فضاءات مفتوحة على الفانتازيا واللعب على حدود السرد

15 سبتمبر

المؤلف: فاتن حمودي (سوريا)

الحديث عن تجربة الكاتبة باسمة يونس يعني الدخول في التنوع والقدرة على الجمع ما بين كتابة القصة القصيرة والمسرحية، والرواية والمقالة والدراسة والبحث، وكأنها فتحت باب الكتابة على الحياة، مرة تدخلها كقاصة، وحين تضيق بها القصة تمضي نحو الرواية، وفي أحايين كثيرة تدرك أن المسرح هو الأب الروحي للفنون، فتمضي إليه محملة برائحة المكان، ومفرداته، ودائما تفتح أمامنا عالماً من التخييل والتجريب سواء في خلق الشخصيات التي تقارب الواقع أو تفارقه، وعندما نقرؤها نكتشف إمكانيات اللغة، كونها تلامس حياتنا اليومية، والشعرية أيضا، ونصل إلى ما قاله جاستون باشلار: "إن الصورة الأدبية تضع الكلمات في حالة حركة، فتثري العالم والإنسان معا".

قراءة التجربة تستدعي العودة، إلى المجموعة القصصية " ماذا لو مات ظلي"، و التي صدرت في طبعتها الأولى عام 2003 عن دائرة الثقافة والإعلام الشارقة وضمت خمس عشرة قصة، "ماذا لو مات ظلي"، سؤال فلسفي، وقصة صافعة، تحمل أسئلة وجودية قلقة، على غاية في الأهمية، من وجد أولاً أنا أم ظلي، من هو الظل، ولماذا لجأت الكاتبة إليه، وما أثر الواقع الاجتماعي الذي جعلها تلوذ إلى الظل، وكأنّه المخلّص؟.

ومن هي تلك الشخصية الإشكالية التي تلوذ إلى الظل، ترافقه تحدّثه تسجنه تطلقه تجاسده، من هو هذا الظل، ولماذا نستظل بظلالنا؟، هل هي حالة سريالية أم تراجيديا الواقع هي التي تفرض علينا تغيير ملامحنا، كون الظل أكثر جرأة وتمرداً منا، يدخل الأمكنة ويخرج منها مزهواً بنفسه.

سؤال نلمح ظلاله في أحداث القصة التي قُسّمت إلى سبع عشرة لوحة، لامست فيها الكاتبة الفلسفة والشعر، والحكاية، وحملت رؤية استشرافية لمآلات الإنسان في ظل العولمة.

تبدأ المقطع الأول قائلة: "إنها لحظة الغروب، يسقط القرص في بحيرة النهاية"، وتتساءل: "من أقوى نحن أم ظلنا؟، لماذا ترتدي ظلالنا عباءة سوداء تخفي ملامحها، من وجد أولاً أنا أم ظلي؟ من الأصل ومن الصورة؟ ثم تسأل سؤالاً فاجعا "ماذا لو مات ظلي؟".

تدخل بعدها الكاتبة في مونولوج داخلي، يتجسد من خلال حوارها مع الظل، فالظل جاد جريء، يكره الفضول، لا يحب الغياب، وهنا نلحظ أنسنة الظل، والتصالح معه، فالظل يمثل الجرأة والاقتحام، والتمرد،  والظل أيضاً متعدد الأحوال، تارة يأخذ دور الأنيس، وتارة أخرى دور الشيء المخيف، تقول:" باغتني الظلّ المرسوم بوحشية على الجدار أمامي وكأنه ظل شيطاني" (ص80).

 فظل القطة يتحوّل إلى نمر مخيف، وكأن الكاتبة أمام أحلام يقظة، تنعكس على شكل أوهام وتهيؤات،  في حين يشكل الظل، ظل الأشياء، ظل الكائنات، ظل الإنسان، شخصيات حقيقية في القصة.

الغروب بداية المشهد الأول من القصة، قد يعني نهاية علاقة، وقد يشدنا أحياناً إلى لحظة رومانسية نفتقد فيها إلى ظل من نحبه، ثم تمضي القصة في اللوحة الثانية نحو المساء، المساء كمساحة لحوار بطلة القصة مع الظلال، ومآلاتها، أما الصباح، فهو مساحة الضوء والمواجهة، في حين ترصد القاصة غربتنا، استلابنا في اللوحة الرابعة، ويأتي هذا أثناء حوار بطلة القصة مع المصور، واستنكارها لأن تكون صورتها بلا ملامح، وتساؤلها: "من ولد أولاً الصورة أم السلب؟ صورة معتمة بلا ملامح"، وتخلص إلى القول، ما أجبن الظلال؟"، هنا يحمل الظل رمز العلاقة مع الرجل، هروبه من الأنثى بجبن، وكأنه لا يريد أن يواجه.

