علي العندل – رحيل لم يكتمل

13 سبتمبر

المؤلف: عبد الفتاح صبري (مصر)

سيظل علي العندل رحيلاً لم يكتمل؛ لأنه ترك لنا قصيدة تخلده وتكتبه ألف مرة على جسد هذا الوطن، وستظل قصيدته التي تركها تستحث أطياف الذاكرة ببوارق تؤكد على فداحة الراهن وتعريه بنوسان تعاشق أخيلة صوره الشعرية التي تتكاثف بالدلالات وتناسل الرؤى.

وسيظل الرحيل المبكر لشعراء وأدباء محطة جديرة بالاهتمام والتأمل.. فعلي العندل تجربة شعرية لم يكتمل بريقها الإعلامي والمعرفي للساحة الثقافية الإماراتية، وهو بهذا ينضم إلى المشهد الشعري المزدوج الذي يفصح عن بعضه ويواري خلف أسدلته معظمه، والأمر بالتأكيد مرتهن بأسباب كثيرة.

وعلي العندل أحد الشواهد المهمة على آلية تلك المشهدية التي تعجز عن إبراز مبدعيها في كافة محاور الإبداع الوطني، اللافت في هذا الرحيل أنه أيضاً يفضح قصور المؤسسات المعنية بالثقافة والأدب التي لم تحاول مثلاً التنقيب والبحث والاحتفاء بمشروع إبداعي ارتحل باكراً بأن يتم إصدار أعماله أو إصدار كتاب عن حياته وسيرته ليس تخليداً له، ولكن على الأقل توثيقاً لذاكرة أمة واستمرار إحياء نبضها الواعي والمتدفق بالإبداع واللغة والشعر وفنون الأدب.

وتبدو أهمية علي العندل فـي شعره الذي لم يتعرف عليه سوى محبيه وأصدقاء له مكتنزاً بتهويمات الصعاليك من شعراء جسدوا حالته في عموم الوطن العربي وماتوا أيضاً يائسين مطرودين من نعمة الاعتراف الاجتماعي وحظوة الحياة كغيرهم من البشر.. ويظل شعره مثالاً لجرأة التناول والنظرة للحياة وللناس وللوطن.. فقد أفرط فـي إفراد رأيه الصريح وبدون مواربة أو شروط أو اعتبارات أو خوف، فبرزت لديه سطوة الذات المحبطة، وقسوة الخارج الحارقة، وكأنه كان ينتظر رحيله المبكر فلوّن أفكاره الشعرية باليأس، وتطاولت صوره القاتمة راسمة عزلة الإنسان فيه، ورسم صورة فريدة للعذاب والألم واستحالة الخلاص، ومزج نفسه الشعري بصوفية فلسفية باحثة في سؤال الحياة الأبدي الذي لم يصله الفكر الإنساني القلق وبنظرة فاحصة لبيان الرابطة الحمارية، والذي أصدره في العام 3891م، وكان يومئذ طالباً بالجامعة، نتعرف بعمق على رؤيته الثاقبة وهو ما زال شاباً في بداية مشوار الاكتمال، إلى آخر تلك الآراء التي تتضمن أيضاً رؤية فلسفية للحياة وللناس ولحركتهم في المجتمع اليومي. هذا المدخل مهم لفهم شاعر في بداية مرحلة قلقه الوجودي والإبداعي، وقد يكون مدخلاً لفهم بعض رؤاه التي بعثها شعره القليل الذي تركه، والأهم كمدخل لقراءة نثرياته التي تركها لنا علي العندل، وهي مهمة جداً لفهم بعض إشراقاته، وما يفكر فيه مثل مخطوطتي (رسائل المقبرة للأستاذ فرج) و(الدكتور ونصيحة التمزيق)، وسنرى فيها فلسفة عميقة مسورة لذات قلقة تقهرها أسئلة الوجود، وكذلك قهر المجتمع الذي لا يفتح له آفاقاً للتصالح معه أو فيه ليصبح العندل غير متصالح مع نفسه أو المجتمع الذي يعيشه.

وهنا مكمن التبئير الذي اعتمده شعره الذي بين أيدينا. وبإمعان النظر في بعض النصوص التي خلّفها لنا سنكتشف الكثير من تهويمات هذه الصعلكة النفسية التي تمسك بها العندل في مواجهة عزلته وقسوة الحياة حوله، رغم أنه لم يستسلم لذلك أبداً.

