زينة الملكة : ذخائر التراث وكنوز التاريخ

15 سبتمبر

المؤلف: عبد الله السبب (الإمارات)

نخوض غمار تفاصيل رواية "زينة الملكة"، بفصولها الستة، وصفحاتها المتعدية للمائتين .. بدءاً من "المعيريض"، مسقط رأس الراوي الذي لا يتوانى لحظة واحدة في استحضار طفولته التي كانت هناك، انطلاقاً من ذلك الزمن (09/06/1956م)، ومروراً بستينات وسبعينات القرن العشرين .. فمنذ تلك الطفولة، كما يتحدث عن نفسه، وتحديداً في سن العاشرة، فمنذ الصباح الباكر، وفي عز القيظ، كان يجلب الماء والرطب على ظهر الحمار من منطقة "الحديبة" باتجاه "المعيريض"، ثم يذهب إلى "العبرة"، قاطعاً الماء، من الخور إلى الخور .. فـ "أبو الريش"، يتحدث عن نشأته بكل فخر وكبرياء: (إذا كانت القرية، أية قرية هي مُعْدمة، فأنا نشأت في مكان أكثر من معدم، وأعتقد أن هذه النشأة لها إيجابياتها، فقد خلقت لدي المعاناة الكبرى في داخلي، ومهما حدث فلن أستطيع التخلص من هذه المعاناة الداخلية الكبرى والتي هي المعاناة اللذيذة)، وانتهاءً بالسفر الأخير لـ "زينة" المأهولة بالفتنة، والفطنة، والكوارث ما ظهر منها وما بطن ..

هي "المعيريض" إذن، مسرحاً رحباً لأحداث أطلت علينا منذ زمن البدايات الجميلة، وحتى ما بعد ذلك من حكايات طرأت على الحياة فيها بغموضها ووضوحها، بميتاتها وحيواتها، ببيوتها وأزقتها، بأهليها ومرتاديها، من بشر وحيوانات وكائنات شتى، حقيقة كانت أم من عالم الخيال والخرافات .. "المعيريض" بعاداتها وتقاليدها، وبما زحف إليها من عادات وتقاليد من شتى البقاع والخرائط .. "المعيريض"، بأسئلتها المتأججة .. المؤجلة حيناً والمعجلة حيناً آخر، وبإجاباتها المالحة تارة والعذبة الصافية تارة أخرى .. وهي التي هي، بمفارقاتها وتفاصيلها التي لا تخطر على بال أحد، جراء الطفرة النفطية التي عمت البلاد من الماء إلى الماء، هي ذاتها "معيريض" الراوي "أبو الريش"، المغتسلة بعرق البحر، والمخضبة بغبار اليابسة .. هي "المعيريض" .. بصلواتها، وبصلاتها بجيرانها، وبطقوس كل يوم، من أنشطة تجارية واجتماعية، ومن مقاهٍ مكتظة بالحكايات، ما صدق منها وما لوثته ألسنة "الغشمرات" الملفقة.

تلك هي "معيريض" علي أبو الريش، وآلاف مؤلفة من سكان تلك القرية النائمة على الشاطئ .. السكان الذين ذهبوا مع روح الموت أو ريح الحياة، وقليل من سكان مازالوا في سفينة النوح على أطلال القرية الغافية على شاطئ مفخخ بالهجران وبأشياء أخرى أشبه بالمراثي ..

تلك هي "معيريض" علي أبو الريش، وتلك هي "زينة"، فاتنة "يوسف الراوي" ومليكة قلبه وذكورته التي يتباهى بها أمامها إلى الدرجة التي تأسر أنوثتها، متبنية إرث نساء الأرض (يتمنعن وهن الراغبات)، ومؤمنة بنصيحة الحياة التي تلقتها من أمها قبل موعد زواجها بأيام : (الزوج ظهر المرأة والزوجة حضن الرجل، كوني له خاتماً يكون لك سواراً)، لاسيما حين يضاهي "يوسف" بذكورته فحولة "النوخذا أحمد بن سلطان" المعلول سلاً أصفراً أنهك جسده الذي لم تسعفه نقوده وغناه الفاحش ..

"يوسف الراوي" المغلوب على جيبه، إلا من قلبه الغني بضحكات يستعين بها على حزنه القديم، يغادر "الملكة زينة"، تاركاً إياها مع دجاجاتها، وكتيبة من قططها الغفيرة التي هي على موعد دامٍ مع "مجهول معيريض"، القطط الرقطاء والبيضاء المحناة بالشعر الأصفر، والسوداء المطرزة بشعرها الأبيض، وحتى الصغيرة "سلوى" التي أسلمت روحها قبلهن، وكلبها "فهد" الذي لا يسيء معاملتها ويمنحها كل ما في وسعه من طمأنينة وأمان .. يسافر "يوسف الراوي" في حكايته الأخيرة الطويلة، تاركاً الـ "زينة الملكة" (في خيمة مسقوفة بأمنيات الفقراء)، تكافح شر الدواب، وشر المحن، وشر البشر ..

يذهب "يوسف" في سفرته الأخيرة تلك، تاركاً وراءه "زينة"، وتاركاً آثاره وأنفاسه وتحركاته وأقواله وأفعاله وممارساته الليلية والنهارية، وتاركاً وراءه "المعيريض" برمتها، ورمادها ورمانها وبرها وبحرها، وتاركاً إياها برجالاتها المترعين بأفكارهم المختلفة، ورؤاهم وسلوكياتهم المحببة، أو المريبة أو المثيرة للضحك أو للسخرية أو للتقزز والاشمئزاز أو للشفقة والدعاء بالرحمة أو الموعظة الحسنة .. وتاركاً وراءه كتيبة من النساء المؤنسات لـ "زينة"، أو المستلقيات في غمرة الغمز واللمز، أو المخضبات بالفضيلة أو المشبعات بالضحك والتجوال من درب إلى درب ..

