القصيدة الحديثة في الإمارات

16 سبتمبر

المؤلف: عبد الفتاح صبري (مصر)

المتابع لراهن الشعر وواقعه سيجد أن الشعر العربي الفصيح، وكذلك الشعبي «النبطي» يستحوذان في غالب الأحوال على اهتمام الذاكرة الشعبية، وتحاول وسائل الإعلام مسايرة هذه الذاكرة كنوع من الممالأة الأدبية أو النفاق الثقافي باعتقاد خاطئ أن الخروج على النظام الخليلي ما هو إلا محاولة أيضاً للخروج على القيم، وبالتالي فإن هناك تياراً من الرفض ما زال يتنامى ضد قصيدة التفعيلة والنثر رغم أن الراصد لببلوجرافيا الشعر الإماراتي سيتفاجأ بأن القصيدة الكلاسيكية شبه متوقفة وأن شعراء الحداثة هم الجيل الأكثر عدداً، ولكنه الأقل حظاً في القبول والنشر.

هذا الرفض يتكئ على أن الخروج على النص الكلاسيكي فيه انحراف عن مزاج الشعر الذي استمر في نهجه قروناً طويلة مما أفاض على متذوقي الأدب الرضا بهذا السكون المترع بالجمود والذي صار لا يتواكب أساساً مع مجمل التغيرات التي يمكن أن تصيب الأشياء كنهج طبيعي في تطور الحياة والكون والآداب وحتى اللغة، ولأن الشعر أحد محاور الأدب العربي.. وهو لب البيان عند العرب، وبالتالي فإن المساس به يشكل مساساً بجوهر التراث كما يُتصور.. وأعتقد أن هذه الحالة الثقافية مرتبطة بحالة العقل العربي الذي لا يحاول التغيير ويقاومه ويعتبر الخروج عن السائد دوماً هو خروج عن قيم الجماعة وتقاليدها، وإني أعتبر هذه الحالة المتمسكة بدون وعي علمي هي إحدى إشكاليات العقل العربي والتي تفضي إلى التمسك بكل ما هو ثابت وتليد في وعي الذاكرة الثقافية. واللافت في الرصد أيضاً أن المتمسكين بهذا المنهج يروجون أن الخروج على القصيدة العربية الخليلية ما هو إلا محض افتراء على التراث وعلى اللغة، ويرون أنها في النهاية مفضية إلى حداثة أو مرتبطة بحداثة ترفض الدين وتفضي إلى الإلحاد، هذه التهويمات تُربط دوماً بأسماء معينة تشكل حزمة أو عصب تيار الشعر الحداثي العربي في راهنيته الآن.. وتناصبها العداء، لأنها تجرأت على الخوض في قضايا يجب ألا تمس.. وإذا ذكّرنا هؤلاء بأساطين الشعر الخليلي الأوائل والذين اقتربوا من مثل هذه القضايا سيعتبرونهم مارقون أيضاً مثل أبي نواس.. وديك الجن والرصافي وآخرين.

وإذا كانت الذاكرة الثقافية الإماراتية لا تتسع لشعر الحداثة فإننا سنلاحظ أيضاً أنها لا تتسع أحياناً لبعض مداخيل الأدب والفنون. والحقيقة أن هذا هو أحد الأسباب الرئيسية والمهمة في بهوت المشهد الثقافي الإماراتي، رغم الحراك اليومي الذي تبذله مؤسسات ثقافية رسمية وأهلية.. ويكاد يكون السبب وراء تهميش الثقافي إضافة إلى الأسباب الأخرى.

ولذلك ما زلنا نرى المرأة التي تتوارى خلف قناع الاسم المستعار، رغم أننا في مرحلة مشتعلة بالتطور وخروج المرأة للعمل واعتراك الحراك اليومي بعد التعليم، ونفس الأسباب التي تجعل من المثقف الإماراتي أو الشاعر أو الأديب يتوارى بعيداً عن المناشط الثقافية أو يمارس هواية الأدب في سرية مما يؤدي إلى التباس المشهد وعدم وضوحه.

من هذا المنطلق سنرى أن قصيدة النثر تمارس عزلتها وأن كثيرين من شعراء الحداثة يتوارون بعيداً في حالة من الانفصام عن الاعتراك والحراك الأدبي بالساحة الوطنية مؤثرين في عزلتهم النزوع إلى الهدوء والسلام الاجتماعي.