ماذا يعني غياب الشخص وحضور الظل، هل هذا يعني بأن العالم كلّه قامع، أم يعني أنه زائف، ويريدنا  بلا ملامح حقيقية؟، وبالتالي، إلى أي درجة شكل حضور الظل في القصة استشرافاً ورؤيا للكاتبة، لما حدث مؤخراً في بعض وسائل التواصل الاجتماعي لا سيما الفيس بوك، حيث بتنا نجد عشرات آلاف البشر بأسماء مستعارة، بصور مستعارة، وكأنها تبشر في الدخول بالعالم الافتراضي، للتعبير عن حالة تغريب واستلاب الإنسان، وكأن الحياة والأشياء تفقد الطعم والملامح، فنلجأ إلى عالم افتراضي يدخلنا في التعامل مع الظلال، وبالمقابل نلحظ انحسار العالم الواقعي الذي تطمس ملامحه.

ما يهم في هذه القصة، ليس العالم الصادم، بل التعبير الحيّ عن الصدمة، والذي يأخذ حالة من الغرائبية، ماذا يعني أن يأتي شخص بلا ظل، عادة الظل تابع، هنا الشخص تابع للظل، الظل حركة، والشاخصة ثبات، الظل ينوس بين الأسود والرمادي، الظل يتمدد بالطول والقصر، فارداً سطوته على المكان، وكأنه قوة خفية مهيمنة وبلا ملامح "لماذا لا أترك للظل كلّ حياتي، وأصبح أنا الستار الكالح التابع للجسد؟ كان ينسحب خلفي يرافقني بسيطرة يقفز بجواري يسبقني كأنه يفرض سيادته على وجودي"، وفي المشهد الثامن تقول:" تتمدد الظلال على الجدران و في الحدائق كأنها تسترخي بانتظار إياب أصحابها"، الظلال تتأنسن هنا، وكأنها  تشكل علاقة حب مع بطلة القصة، "ها هو الظلّ يعود إليّ..لم أعد خائفة..إنه معي"، هنا تبدو فكرة الانتظار ورجوع الظل دليلاً على العقل والبراءة، فالمقطع انتهى بمصالحة مع الذات، مصالحة تظهر الراوي بأنه غير مجنون، ولم يفقد روابطه بالطبيعة، فالظل كامن لكنه منسي، وتأخذ الظلال دور الفاعل "تنسكب الظلال عبر النوافذ بلا حياء، تقتحم البيوت بلا استئذان"، هنا تقوم الظلال بالعمل، باقتحام الآخر، وهذا تعبير عن الاستلاب، فالظل يزيح الخجل ويقتحم الآخر، لذا فإن هذه الظلال تُقبّل وجوه الحسناوات، إلى جانب أن هذه الظلال ملتبسة الجنس، ممكن أن تكون ذكراً أو أنثى، وهنا يحضرني الشاعر محمود درويش وقصيدته " الظل" التي يقول فيها: "الظلُّ، لا ذَكرٌ ولا أنثى، رماديٌّ، ولو أشعلْتُ فيه النارَ"، بينما عند باسمة يونس يشكل الظل البديل والمعادل للحياة والوجود.

فالظل بهذا المعنى أكثر تنوعاً، وإيلاماً وتعبيراً عن غربة الإنسان، حتى الشوارع والمدن أصبحت بلا ملامح، شخصيات بلا عواطف، لدرجة تمنت فيها الكاتبة أن تعيش مع ظلها وحده، وكأنها تهرب إلى عالم افتراضي، وهمي، فالأصل معطوب، الظلّ أيضاً معطوب، لهذا ومن شدة خوفها عليه، تحبسه،  فيهددها بالهجران الأبدي فتطلقه إلى الصباحات، وذلك بعد مونولوج داخلي وحوارية بينها وبين ظلها، تسأل: "من يريد امرأة فقدت ظلها"؟، وتتصاعد القصة، في تساؤلاتها: "ماذا لو تظاهرت الظلال ذات يوم، مطالبة الناس أصحاب الصور الملونة بحقوقها في أسماء وبطاقات هوية وجوازات سفر وتكوين مجتمعات خاصة بها، لا تعرف الحقد والحياة".

الظلال هنا ترمز إلى الاحتجاج، من أجل مساحة من الحرية، فالظل لا يعرف الخيانة وهو ما يمنح التوازن، وتخلص إلى جوهر علاقتها بالظل من خلال فلسفتها الخاصة بعلاقة المرأة بالرجل تقول: " كنت أسمع كثيراً أن الرجل ظل المرأة، أي أنه قوتها، لكنني لم أفهم إلى الآن ماذا تسمى المرأة بالنسبة للرجل؟".