"يوسف" الذي يروي لزوجته ما شاء من حكايات وصور، ومارس معها بطولاته الذكورية دون تذمر من "زينة" ودون أدنى شك بفحولته:

(.. صحيح أنك لو تزوجت غيري .. لو كان زوجك أحمد بن سلطان النوخذا، ستلعبين بالنقود لعباً، لكنك ستفتقدين من الليالي التي تحبينها مثل العود، مسكين، رجل غني، لكنه مسلول، معلول، وباء الصفراء أنهك جسده، فلم يعد بإمكانه أن يفعل ما نفعله نحن في الليل .. ثم يفتل شاربه مفتخراً، بفحولته قائلاً: لعن الله الفلوس إذا كانت لا تهب الصحة ..

ترمقه زينة، وتغنج .. كان يوسف الراوي يضيق ذرعاً عندما تقتحمه وعكة صحية مفاجئة، بل كان يعتبر "الأنفلونزا" شيطاناً بغيضاً يهاجمه كلما بالغ بالمعاشرة، يشعر أن هذا المرض من فعل الجن الذين يسكنون أجساد البشر،لذا كان، يقول لزينة:

أخشى أن تكوني يا زينة مسكونة، أتمنى الموت وألا يقاسمني كائن ما هذه النخلة الباسقة، مشيراً إلى جسد زينة .. فتبتسم ساخرة ، قائلة:

لا تتهكم كثيراً، أنتم الرجال هكذا، كل امرأة تقع بين أيديكم تكون أجمل نساء العالم. يضحك يوسف، متشرذماً تحت انفعالات الرغبة وهاجس الأنفلونزا، ثم يضغط على يدها، متحرقاً، تشعر زينة بسخونة يده حرارة، رغبته المختبئة تحت جلده المحموم، تسبل الجفنين وتسرع في تقديم كأس الليمون، الحامض، فيرمقها قائلاً بمزاح:

الليمون، لكنه عدوي اللدود، لأنني سمعت أنه يجهض الرغبة.

فترد زينة، غانجة: أنت الوحيد الذي لا يردعك داء ولا دواء .. خذ الليمون، وتوكل على الله .. بقاطعها يوسف الراوي: صلِّي على النبي يا امرأة .. أنا لا أخشى إلا عبون النساء.

فترد المرأة غانجة: ولكن، عيناي باردتان عليك.

فيقول يوسف مداعباً: وحلوتان أيضاً) ص 9 – 10

"يوسف" الذي غادرها في ملكوت انزوائها، وفي عز تعبها، وعز موتها، وانتظاراتها للقادم من رحم المجهول، هو ذاته الـ "يوسف" الذي يطل عليها بين فترة وأخرى، وبين ليلة وضحاها، يعيد على مسامع ذاكرتها ما قد أثلج به صدرها، أو أخمد نار خساراتها وبكاءاتها المختبئة في شعرها الموشح بالبياض ..

فها هي "زينة" تشيع الأرض بابتسامة ساخرة، ص 210، ثم تهمس: (.. لا ضير أن أفتح عيني، لأرى، يوسف الراوي، وقد نام في مهد قيلولته الحالمة يضع يدي على وجهه، ثم يقبل وجهي، ويقول: لا تجزعي يا زينة، يا ملكة، لا يفزعك الغياب، فخلودك هذا يكفيني أن أصبح أعظم رجل في هذا العالم .. يا عظيمة، يا جليلة.) ص 210-211

وهكذا .. (غابت زينة وبرد الجسد وأصبح القلب مضغة لينة، مهادنة للغياب، والعينان تغيبان على الزرقة، ثم احمرار البهاء ثم تدخل في البياض، الأشهب .. تغيب زينة، ويبقى سر انزوائها في كنف الاحتواء الدفيء .. شهقة أخيرة طردت بقايا ما تبقى من لغة الموت "وفي السفر الأخير، أخذت مقعد نشوتها .. بلاغة الموت ص 212".

"زينة الملكة" .. الرواية التي جند فيها الأديب "علي أبو الريش"، كل طاقاته اللغوية، وذخيرته التراثية، والتاريخية، واستثمر فيها دراسته الأكاديمية، "ليسانس علم النفس"، حتى تبدو، الرواية، وكأنها معجم خاص بالبيئة الإماراتية بمختلف تفاصيلها وفصولها .. هذه الرواية التي طافت بنا في أنحاء متفرقة، وزوايا مختلفة، من "المعيريض" القديمة، تلك القرية الغنية بعناصرها البشرية، والتي من بينها الروائي "علي أبو الريش" - 09/06/1956م – تلك الرواية، بحاجة إلى قراءة ماكنة ماكرة ماهرة، تستطيع اكتشاف بواطن الأمور، وأنفاس السطور.

كما عليك، أيها القارئ العربي، إذا أردت الدخول إلى المدرسة الروائية للأديب "علي أبو الريش" فصلاً فصلاً، وسطراً سطراً، عليك أن تتحرر من ذاتك، ومن كل ما قد يعوق توحدك بها. فَنَفَسُ الكتابة الطويل الذي يمتاز به "أبو الريش"، بحاجة جادة إلى نَفَسٍ أكثر طول من القارئ الذي يجب أن يتسلح جيداً، وهو يسافر في أنفاس "علي أبو الريش"، ورواياته.
شارك