وعند النظر في قصيدته (جلد الجسد.. والأسد) و(المرد.. الأحمر) سنرى خطابه الحكائي ارتكن على شعرية مفتقدة بتعمد، لأن لغته اختارت مفردات قاتمة بلون الحالة التي أرادها وتمحورت حولها تجربته الشعرية، وسنرى كم المفردات المتماهية مع الحالة.. يعاني/ المقبرة/ جثمان/ جثة/ الخوف/ يلاحقني/ الليل/ الثعبان/ تطاردني/ يبكي/ عطش/ تلفظني/ انزواء/ للنهش/يسقط/ خريف/ عفنة/ الذباب/ لعنات/ ممزقات/ خراب/ تركتني/ ينتزعني/ الجماجم/ يفزع/ غراب/ الكراهية/ مكبلاً/ الفراغ... إلخ.

هذا الكم من مفردات تشي بحالة من الخوف والكراهية والعزلة رشحت بها قصيدته الأولى (جلد الجسد .. والأسد) ولو تتبعنا الحصر لوجدنا نفس النوعية من المفردات التي ينسج منها الحالة الواشية بالآتي:

أولاً: الخوف من المجهول: هذه القراءة الدلالية في قصائد علي العندل ما هي بتأويل، ولكنه اقتراب حيث تتميز تجربته بوضوح اللغة وسلاسة التعبير الصادق عن حالة يود تصويرها للمتلقي دون التواءات لغوية أو غموض فكري.. وبالتالي سنرى أن الخوف إما مصدره المجهول المرتبط بفلسفة الكون والوجود أو بالواقع المحيط الذي يعيشه بالفعل علي العندل الإنسان، وأصبح شاهداً عليه فأرّخه شعراً وحرفاً نابضاً به.. في قصيده (جلد الجسد.. والأسد):

«شيطان يلاحقني

إلى الخوف يأخذني».

بينما في قصيدته (المرد.. الأحمر):

«تطاردني الأواني.. والصدأ

يزرع الرعب في قلبي... إلى وجه لا أملكه

سأغرق...

طويلاً..».

بينما يؤطر سبب الخوف حينما يراه في حبل المشنقة الذي ينتظره في نهاية المشوار الحتمي.. وهي مشنقة رمزية يعني بها خوفه ليس على نفسه فقط، ولكنها مشنقة الجميع لأنه خراب وجودي بفلسفة صوفية يبدؤها في المقطع السابق بخراب الوجود:

«خراب وجودي

كما رباط العنق».

فالخراب المحيط بالإنسان سيقوده في النهاية إلى رحيل غير مشرّف.. لأنه الشكل القادم. يشكل نهاية حتمية آتية لا ريب، لكن ما هو الشكل؟ ولماذا حتميته؟ كما يرى العندل ولماذا هو في قلب الحدث مستهدفاً، هل هو عدم التصالح مع المجتمع أو مع الذات أولاً.. فيرى نفسه هدفاً لهجوم، متخيلاً ومؤكداً يقينه، كما يؤمن فيرى نفسه ضحية حتى للأطفال الذين سيكبرون ويستهدفونه. والأطفال هنا رمز بالتأكيد لصغار حوله يراهم يتعملقون ويكبرون ربما لآلية المجتمع والحياة المجتمعية الجديدة التي يتنامى فيه البعض كنبات عش الغراب أو النباتات المتسلقة والتي لا جذر لها.. ولكنها فجأة تزدهر لتقتحم وتهاجم وتداري على ما تسلقت عليه أو نحوه..

«حبل مشنقة

أصبحت مرهوباً

شعرات جلدي واقفة،

متأهب للرحيل..

أترصد قدوم الشلل».

الشاعر خائف.. والخوف ليس هنا من الموت باعتبار أن الرحيل مرادف له.. لأنه يتبعه:

«الأطفال أظافر طويلة،

غداً يكبرون..

هم أيضاً لنهشي مباحون».

فلو كان ينتظر الموت ويخاف منه لما أردف صورة أخرى بشعة تنتظر مستقبله الآتي إن كانت ممن هم أصغر منه قامة يستطيلون ويكبرون ومتأهبون للجور عليه.