اللافت عند التأريخ للشعر العربي في الإمارات، هو ندرة المصادر الباحثة والمؤسسة.. وكذلك افتقاد الشعر لصوته المميز، مما يعني ذوبانه في الهوية العربية، وإن كانت هذه تحسب للشاعر، ولكنها أبداً لا تحسب للشعر من حيث إنه رائحة المكان والزمان ومرآة للسلوك والقيم المعبر عنها بصورة ما، عكس الفنون الأخرى ــ القصة مثلاً ــ حيث تناول روادها البكاء على قيم ما قبل النفط، وتمادت القصة وأفردت أثر التغيرات والتبدلات، وهذا ما لم يتطرق إليه الشعر، وإذا كان القدامى الشعراء القامات، سالم بن علي العويس، مبارك العقيلي، أحمد بن سلطان، خلفان بن مصبح، سلطان العويس، وإبراهيم المدفع وآخرون عبر مراحل زمنية قد أودعوا راية الشعر لأجيال تواصلت مع هذا الفن لاحقاً، فإن هؤلاء الجدد قد حملوا رياح التغيير إلى هذا الفن، متأثرين بالموجات الجديدة، وبما لحق الشعر من تأثيرات في عموم الوطن العربي وخاصة أن هذه الأصوات ستؤرخ لبدايات أخرى بعد نشوء الدولة، ومن هؤلاء أحمد أمين المدني، هاشم الموسوي، عباس العصفور، حبيب الصايغ، محمد العبودي، هالة معتوق.

لقد بدأ الشعر في تشكيل مرحلته الجديدة وبدت ملامح الانزياح تتخطى أقانيم القصيدة الكلاسيكية ليلج بها إلى قصيدة التفعيلة والتي ستسلمه سريعاً إلى قصيدة النثر التي تجرأت على اجتراح النص بشكل جديد وبدت أسماء جديدة من أمثال أحمد راشد ثاني، وظبية خميس، وعارف الخاجة، ونجوم الغانم، وخالد بدر عبيد، وآخرين، ثم تلتهم موجة استمرت على نفس النهج للقصيدة الجديدة ومحاولة الإمساك بها منهم عبدالعزيز جاسم، إبراهيم محمد إبراهيم، ظاعن شاهين، كريم معتوق، ثاني السويدي، محمد المزروعي، إبراهيم الهاشمي، عادل خزام وآخرون.

والملاحظ أن هذه التجارب تفلتت بحدود القصيدة ولكن منها الذي أمسك بزمام التطور في معمارها، ومداميكها الفنية، كما أنها أنجزت صورها المبتكرة وإن لم يخل الأمر لبعض النصوص التي أبحرت في البعد الملحمي والأسطوري، وجنحت أخرى إلى الفلسفي والصوفي، الأمر الذي استتبعه قدرة على ابتكار لغتها وكذا معانيها الجديدة.. إن حرية التعبير الفني لابد وأن تكون قادت بعض هذه القصائد إلى الاحتفاء باللغة والبحث عن الموسيقى الخاصة وستكتشف بالتالي أهمية الجملة.. المفردات.. الصور.. المعاني.. العلاقات.. الدلالات التي اهتمت بها هذه النصوص المحلقة في آفاق التغيير.

ثم أردفتها الموجة التالية والتي يمكن أن نلمح من بينها خلود المعلا، صالحة غابش، إبراهيم الملا، عبدالله عبدالوهاب، الهنوف محمد، عبدالله السبب، أحمد العسم، وآخرين. والجدير بالتنويه أن مراكمة هذه الموجات الشعرية لا يمكن فصلها زمنياً أو مرحلياً، إنما هي مجرد تقسيم للإحاطة بالمشهد رغم صعوبة الحصر الفعلي والمتابعة لأن الكثير من التجارب الإبداعية في الإمارات لا تفصح بسهولة عن نفسها مما يفتح السؤال عن أهمية دور الصفحات الثقافية في الصحافة الإماراتية والتي يجب أن تكون كاشفاً عن هذه الأسماء، ولكن يبقى الدور الأكبر لأصحاب الإبداع في اقتحام تلك المنابر التي تعددت وفتح أبوابها بإلحاح، واللافت أن هذه الموجه الأخيرة حاولت اختراق عوائق النشر والانتشار والتعريف فصدرت نشرة النوارس التي لم تستمر كثيراً، وتلتها نشرة «رؤى» والتي استمرت (21) عدداً وساهم فيها كل من إبراهيم الملا، الهنوف محمد، مسعود أمر الله، وعبدالله عبدالوهاب، وآخرين. وفي ذات السياق صدرت نشرة أخرى بعنوان «هذيان قلم» والتي أسسها عبدالله السبب وأحمد العسم وتوقفت أيضاً لأسبابها بعد تسعة أعداد.

هذه المحاولات كانت التفافاً على عوائق النشر، ومحاولة الاستمرار بالتعريف بتجارب هؤلاء الشعراء، والتي أذعن بعضها في النهاية إلى الانزواء والركون ولم تكتمل مسيرتها في المشهد الشعري، ربما لأسبابها الخاصة أو لانصهارها في محرقة العمل الإداري أو بحثاً عن مكانه في سلم الحياة التي لا ترحم في ظل آليات السوق التي صارت تتحكم بالإنسان حتى الإنهاك، الأمر الذي لا يدعو للانتباه إلى الأديب والمبدع والمثقف فهم عقل الأمة ودليلها إلى المستقبل.

