الثابت و المتغير في عناصر النية السردية عند علي أبو الريش

15 سبتمبر

المؤلف: د. صالح هويدي (العراق)

يحتل علي أبو الريش مكان الصدارة في المدونة السردية الإماراتية. وهي مكانة تعود إلى جملة من العوامل التي جعلت منه كاتباً، لا تذكر الرواية الإماراتية في محفل أو دراسة أو ندوة أو حديث نقدي؛ محلي أو عربي، إلا وكان له حضور وتنويه فيها.

ولعل من بين هذه العوامل؛ غزارة الإنتاج الروائي للكاتب، واستمرار مشروعه الذي يتعهده، ويسعى إلى توسيعه ومراجعته، في وقت يبدو فيه نَفَسُ أقرانه الروائيين قصيراً، لا يتعدى الرواية أو الاثنتين في الأعم الأغلب، ليتوقفوا بعدها أو يجعلوا مشاريعهم اللاحقة رهناً بما يفصح عنه الغيب.

يتصل بالعامل المذكور، صدور الروائي في منجزه السردي، عن ثيمات روائية لافتة، ذات معطيات فكرية وسيكولوجية وفنية أساسية، مع حرص على التنويع في منظور الرؤية، وطرائق تقديم عالمها.

ولعل أبرز ملامح عالم الروائي تتجلى في تلك الثنائيات التي تؤطره؛ ومنها ثنائية المدينة والصحراء التي تُقَدم لنا على الدوام في شكل ثنائية ضدية، تكون فيها شخصيات عوالمه ضحايا تلك الثنائية غالباً، فلا هي استطاعت الاستسلام لعالم الصحراء والتناغم معه، ولا هي استطاعت التوافق مع أجواء المدينة التي قررت اقتحامها، لتدفع في النهاية ثمناً باهضاً لوعيها وبراءتها. وهناك ثنائية الفرز الطبقي إلى مالكين ومستضعفين أو أثرياء وكادحين. وهي الثنائية الضدية الثانية التي تفضي إلى أجواء سردية، تجعل من الشخصيات كائنات ذات مصير تراجيدي، تتساقط وتندحر، لكنها لم تعدم شخصية أو اثنتين، ترفع راية التمرد على طغيان النوخذا وجبروته، لإحقاق شِرعة العدل الإنساني.

أما الملمح الثالث الذي يؤطّر تجربة الروائي، فيمثله احتفاء العالم الروائي للكاتب بالنكرات والمهمشين والكادحين الذين يبذلون جهدهم وعرقهم رخيصاً. ومن هؤلاء تبرز أصوات التحدي والوقوف بوجه الظلم والتسلط الإنساني الجائر.

من ناحية أخرى فإن علي أبو الريش يحاول في جل نصوصه الروائية - إن لم يكن جميعها- أن يتخذ من رأس الخيمة، ومنطقة المعيريض تحديداً، الوحدة المكانية التي تتأسس بها وعليها أجواء عالمه، في محاولة لإكساب هذا الفضاء نمذجة فنية وبعداً رمزياً، على غرار عدد من الروائيين العرب أو العالميين الذين خلدوا عدداً من الأماكن الأثيرة إلى نفوسهم كما فعل غارسيا ماركيز مثلاً مع قريته (ماكوندو).

ولا ريب في أن المتابع لمسيرة علي أبو الريش السردية سيلحظ من دون عناء، تلك التحولات التي شهدتها تجربته الروائية، ولا سيما على مستوى البنية السردية وتقنياتها ولغتها. وهوأمر يرجع إلى مثابرة الكاتب، وقدرته على تجاوز نفسه. فثمة نقلة واضحة بين أعمال المرحلة التي قدم فيها روايات من مثل: الاعتراف، والسيف والزهرة، ورماد الدم، ونافذة الجنون، وتل الصنم التي مثلت مرحلته الأولى في تقديرنا، وبين روايات مرحلة التحول التي بدأها بسلايم، وثنائية مجبل بن شهوان، وثنائية الروح والحجر والتمثال، وزينة الملكة، وثلاثية الحب والماء والتراب، والغرفة رقم 357، ورواية فرّت من قسورة، وسواها من الأعمال التي نعتقد أنها تمثل نقلة نوعية وتؤشر تدشينه مرحلة جديدة.

ولعل أبرز مظاهر التحول، قدرة الروائي عل تخليص لغته مما طغى عليها من مظاهر هُجنة، جعلتها تجمع أحياناً بين السمت والمظاهر الدرامية(المسرحية) واللغة السردية، في وقت استطاع فيه الروائي لاحقاً من أن يميل بلغته نحو التكثيف والشعرية التي حاول تطويعها تبعاً للأبعاد المختلفة لشخصياته، مع التخفف من الحوارات المتبادلة بين الشخصيات، مثلما تخلص من البعد الواحد المهيمن للراوي في شكل استخدام لضمير الغائب حيناً وضمير المتكلم حيناً آخر، لنشهد لاحقاً تنقلاً بين الضمائر والمنظور السردي داخل العمل الواحد، بما يتفق وتطور البنية السردية ومنطق تطور الأحداث فيها، واختلاف الشخصيات. وهو تطور فسح المجال لتعدد الأصوات، واختلاف المنظور، في مقابل خفوت صوت الراوي المهيمن العليم.