ولكن ما هو هذا الخوف أو ما هو كنهه.. إنه خوف المجهول الذي أحاط به نفسه لأنه إنسان انتابته وساوس العزلة فأحاط نفسه بجدار الخوف الذي يترصده من عالم حوله، فقد الصلة به لأنه غير متصالح معه، فتوجس منه:

«تلد المساءات خيبات المستقبل

تمضي..

وفي قلبك الزنزانة

القيد في الرأس يغلي».

ثانياً: العزلة:

وهي الثيمة الأغلب في قصيدتيه قيد الدراسة.. ويبدو أن العزلة تأتي لدى العندل في مرثية متقدمة.. ربما مرتبط ذلك بشخصيته التي كانت فائقة الحضور في الصمت واللاتصالح.. والعزلة مرض هذه المدن الجديدة التي ضربت الإنسان فخرّب توازنه وأفقده التواصل الحميم حتى مع ذاته أحياناً.. الأمر الذي ترجمه الأدب وصوره وشخصه الشعر.. وإذا كان العندل قد أبرز هذه العزلة مكرِّرها بتعمد وبأشكال متلاونة في قصائده تلك، فإنه أيضاً برر لنا أحياناً سبب هذه العزلة مثلما فعل في الصورة التالية في قصيدته (رحلة الجسد.. والأسد):

«إلى الخوف يأخذني

قد سقطت من الزمان

ومرآتي..

الصغيرة في يدي..».

فالخوف الذي يلاحقه بأسباب يرفعه إلى الابتعاد والعزلة والانزواء بعيداً.. وهو يرى أن عزلته ما هي إلا ابتعاده عن تلك الأحوال المجتمعية):

«سقطت من الزمان

مرآتي..

الصغيرة في يدي».

الابتعاد عن الحالة منعزلاً بذاته التي تعبر عنها المرآة التي يتشظى فيها ويبتعد إليها في أقصى زاوية من الحياة. وفي صورة أخرى يقدمها على أنه لا يمتلك حتى المكان.. وكأن العزلة العاصفة أبعدته مكانياً ونفسياً، وتختلط صورة المادي بالحسي.. والمعنوي بالملموس، هذا الخلط المتعمد أعطى صورة بارزة عن معنى العزلة الذي حدّد باقتدار وبقياس معنوي يسلمه إلى عزلة الروح والنفس والاغتراب..

«اللامأوى

تكتب أحرف شبابي

كنت أحبو..

كنت أركض..».

وكأنه يقص علينا الحكاية منذ أول خطوة منذ الأمد البعيد، وأنه بدأ حياته هكذا معزولاً لا مكان يؤويه، وبرغم بساطة الطرح والصورة، لكن تأويلياً يمكن أن تفتح لنا أسئلة أكثر عمقاً في التوازي الطبقي أو العدل أو سؤال المساواة، وكلها مفاتيح لقضايا كبرى انهمَّ بها الإنسان في الزمان والمكان منذ بداياته الأولى في التعايش وإعمار الأرض، وفي نفس القصيدة تتعدد صور العزلة، ومنها أيضاً:

«وحيداً أنا... كما

الهرة.. (غزيلة)

أخذت لغتها

وتركتني في شأن الأبكم

أراقب الفراغ

وهو ينتزعني إلى عظام عارية».

ولنتأمل هذا التداخل بين حالته التي يربطها بحيوان مثل مغترب وحيد معزول (القطة) وكأنه ينعى نفسه أو يعزّيها بوجود مثيل له ليس من بني البشر، وكأنه فريد في عزلته أو وحيد في عزلته لا يشبهه سوى قطته التي حتى لا يستطيع التفاهم معها، لعدم وجود لغة مشتركة، والصورة الجميلة أنه أنسن الحيوان (القطة) في محاولته للتوحد معها للخروج من عزلته، ولكنه اصطدم باستحالة ذلك، وصار كالأبكم الذي يراقب الفراغ الذي يسلمه إلى عظام عارية ــ هذا كأنه الخواء يسلمه إلى خواء.. وهنا بلاغة القصد والصورة.. العندل دوماً يتمكن من ربط الحسي بالمعنوي.. والمادي بالروحي.. في محاولة تجسيد خواء النفس وخراب الذات.
شارك