الكاتبة هنا تنتصر للرجل، ولكن أي رجل؟، الرجل الظل، فتتساءل: لو كان الظل هو الأصل، نحن لسنا أكثر من صورة سلبية للحياة، وهنا يجتمع الرجل والمرأة على منصة الظل نفسها، وكأن الحياة لا تقبل بالطبيعي وتبحث دائماً عن الظل، الرمادي، المتخفي، الذي لا يحمل ملامح، لهذا تشكل القصة نصاً صادماً، سريالياً، جاء نتاجَ واقعٍ غرائبيٍ، شكّلت فيه الوحدة نفياً وعدم مواجهة، ورغم المآلات، فإن المرأة تنتصر لظلها وتحافظ على البقاء إلى جانبه، وكأنها تلوذ إلى الوهم الذي يمنحها تارة حالة توازن، وتارة أخرى حالة هروب.

وتشكل اللغة جسد القصة، ومفتاحها المحمول على أسئلة الفلسفة، أسئلة الوجود، لذا يمكن لهذه القصة أن تُمسرح، ويمكنها أن تتحول إلى سينما، كونها محمولة على الصورة، المتشابكة في علاقة الواقعي باللاواقعي، حتى يبدو أنه "من السهل إدراج العالم في كلمة، في عبارة، أو بالأحرى في الصورة".

النص الذي تنطلق منه يونس غنيٌّ بالشخصيات والخطاب والصوت، بل الأصوات التي تسافر من نصٍ إلى اّخر حاملةً وجعاً خاصاً، وحين يسافر النص إلى محطاتٍ أخرى يفتح نوافذه للمكان دافعاً بالشخصيات نحو التشظي والارتطام، فيظهر الرجل والمرأة في حالات وتداعيات مختلفة، المرأة المبدعة التي تتحاور مع الظلال، المرأة التي فاتها قطار الزواج، المرأة المتزوجة، العاشقة، من خلال صراع الشخصيات مع الشرط الموضوعي المحيط، والرجل هنا له معاناته وتناقضاته وصراعه وقيمه، ومن خلال السرد القصصي، نلحظ الراوية أو القاصة نلحظها ترى بعين الفن تارة، والواقع تارة أخرى، دون الوقوع بالنسوية المريضة والمتطرفة، لذا ينحاز النص للحياة من خلال التوازن في العلاقة بين المرأة والرجل.

لا شك في أنّ عناوين قصص المجموعة تحمل الكثير من القراءات التأويلية للدخول إلى النص لأنه معادل لواقع يحاول النص التماثل معه، إضافة إلى أن العنوان يعد العتبة الأولى للنص،ومفتاحه وضوءه الداخلي، وقد ضمّت المجموعة القصصة خمسة عشر عنواناً، جمعتها يونس تحت عنوان "ماذا لو مات ظلي"، وشكلت عناوين القصص مفتاحَ ومدلول الحكاية، وكأن العنوان باب من أبواب الدخول إلى شخصيات العمل، ففي قصة "ملهاة غريب وقمرة" نجد أنّ الخيط الرابط هو الحب، والذي يظهر بصور مختلفة، حب غريب لقمرة، غريب الذي يتابع دراسته في أمريكا، وقد أضناه الشوق لقمرة، الشوق المنسوج بالرائحة، و هنا تشكل الرائحة ثقافة من ثقافات المكان والحب، تقول الراوية: "يشعل في حجرته الباردة بخوراً، لتضرم في فؤاده مساحات شوق، وتتفتح مشاعره على رائحة دافئة لغرام مشبوب".

على طرف آخر يظهر الحب عند قمرة، التي تنتظر حبيبها الذي غاب، بصورة مسمومة، "حيرى، نمت في روحها أعشاب رهبة سامة"، كأن الكاتبة أرادت من البداية أن تأخذنا إلى نهايات علاقة محكومة بالموت، قبل أن تسرد تنامي الأحداث، لتنتصر في المحصلة للعائلة، كدائرة اجتماعية محكومة بالقداسة، فيما يحضر الزمن صيفاً، ويتجسد المكان في دبي، والفريج، والبيت والغرفة، ودوائر العمل، وقمرة التي لم يفهمها غريب، قمرة التي لا تجيد التعبير عن الحب، قمرة التي ترد الهدية وتستخف بها، وبالتالي تأتي الحكاية محمولة على لغة الشعر "كانت ليلتها حالكة السماء، تمطر أسى في عيني عاشق، ينسحب كجريح معركة خاسرة، ووجه قمرة الفاتح بنكهة "البثيث" اللذيذة، يتباعد كانحسار الجزر ويتلاشى كالسراب خلف غمامة سوداء كئيبة"
شارك