المرأة الإماراتية وعصف التحولات الكبرى

15 سبتمبر

المؤلف: د. رسول محمد رسول (العراق)

في غضون أربع سنوات أصدرت الروائية الإماراتية مريم الغفلي ثلاثة أعمال سردية هي: (طوي بخيتة) (2009)، و(بنت المطر) (2009)، و(نداء الأماكن.. خزينة) (2013)، تمكّنت من خلالها رسم صورة سردية متخيلة للمرأة الإماراتية سواء كانت "بخيتة" في الرواية الأولى أو "لطيفة" في الرواية الثانية أو "سارة" في الرواية الثالثة.

وإذا كان أنموذج المرأة في الرواية الأولى يرتبط بتخييل الموروث الشعبي الإماراتي عبر تسريد حكاية "بخيتة"، فإن أنموذج المرأة في (بنت المطر) وفي (نداء الأماكن.. خزينة) التي صدرت عن (دار الحوار) في دمشق عام 2013، يرتبط بتسريد المرأة الإماراتية المعاصرة بكل ما في شخصيتها من معطيات تعكس هويتها الأنثوية الذاتية والاجتماعية والثقافية والوجودية المتزامنة مع راهن الحال المسرود في الروايتين الأخيرتين حيث المجتمع الإماراتي الذي طالهُ التحديث البنيوي والخدماتي والتعليمي والثقافي والحضاري والعمراني الذي بات دور المرأة فيه لافتاً من حيث المشاركة الفاعلة في إنتاج أنماط العيش ومواجهة التحديات التي تحدوه كغيره من المجتمعات والأوطان.

تبدو "سارة بنت سيف" التي توصف بـ "ذات الجمال الأسطوري" (ص 27)، الشخصية الأنثوية المركزية في (نداء الأماكن.. خزينة)، ولكن، وعلى غرار "بخيتة" و"لطيفة"، اللتان كانتا محور توليد الحدث في الروايتين السابقتين، أحاطت مريم الغفلي "سارة" بعدد من النسوة المشاركات في حكاية الرواية مثل: "خزينة؛ جدّة غانم، غبيشة، أم عمر، أم طلال، أمل، عليا، أم مراد، آمنة، هند، خلود، شيرين"؛ حكاية "سارة" التي يغيب عنها زوجها "غانم" لأكثر من سنتين ليلتحق بمجموعة دينية أتت على حياته وزوجته وعياله "حمدان، خزينة" بالوبال والشؤم.

بعد عامين، يقرر "غانم" العودة إلى زوجته، ولكنه، وعندما يتوجّه إلى بيته، يشاهد شخصاً يخرج من داره بينما كانت سارة "متوارية خلف الباب تودّعه" (ص 10)، فيرجع "غانم" إلى بُعاده مرّة أخرى، شاكّاً، بأن زوجته تخونه، فيمضي على وجه الأرض وهو يحمل هماً مضاعفاً لا يدري سره الحقيقي.

في روايتها الثالثة، تتمسّك مريم الغفلي بالراوي العليم (Omniscient Narrator)، لكنّها تستعين، في بعض المواضع، بـ "سارة" لتروي وهي تكتب مذكراتها، وبضمير المخاطب (ص 71 وما بعدها)، بعض عتابها إلى زوجها الغائب تحت سطوة شعورها الحاد بالوحدة التي تؤلمها. ولهذا، نجد في هذه الرواية مزيداً من بناء الصور الفنية الخاصَّة بالأماكن؛ أماكن تسردها مريم الغفلي بوصفها ناصَّة (Textor) تستدرجها عبر ذاكرة "غانم" الهائم على وجهه بين مدينتي العين ومعيشيق وغيرها من الأماكن، وكذلك "سارة" التي تهيم بكل زاوية في منزلها تذكرها بزوجها الغائب.

ليس هذا فقط، بل نجد ذلك السّرد الأخّاذ التي تجرّبه الناصَّة في سرد مجموعة من العلامات الشمية حيث تركزيها على رائحة الأمكنة والأشخاص، ناهيك عن وصف المشاعر والأحاسيس والأهواء وجملة الانهيارات التي تعتري الذوات الفاعلة في حكاية الرواية؛ يقول فيليب هامون: "إن حرية الحركة اللانهائية لنظرة الشخصيات تبيح وتبرز انتشار الوصف، ويمكن أن يكون لهذا الوصف نقطة ارتكاز هي الذوات" (سيميولوجية الشخصيات الروائية: ص 124).