كما شهدت روايات المرحلة الجديدة مغادرة الروائي بنية النسق الخطي إلى حيث التنقل بين أنماط من السرد متنوعة، كالبدء من الحاضر للماضي أو العكس، أو المزاوجة فيما بينهما، على طريقة البناء اللولبي للأحداث، فضلاً عن إحكامه سيطرته على تقنيات الاسترجاع والمونولوج والتداعي الحر واستبطان أعماق الشخصيات، للكشف عن العوالم الشعورية واللاشعورية لتلك الشخصيات، مع التخفف من الحوارات الخارجية التي كانت تثقل جسد النسيج الروائي في مرحلته الأولى كما ألمحنا، لتوظيفها تبعاً لأغراض وظيفية، يقتضيها سياق البنية الروائية ومنطق تطور الأحداث فيها. بل إننا شهدنا في روايات المرحلة الثانية توظيفاً ناجحاً لمظاهر ما عُرف ب(تيار الوعي) في الرواية الحديثة وإن ظل محدوداً، خلافاً لما يعتقد بعض من تناولوه عنده، وعدوا كثيراً من مظاهر الانثيالات والنجوى الداخلية والتداعي مظاهر لتيار الوعي، فضلاً عن حاجة هذا التوظيف إلى الاحتراس من أن يتجاوز هذا الفيض الحدود التي تحتملها لغة الخطاب الروائي.

وإذا كان صحيحاً أن حضور المرأة في الأعمال الروائية للكاتب قد كان مبكراً منذ رواياته الأولى، وأن صوته كان منحازاً إلى صف الدفاع عن حقوقها زوجة وأماً وأختاً وإنسانة قبل كل شيء، فإن أعمال الروائي اللاحقة قد منحتها أدواراً تحريضية مارست عبرها ألواناً من التحدي لمظاهر الظلم والاستغلال، منتقلة بها إلى الصفوف الأولى ، وليس مجرد الدعم والإلهام.

ومثلما بدا واضحاً لدى الروائي حرصه على اختيار المدخل الاستهلالي القادر على شد انتباه القارىء منذ الكلمات الأولى، ولا سيما في المرحلة الثانية من مراحل تطور مسيرته الروائية، فقد وجدنا ميل الروائي في هذه المرحلة نحو تجاوز محاولاته السابقة في الإمساك بخيوط عمله السردي حتى النهاية للوصول بها إلى الغاية التي خطط لها وحدد رتوشها وملأ ثغراتها، من دون أن يترك للمتلقي فرصة مشاركته في الاقتراح والتأمل، وبما يضيّق من مدى التوقع لديه، ويحدّ من أفق انتظاره، فإنه في روايات المرحلة الثانية عمد إلى توسيع مساحة البياض والفراغات، والميل في بعضها إلى ترك النهايات مفتوحة، إيماناً منه بدور المتلقي في إعادة بناء النص واقتراح قراءة تأويلية له، في ضوء نمو البنية السردية، ومناطق الضوء والعتمة، واستنطاق المسكوت عنه، وفك شفرات ما هو غامض منه. إلى جانب نجاح الروائي في إكساب رموزه وعلاماته السيميولوجية طاقات إيحائية طيبة، من شأنها تعميق اندماج أفق القارىء مع أفق الخطاب الروائي وإكسابه دينامية وثراء. نلحظ ذلك مثلاً في إكساب الروائي الصحراء دلالات رمزية على الطهر والبراءة والحكمة وبكارة المكان، مثلما نلحظها في شحن حضور بعض الحيوانات طاقة إيحائية أسطورية وأليغورية، كالقطط والكلاب، أو تقديمه المدينة على نحو تبدو فيه علامة على التيه والضياع وانسحاق آدمية الإنسان وروحه، في مراحل من تطور مسيرته السردية، أو في تناوله لثيمة العقم في أكثر من عمل له، وإكساب هذا الحدث بعداً إيحائياً بدا فيه وكأنه تعبير كنائي عن عقم العلاقات الأسرية ووصول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى طريق مسدود، في محاولة منه لجعل الباب مشرعاً أمام الشخصية، للبحث عن آفاق أرحب ومعانقة المأمول وتمنية النفس في الوصول إليه.

ولعل علي أبو الريش من بين الروائيين الإماراتيين والعرب القلائل الذين يمتلكون حساً إنسانياً جعله ينظر إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا، بغض النظر عن علاماته الفارقة وملامحه وجنسه وعرقه ومعتقده. وهو ما جعله يفسح المجال في نصوصه لأن تحتل عدد من الشخصيات المعاقة دوراً واضحاً، وصل في عملين سرديين له إلى أدوار البطولة، ونقصد بهما روايتي (نافذة الجنون) و(تل الصنم) وشخصيات أخرى ثانوية في عدد من رواياته، إلى جانب إفساح المجال في هذه النصوص لأنواع من الحيوانات التي شكل بعضها قيمة عليا، وازت قيمة الشخصية الروائية وتفوقت عليها أحياناً، في حين كان لبعضها وظيفة رمزية وبعد دلالي مهم كما ألمحنا.

وعلى صعيد الشخصيات التي قدمها المنجز الروائي لعلي أبو الريش، نلمح بوضوح تلك الثنائية التي تتحكم بها، إلى: متحكمين ومستضعفين، طاهرين ومدنسين، ضعفاء وأقوياء، ساذجين وأذكياء، مع ضيق مساحة التحولات التي تشهدها حيوات تلك الشخصيات وتطورها، وإن لم نعدم حدوث ذلك أحياناً.

لكن هذا الأمر لم يحل دون صدور الروائي في جل منجزه السردي عن موقف نقدي لمجمل العلاقات الاجتماعية والثقافة المجتمعية التي تحيا الشخصيات في ظلها. لذا وجدناه في أكثر من عمل، يعمد إلى خلخلة البنية القيمية السائدة، في محاولة للانتصار لقيم الثقافة التنويرية وإشاعة الحقوق الإنسانية العادلة وقيم التحرر الإنساني، حتى وإن بدت حركة تلك الشخصيات غريبة جريئة وغير متسقة مع النسق الثقافي والقيمي للثقافة المجتمعية السائدة.
شارك