علم الإمارات

04 أكتوبر

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

إن لعلم الإمارات قصة العلاقة بالوجود و التأسيس, فهو علمٌ رفعته أيادي قادة مؤسسين بنوا دولة االيوم في صدارة االدول و في مقدمة البلاد, و هو علمٌ يسكن المهجة و الفؤاد لا الساريات العاليات فحسب.

ترنو إليه عيون الشباب قبل الشيب، والصغار قبل الكبار، هو العلم الذي جسّد ألواناً استوطنت وجدان الإنسان العربي لا الإماراتي فقط، بوحيٍ من بيت الشعر الشهير لصفي الدين الحلي: "بيضٌ صَنَائِعُنا سُودٌ وَقائِعُنا/ خُضرُ مَرابِعُنا حُمرُ مَوَاضِينا"، حيث استلهم الشاب الإماراتي، في ذاك الوقت، عبد الله محمد المعينة، الذي يشغل اليوم منصب سفير دولة الإمارات في تشيلي، علم دولة الإمارات الذي قام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان برفعه عند إعلان قيام الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971.

ألهم ذلك البيت من الشعر للمعينة ألوان علم الإمارات الأربعة: الأخضر والأبيض والأسود في الأسفل والأحمر، ليصبح من ذاك الوقت العلم عنواناً للوطن وقداسته، وتحولت الصفحات التي يختزلها من مجد الزمن وصنائع الرجال مصدراً لإلهام المبدعين في مجالات الإبداع كافة عبر السنوات الماضية، ليرفرف برؤى مختلفة في فضاءات جمالية، تعكس مشاعر المبدعين بشكل خاص، وأولها تلك الأبيات الخالدة للشاعر الإماراتي الدكتور عارف الشيخ "عيشي بلادي.. عاش اتحاد إماراتنا"، لارتباطها في أذهان الجميع بتحية العلم منذ عام 1986.

هو العلم الذي تغنى به الشعراء ووقف له الآباء والأبناء وترنمت بأنشودة الوقوف أمامه الأجيال، في أكثر من بلد عربي، ففي لبنان كانت كلمات الشاعر رشيد نحلة صداحة في حب العلم رديفاً للوطن، في قوله "كلّنا للوطن، للعلى، للعلم"، وفي المملكة العربية السعودية، يردد الجنود والطلبة في تعدادهم الصباحي كلمات الشاعر إبراهيم خفاجي: "عاش المليك للعلم والوطن"، وهنا في الإمارات، يسبق القادة المواطنين في تحية العلم وحبه والولاء لقامته العصماء، وأيّ حبٍّ أسمى من حب رمز البلاد والدال على إرثها والباعث على الفخر بالانتماء إليها؟.

يحضر الشعر في مقام الولاء لعلم الدار، ويكون شعراءٌ شيوخٌ أصحاب سمو مقام ومقال في مقدمة المحتفين به، فها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، حفظه الله، يخصص للعلم قصيدته في حبه، ويستحضر مفردات العلو والشموخ، في معرض التكريم والإجلال لعلم الدولة، إذ يشير إلى الصلة الوطيدة بين العلم كرمز للدولة، والحماة لهذا العلم من أبناء الشعب والجنود على حدٍّ سواء، عبر ثلاثية سحرية كانت السر في نجاح تجربة الاتحاد الإماراتي الذي قام لا بفعل وعي الشعب فقط، بل صنعه المؤسسون المدركون لأعباء هذا المنجز وكلفته الكبيرة من جهدهم ووقتهم وانشغالهم، في دلالة على الوعي العميق لدى سموّه بأهمية التكاتف المجتمعي والتلاحم بين ثلاثةٍ معاً: القيادة والشعب والجند، ودلالةٍ أخرى أبعد أثراً في اللاوعي الإنساني بعامةٍ، حيث الارتباط بين علو العلم ببذل الدم رخيصاً في سبيل رفعته، وفي سبيل إعلاء شأنه ورفعه في كل موضع ومقام، يقول سموّه في قصيدته بعنوان "يا علمنا" بمناسبة احتفال الدولة بيوم العلم:

"يا علمنا رف في عالي السما

رافعينك صانعين الاتحاد

يبذلون ويفتدونك بالدما

شعبك وجندك إذا حق الجهاد".