إن بناء شخصية "سارة" استدعى وجود شخصيات محورية مساعدة تشارك في توليد الحدث؛ فهناك الشخص المعتدي (Aggressor) أو المتلصِّص على "سارة"، وهو "طلال" المتعلق بها، والذي سيتحول إلى شخص متدين في نهاية الرواية، وهناك الشخص المسالم "الدرويش" الذي يُعنى بحديقته ولا دخل له بأحد، وهناك الشخصية الثرثارة والفضولية "آمنة"، وهناك الشخصية المتزمتة "أم عمر"، وغير ذلك من الشخصيات المساعدة مثل "ميري" الخادمة التي ستصبح مسلمة ويكون اسمها "فاطمة"، وهي شخصيات بدت ضرورية في بناء صيرورة المحكي.

وأنتَ تتوغّل في قراءة أحداث الرواية، لا تجد الزوج "غانم" يعبر عن مكنون شخصيته، خصوصاً في ظل تكتُّم زوجته "سارة" عن سبب غيابه. ولذلك أوكلت الناصّة أو مريم الغفلي أمر الكشف عن سر غيابه إلى "سارة" نفسها من خلال لاحقة سردية (Analepse) لسد الثغرة التي أحدثها غياب "غانم"، وذلك عندما أخرجت "سارة" صورة زوجها المختفي، وراحت تكتب بدفتر مذكّراتها موجهة عتباها بضمير المخاطب إليه وهي تقارن شخصيتها التي حافظت على "فطرتها السليمة" (ص 75) مع شخصيته التي انجرفت تجاه "ثمار الشيطان" (ص 76) التي جاءت من "كتب" كان أصدقاء من خارج محيطه يدسوها له؛ أولئك الأصدقاء الغرباء التي تصفهم بـ "عصبة الشر" (ص 77)، بل وبـ "الوباء" الذي "أحال حياتنا إلى جحيم مستعر عشعش بين أركان بيتنا الهادئ" (ص 79).

تكشف هذه الملفوظات السّردية عن انتماء "غانم" إلى الجماعات الدينية المتطرفة التي نهضت إلى واجهة المشهد العربي نهاية عام 2003. وفي ليلة قبل رحيله وقفت "سارة" في وجه زوجها متحديةً تحوله الرخيص إلى مجرّد منتم بائس إلى تلك الجماعات، لكنه اتهمها بالتدخُّل في مسار حياته ليختفي عن حياتها من دون أي احترام لرأيها "لم أكن أعلم أنك لا تتقبّل الرأي الآخر" (ص 82).

يبدو هذا البوح الأنثوي، والكشف عن سر هروب الزوج، عاملان مساعدان (Helper Actants) لبناء شخصية "سارة" ليست الصابرة والقوية فقط، إنما المرأة ذات الرؤية العقلانية في تقييمها للممارسة الدينية المتطرفة: "أيّة حياة يعيشها هؤلاء، أنتَ وأمثالك؟ ماذا فعلتم بأهلكم، وبأحبابكم، وبأمهاتكم الثكالى؟ أصبح الدين حجّة وألعوبة في أيدى من لا يخافون الله؛ أصبح قناعاً يلبس للتدليس والخداع" (ص 79).

وتكتب أيضاً: "من حديثُك غير المتزن، عرفتُ أن منْ تجري خلفهم، يتمسّكون بقشور تاركين الجوهر مركوناً لا يقربونه، يتوهون وهم منجرفون في طريق لا عودة منه" (ص 76).

وستعود "سارة" مرة أخرى لتقول في حديث مع صديقتها ليلى: "كيف نفرح لقتل الأبرياء سواء كانوا عرباً أم مسلمين أو أجانب معاهدين، آمنين في ديارهم؟ لذلك علينا الاعتراف بأن الفكر القاصر الذي يروّج للإرهاب والقتل ويبرز العنف العشوائي ضد البشر بغض النّظر عن ديانتهم ومذاهبهم، هذا هو سبب المشاكل؛ المشكلة فينا وليست بالآخرين، ولكنّنا نرمي المشكلة على مشجب غيرنا!" (ص 193).