هذه النظرة السريعة على المشهد الشعري لا تقدم إلا صورة بالقطع مبتسرة لجهة الحصر أولاً ولجهة الدخول إلى عوالم القصيدة وفنياتها ثانياً.. ولكن فترة الثمانينات قد شهدت ازدهار الشعر كما ازدهرت محاور الإبداع الأخرى، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى تألق الحراك الثقافي الذي تأثر بتألق المؤسسات الثقافية والتي أتاح لها سقف الحرية مناخاً أكبر للانطلاق، وكذلك إلى التماس مع الإبداع العربي من خلال الأنشطة الكبرى أو الفعاليات التي أتاحت ذلك وبنظرة أكثر عمقاً للمشهد الشعري العام والذي ولّد في النهاية جيلاً جديداً منفصلاً عن مرجعيته التراثية مخلفاً وراءه بعض المكابدين على خط التمسك بقيمهم المجتمعية، وإن كان المشهد يبدو أحياناً لامعاً وصاخباً لكنه لا يتمتع إجمالاً إلا بعافية مصطنعة، حيث إن أطر الحياة العملية السائدة على ما يبدو أفرغت الشعر والإبداع من فوران ذاته وجمر صهده ومع غياب أشياء مهمة للإبداع يتحول قرض الشعر إلى مجرد وجاهة مفتعلة فتخبو حرائق اللغة وشغفها المقهور إلى الحلم والانعتاق ومغامرة الآتي اللانهائي ويموت الطفل المشاغب في روح الشاعر.

ونظل ننتظر الآتي دون أن نغفل من يحاولون الاستمرار والتجويد والإمساك بجمر اللحظة المحرقة من هذه التجارب التي تثري ذاتها، وتتمحور قصيدتها حول أسباب تألقها وبحثها الدؤوب في صوفيتها وبريق الجدل المفضي إلى تجدد فتونها وعافيتها وتؤمل للقصيدة الآتية كقصيدة إبراهيم محمد إبراهيم التي حاولت الاكتمال في «من أنباء الطير» وإبراهيم الملا الذي ما زال يمنحنا لغة شفافة، وصالحة غابش التي ما زال لديها الكثير الذي تمنحه بتؤدة وروية، والهنوف محمد التي تمتلك البوح بصوفية عالية، وهناك أسماء الزرعوني وحارب الظاهري وآخرين.. وعلى الطرف الآخر، الأصوات الأقرب في مشهد قصيدة النثر، والذين يمثلون المستقبل الشعري ومنهم محمد حسن، وهاشم المعلم، وسعد جمعة، أحمد المطروشي، أحمد منصور، خالد الراشد، جمال علي، عيسى عباس، وآخرون. هذه الأسماء ليست في ترتيب تاريخي ولكن تجمعهم جميعاً قصيدة النثر، وبالنظر إلى القصيدة الحديثة سنجدها تتخلى عن مرجعيتها التراثية وتجنح بكل أطيافها إلى المرجعية الغربية.. كما أن موضوعها ذهب إلى ذات الإنسان ودواخله بحثاً وراء أحزانه وهمومه.

وهـج النـص وهـج الحـزن: وبإمعان النظر في القصيدة الإماراتية لجهة اللغة سنجد أنها تباينت، فمنها من تناول حدثها الشعري دون تجاوز واقعيته، وهناك من اقترفت صورة متخيلة أعطت بعداً مغايراً لها، أي للقصيدة.. وبالطبع هناك نصوص ارتكنت إلى كثافة شعرية عالية ساهمت في تألق الدراما والصورة والخيال، فأفرزت احتمالاتها ودلالاتها المتنوعة فأطرت عالمها المتميز المتحرر إلى أبعادها الوطنية والإنسانية وإن اتكأ بعضها على الرموز المحلية والتراثية «النخلة والبحر والصحراء». وحين محاولة الولوج أكثر إلى بعض النصوص في محاولة لإبراز لحظة تكشف لتلك النصوص تشمل البوح عن آلامها وأحلامها ومفاصل المسكوت عنه وإيقاعاتها النابضة وبالقطع هذه اللحظة المفترضة هي مرتهنة بنص بعينه.. لأن كل نص مرتبط بما يود قوله الشاعر فعلاً، وبما يستطيع المتلقي استنتاجه ومقاربته طبقاً لاستشرافاته السيوثقافية.. وبالتالي فإن الانفتاحات التي تتولد من النص لا نهائية وتظل خاصة في مثل هذه النصوص الحداثية التي تعتمد الرمز وحتى فضاءات التشكل الذي ترسمه في البياض، ومن اللافت هذا الحزن المترشح من القصيدة الحديثة إنه القهر الإنساني.. إنه يبحث عن ماهية الخروج من آليات الحياة الجديدة وكسر حواجز الاغتراب والقهر والتشظي والبحث عن الهدوء الذاتي والنفسي والرفض لكل أقانيم القيود المضروبة حول إنسان العصر، بل أحياناً الحزن عليه وترتيل أناشيد الحزن وإطلاق عدّودة الألم.
شارك