في مقام القصيد، يتوجه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، حفظه الله، إلى العلم بأسمى التحيات، ويخاطبه ككائن يعقل ويدرك، فهو اجتماع إدراك الأمة وركيزة وعيها، يخاطبه بمفردات تتغنى بسحرية السجع، بتقفيةٍ يشدوها القلب لا اللسان: "العز = = > الرمز"، ولا يكتفي بذلك، ولا بأساليب المجاز المتمثل في كناية الذات في عبارة "ثوب العز فيك اتجسم"، بل يستعير ريشة الرسّام وفرشاة الفنان ليشرع في التشكيل الجميل للوحةِ العلم، برمزية ألوانها العميقة العريقة، فالأربعة الألوان فيه = = > "فيك الأبيض للسلام = = > الحمر رمز البطولة والجلاد = = > ولونك الأخضر ربوعك والحمى = = > والمعادي من سوادك في حداد"، يقول سموّه:

"إنته ثوب العز فيك اتجسّما

فأربعة الألوان يا رمز البلاد

فيك الأبيض للسلام وتسلما

والحمر رمز البطولة والجلاد

ولونك الأخضر ربوعك والحمى

والمعادي من سوادك في حداد".

إنه الانتماء الذي لا يخرج عن أقانيم راسخةٍ في الوجدان الجمعي للإمارات، هذا الانتماء الذي يكمله ذكر رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، في النص الشعري حتى كأنه زينته ودانته، بل هو الاسم الجامع لأسماء وولاءات متجذرة على هذه الأرض الطيبة، تجتمع في واحد، هو القائد والرمز والرئيس كقيمة مضافة إلى رمزية العلم، في الأمس يحمل اسم زايد، واليوم يحمل اسم خليفة، فهو "الحامي/ المعظّم/ المعزّز/ المكرِّم"، كما في العبارة الشعرية المنسابة انسياباً حميماً إلى غايتها: لك خليفة حاميٍ وامعظّما = = > إنت في قلبه وعينه والأياد = = > استلمك إمعززٍ وإمكرّما = = > من يمين الشيخ زايد بالحياد = = > كن حبر المجد عنك اتكلّما"، وله اجتمعت المفردات التي تليق بمقام حكمه ورئاسته، فهو يحمي (العلم)، ويعظّمُ (العلم)، ويعزّزُ (العلم)، ويكرّم (العلم)، وعن فعله تحكي القصائد والكتب تكتبه بحبر المجد وحروف النور، يقول سموّه:

"لك خليفة حاميٍ وامعظّما

إنت في قلبه وعينه والأياد

استلمك إمعززٍ وإمكرّما

من يمين الشيخ زايد بالحياد

كن حبر المجد عنك اتكلّما

إبحروف النور عن حبر المداد".

وهل أصدق من قائدٍ يقتدي بقائد، ووالدٍ يشير إلى والد، في علاقة الائتمان والمسؤولية، بين رجلين كبيرين وحّدا الإرادة قبل الأيدي، لقيادة سفينة الدولة إلى بر الأمان وشواطئ الإنجاز والرفاه والازدهار؟، وهل أعمق من شعرٍ يقوله حاملُ الراية في حبّها؟، يخاطب العلم ويناجيه، يطلب منه أن "دوم ع الرايات سر = = > اتقدما"، بل وييقيم علاقة التوازي بين العلم والشعب الذين يشير إليهم سموّه بعبارة "مثل شعبك لي عليهم الاعتماد"، في إشارةٍ إلى الدور الذي يتوجب على الأبناء من ولاء وانتماء، ليكون الاحتفال تاماً كاملاً، ويستعيد الاتحاد مجد التأسيس وحكمة المؤسسين عبر التوازي أيضاً بين حضورين: حضور الاسم الغالي للقائد المؤسس/ الحضور لمفردة يوم الاتحاد، يرمز إليهم سموّه باستحضار مفردة اسم "زايد"، الغائب جسداً والحاضر روحاً، "كن زايد ف السما يتبسّما"، يقول سموّه:

"دوم ع الرايات سر وإتقدّما

مثل شعبك لي عيهم الاعتماد

نحتفل بك والوطن يترنما

باسمك الغالي ليوم الاتحاد

كن زايد ف السّما يتبسّما

وكلّما رفرفت يفرح بالوكاد".

شارك