في مقابل ذلك، تكشف بعض الملفوظات السّردية فيما دونته "سارة" بمذكراتها عن الجانب العقلاني المتزن في نظرتها للحياة؛ فتقول عن شخصيتها مخاطبة زوجها الغائب: "بينما أنا حاولت البقاء على فطرتي السليمة، لم أتغير، لم أجارك في غيك، ولم اتبع خطاك في الطريق الشائك الموحل الذي سرتَ فيه" (ص 75).

وتقول أيضاً: "أما أنا فظللتُ كما أنا، لم استطع إلغاء عقلي، والانجراف وراء أناس لا يفقهون شيئاً، يحملون أفكاراً مغلوطة، مدسوسة، يركضون وراء أوهام صورتها لهم عقولهم المريضة" (ص 76). وعن مرجعيتها الفكري تقول: "كنتُ ولا زلت استقي أفكاري ورؤاي من قناعة ذاتية زرعت بي، منذ البداية عرفتُ ما هو الحق، وما هو الباطل، عرفتُ الحلال كما عرفت الحرام بنعمة من الله استطعت التمييز بينهما" (ص 75).

إن هذا التوجّه العقلاني في شخصية "سارة"، والذي يدين العنف باسم الدين ويحدّد الإذن بالجهاد ظهر جلياً في حوار نسوي جرى بينها وجارتها أم عمر: "يا أم عمر، الجميع عانى وهذا الذي يقومون به ليس سوى قتل للنّفس التي حرّم الله قتلها. قولي: هذه فتنة، نعم فتنة حلّت بالإسلام والمسلمين" (ص 40). وقالت لها أيضاً: "عزيزتي أم عمر، الجهاد، كما أفتى به علماء الدين لا يقره سوى ولي الأمر...، وفيما يخصُّ الجهاد في سبيل الله وتكفير الآخرين، نحن نعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يكفّر أحداً لأنه حق الله ورسوله، ولا يوجد هناك ما يبرّر تكفير الآخرين أو الخروج عن ولاة الأمر" (ص 43، وكذلك ص 124).

بهذا لا تبدو شخصية "سارة" فارغة، بل ممتلئة  بمواقف تضبط مصيرها الأنثوي ومسارات حياتها وإن كانت تحت ولاية زوجها الذي آثر الغرق في لا مجهول ذكوري فارغ من الناحية الشخصية والأسرية. وفي هذا السياق، لا يقتصر الجانب العقلاني في شخصيتها على هذه المواقف، بل طال أيضاً طريقة تعاملها مع أزمة غياب زوجها حتى بدا تكتمها عن غيابه طريقةً من طرق معالجتها المتزنة القائمة على حكمة أنثوية بعدم إفشاء أمر انتمائه إلى جماعة دينية متطرفة في ظل ما يحدوها من أمل بأن يعود إلى رشده يوماً، وهو ما فعله عندما قرر العودة إلى أسرته، لكن ظنونه حرمته من تحقيق ذلك، ولهذا هام مرة أخرى على وجهه.

وإذا كان نظر "سارة" في صورة زوجها "غانم" قد فتح أفقاً للكتابة ما يعني أن (الصورة/ اللقطة) كانت مُرسِلاً (Distinateur) استذكارياً، فإن مشاهدة الزوج خروج شخص من بيته بوداع زوجته لها عُدَّ، من جانبه، أفقاً لمعاودة ابتعاده عن زوجته وأطفاله، ما يعني أن تلك (المشاهدة/ اللقطة) كانت بدورها مُرسَلاً أيضاً لنأي الزوج وذهابه هائماً إلى مطاوي الذكرى بحثاً عن معادل موضوعي، فيذهب إلى (مدينة معيشيق) ويستذكر جدته "خزينة" في الفصل الرابع، ومن ثم يستذكرها ووالدته الراحلة في الفصل السادس، وهو تحوّل يذكِّرنا بشخصية "مطر بن حارب" في رواية علي أبو الريش (الغرفة 357) عندما هام على وجهه في الصحراء بحثاً عن قبر والدته.

