض في مساحة المشترك اللفظي والدلالي الواقعة ما بين حدّي نوعين من الشعر عرفهما العرب ويعرفهما الناطق بالضاد اليوم، وهما :شعر الفصحى، والشعر الشعبي (النبطي) وإن اختلف البعض حول مفهوم المسميين ومدلولهما.

والقصيدة في الديوان الشعري المسموع "مهرة العام" هي تشكل بنائي متقن بما يكتبه وحي الشعر، أو عبقره، كتابةً لا واعيةً مبدعةً، تنطق عن المخبوء في النفس الشاعرة، وتفيض بكل حساسيتها ورهافتها وشغفها الوجداني الوجودي معاً، وما يُقصد بالشغف الوجودي هو ذاك الهم الذي يحمله الحاكم وابن الحاكم والراعي تجاه رعيته في أحوالهم ومآلهم، وآمالهم. وهو ما لا يمكن أن نحصره بمسميات الحكم الرسمي ومهامه المجتمعية، بل هو الاقتراب حدّ التوحد بالهم اليومي للحياة نفسها، في الحكم، والحب، والرثاء، والوفاء، والوجد والوجود، هذا الهم الذي يضيق به صدر شاعر "ضايق يسولف"، ، أو ابنٍ يفخر بمنجز الأب والوالد في قصيدته "السمو والمعالي"، أو قصيدته "تحت أمرك"، ويبكي غياب القائد، المغفور له بإذن الله زايد الخير، رحمه الله، في قصيدته "قلوبنا قبرك" التي تحكي حكاية الشعر العربي في الرثاء، بل تكاد تختصرها، أو تقولها بأقرب كتابة إلى النفس والواقع الذي تعيشه، بكتابة خالصة الإخلاص وبكائية حارة تنطق بما يخطه القلب بالدمع لا الحبر، يقول:

"الحزن طعمه مر والفرقة أمر

وأيامنا تقسى علينا بظروفها

اللي عليك دموع شعبك تنهمر

مواطنين بلادنا وضيوفها

لو نمنحك الأعمار وانت أغلى عمر

معروفك مغطي على معروفها".

فالمرثي في القصيدة هو كلّها، وبيت قصيدها الذي لا تحتمل فقده الأبيات فتقتصر على معاني الرثاء واللوعة، وحرارة الوجد في مرارة الفقد، كأنها مع الشاعر، تردد قوله: "مين يقنع القبّار ما يحفر قبر/ قلوبنا قبرك يا ليت تشوفها"، أو هي لغةٌ تحتفي بالموت كما لو كان سفراً حكمياً في الولادة الدائرية التي لا تفصل بين حياة وموت، طالما أن الأثر الذي يتركه الراحل في المسافة، أقدر على اختزال المسافة في مساحة الحضور الوجداني في التشكل الشعري بما لا يمكن أن تلغيه، أو تقوى عليه مشيئة الرحيل، فالراحل يستمع إلى اعتذار الأرض والوجود عن "حالة" رحيله كضرورة بقاء شعري في وجدان الشعراء وقصائدهم، وضمائر وأفئدة الناس، كخلود أزلي، وبقاءٍ أبقى أثراً ، على لسان الشاعر، يقول:

"الأرض لو تملك أحاسيس وعبر

كان استحت ما تدفنك في جوفها

والشمس لو تكسف على موت البشر

في يوم موتك صار يوم كسوفها".

كأنّ الشاعر يبدأ حالة الرثاء كحالة وجد لا فقد فحسب، أي بما تعنيه الحالة من استباق لكل موت، برؤى تنظر إلى الموت "الأسطوري"، وعين شاعر يقترب من البيئة والواقع حدّ النطق بما يريدانه أن يقول، كأن يحكي ما يردده الناس العاديّون، البسطاء واليوميّون، كما في وفاة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وكلّ من هو مثله، من حاكم أحبته الرعية فدعت له بطول بقاء، وأسكنته رحيب صدروها كما ابتهلت إلى الله داعيةً بأن يسكنه فسيح جنانه، يقول:

"ليتك مسافر لانتظره من السفر

كان الأمل هدّى النفوس وخوفها

لكنني بسأل سؤالٍ مختصر

عن المواطن في البلد وضيوفها

أهل الكتوف اللي تشيلك للقبر

وشو شعور قلوبها لكتوفها؟". 

ويقبض سمو الشيخ الشاعر حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم على موضع الوجع الوجودي والسؤال الأول الذي اتسمت به حياة العربي منذ التقاء عينيه بالصحراء، والعدم، واستنطاقه الكثبان مكنونات ثراها وثريّاها، مردداً لصرخة الأنا الشاعرة الكبرى منذ طرفة بن العبد وأبياته الشعرية المشهورة من معلقته: "إذا القوم قالوا من فتى؟ خلتُ أنني عنيتُ / فلم أكسل ولم أتبلدِ". وهي الصرخة ذاتها بمعانيها المعرفية المرتبطة بجدلية العدم والوفرة، وفلسفة الوجود والفقد، في النص الشعري العربي، تتكرر في قصيدة لسموّه بعنوان "أنا، أنا" يقول فيها:

" إنسان يملكني مع الوقت شيئان

ربي ودين مخلّده في رسوله

لذلك الإنسان يا ناس لو كان

بلا جراءة رأي تثقل حموله

من ينتظر فرصة من فلان وفلان

تلقى مقام المجد صعبٍ وصوله". 

وبين طيات أوراق احتضنت أبيات الرثاء، والفخر والحكمة، وغيرها من الأغراض الشعرية التي حضرت في الديوان الأول لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ننظر شاعراً يناظرنا بأبدع ما اهتمت به العرب، بالشعر ديواناً وأيقونةً معلقةً على صدر الوجود، بأغلى جواهر المعاني، تقول عنّا، ومنّا، ما أردنا قوله في كل عظيم، وحكيم، وحاكم استعاد في شعبه وفينا سيرة الخلفاء الراشدين، والحكام العادلين المسؤولين، لنردّد مع الشاعر، قولته في قصيدة "تحت أمرك":

"حنا تحت أمرك وظلك ويمناك

وحنا إذا منّا وعدنا وفينا

شجعان ما ظنّي إذا قلت نعصاك

منك المراجل والتحمّل خذينا".
شارك