وفي الفصل الثامن تهاتفه زوجته "حسناء" التي كانت طليقته قبل زواجه من "سارة"، لكنه عاد لها "نكاية بزوجته سارة، تأديباً لها على ما فعلت به" (ص 135). وفي هذا الفصل نفسه يبدأ الزوج الفار بمقارنات بين جدّته "خزينة" وزوجتيه، ويستذكر، بحسب الراوية، خيانة زوجته سارة له عندما رصدها على علاقة مع شخص تلاقيه خلسة بين الحين والآخر!! (ص 140) من دون أن يدرك هوية هذا الشخص. وفي الفصل العاشر تأخذه الذكريات إلى الماضي ليستذكر صديقه "مروان" الذي من خلاله أخذ "غانم" دربه إلى الجماعات الدينية المتطرفة (ص 171 وما بعدها)، وتعرفه إلى "أبو إسلام" الذي جنّده لتلك الجماعة ويبدأ رحلته في الانحراف عن المسار الصحيح للتدين.

وإذا كانت الفصول الخامس والسابع قد كرستها الناصَّة لصور من حياة "سارة" مع أطفالها، ومع صديقاتها، فإن الفصل التاسع شهد لقاءً بين "سارة" و"حسناء" من دون أن يفضي إلى شيء سوى رغبة هذا الزوجة الأخيرة بالعودة إلى وطنها بعيداً عن "غانم" بعد أن عرفت حقيقته كونه تزوجها نكاية بزوجته "سارة".

وبينما ينصرف الفصل الحادي عشر إلى حياة سارة اليومية مع صديقاتها "شيرين"، و"خلود"، و"ليلى" وكذلك الفصول الثاني عشر والثالث عشر والحديث النسوي عن الجهاد والإرهاب والقتل على الهوية التي تجري صورها عبر شاشات التلفزة في غير مكان، وأيضاً الفصلين الرابع عشر والخامس عشر، في حين يعود سالم في الفصل السادس عشر إلى منزله خلسة بعد صحوة ضمير تجتاحه لحظة كانت "سارة" نائمة، لكنّه هاتفها الخلوي يرنُّ بمكالمة من ذلك "الشخص المجهول" الذي لا يعرفه "غانم"، ويقرر القضاء عليها، لكنه يكتشف دفتر المذكّرات ليقرأ ما كتبته زوجته في غيابه.

ومع الفصل التاسع عشر تنجلي الحقيقة الغائبة فيظهر والدا سارة، ويظهر "راشد"، صاحب السيارة الذي كان يلتقي بـ "سارة" مراراً دون أن يعرفه أحد، ويظهر أنه أخ لسارة من والدها، ما يعني أن "سارة" لم تكن تخون زوجها "غانم" الذي عفّرت روحه الشكوك والظنون وهو الذي تاه في غياهب التطرف الديني المقيت لفترة من حياته حتى صحا من سباته لتشرق الحقيقة أمامه.

وإذا كانت الشخصية هي "بناء يقوم النّص بتشييده"، كما يقول فيليب هامون (سيميولوجية الشخصيات الروائية: ص 61)، فإنَّ مريم الغفلي تمكّنت من بناء شخصية "سارة" ذات الطبيعة العقلانية كأنموذج للمرأة الإماراتية التي تواجه صعاب الحياة بحكمة الأنثى الراقية من دون أية انهيارات أو هزائم جذرية تكرّسها الشكوك الذكورية التي تنال من ذاتها ومن كيانها الأنثوي في مرحلة ما من مراحل حياتها.

وإذا كانت "مكانة الذات تنبني لدى الأنثى من خلال ثنائية الواقع المرئي واليوتوبيا الحالمة للأنا"، كما تقول الكاتبة الكندية نيكول بروسار (خطاب الجسد في نظرية الصورة، ص 120)، فإن مريم الغفلي رصدت تحوّلات المشهد المعاصر بكل حمولاته السلبية المنعكسة على الذات الأنثوية "سارة" التي استنفرت، بدورها، كل قواها في التصدي لرعونة الواقع من حولها، خصوصاً إذا كان الرجل "غانم" شريكاً متورطاً في تكريس الحمق الذكوري عن جهل، من خلال ما كرسته هذه الزوجة الصابرة من مواقف ورؤى معتدلة لجملة من القضايا الملتبسة التي توجُّه المرأة العربية المعاصرة.

شارك