الموسوعة الشعرية في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي تنظم ندوة "أنا لغتي. أنا ما قالت الكلمات..."

02 مايو

على هامش معرض أبوظبي الدولي للكتاب، نظمت الموسوعة الشعرية في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي يوم الاثنين الموافق 30 أبريل، ندوة نقديّة مخصّصة لقراءة الأثر الإبداعيّ للشاعر الفلسطينيّ محمود درويش تحت عنوان: "أنا لغتي... أنا ما قالت الكلمات".

أدار الندوة الشاعر والروائيّ والناقد اللبنانيّ عبّاس بيضون، والكاتب الجزائريّ وأستاذ الأدب المغاربيّ والأدب المقارن مراد يلّس، واختُتمت الندوة بقراءة مسرحيّة لبعض أشعار درويش قامت بها الممثّلة والمخرجة العراقيّة المقيمة في النرويج نماء الورد. كما ساهمت في الندوة المترجمة العراقية والأستاذة في جامعة السوربون/أبو ظبي هناء صبحي عبر ترجمتها لمداخلة مراد يلّس المكتوبة بالفرنسيّة نظراً لتعذر حضوره لأسباب طارئة.

بدأت الندوة بقراءة عبّاس بيضون مداخلة مكرّسة لعمل درويش الشعريّ بعد بيروت. فبعد الاجتياح الاسرائيليّ لبيروت في 1982 نزح محمود درويش عنها كما هو معلوم. وكان هذا النزوح في نظر بيضون مفصليّاً في حياة درويش وفي شعره، والأرجح أنّه شكّل في شعره نقلة تكاد تكون حاسمة. "لقد تحرّر الشاعر من الإلقاء. تحرّر من قصيدة راهنيّة يتوجّه خطابها الى جمهور حاضر وتستنفر جمهوراً حاضراَ وتقاس على مجاراته، ما يستدعي درجة من التحريض والتعبئة. تحرّر محمود درويش من الجمهور ومن خطابه. لقد صارت قصيدته، حتّى تلك الجماهيرية، ذات سلطة على الجمهور والجمهور يرضى بها وإن تحرّرت من نمطه ومن التوجّه المباشر اليه، ومن تقليب أحوال ومواقف ورسائل ذات إثارة مضمونة له". "من هذه الناحية، أضاف بيضون، انقلبت العلاقة بين الشاعر والجمهور. فالشاعر يتجاسر على أن يسرّب الى شعره صوراً ونهايات غريبة والجمهور يراعيها فيقبلها وبعد ذلك تغدو من عدّته ومن جهازه. هكذا يتعلّم الجمهور من الشاعر ويتّسع مخزونه. لكنّ ما فعله محمود درويش في هذا المجال هو أنّه ضمِنَ الجمهور وتحرّر منه". وذكّر بيضون بأنّ المجموعات الشعرية التي تلت النزوح عن لبنان تحوي في جانب كبير منها قصائد لا جماهيرية. قصائد لا تتوخّى إشراك الجمهور في التجربة، إنّها تعقيبات شعريّة على أحوال خاصّة، وليدة التسكّع والمشاهدات والملاحظات. وأضاف بيضون أنّه وحده محمود درويش جعل من معركته حول هذا الشعر مع نفسه وجمهوره ونقّاده قصيدة بذاتها. قال في الشعر شعراً ما لم يقله نثراً في «كزهر اللوز أو أبعد». ثمّ توقّف بيضون طويلاً عند القصيدة الأولى من ثلاثية "منفى" في المجموعة المذكورة، وتحمل القصيدة عنوان «نهار الثلاثاء والجوّ صاف». وأشار إلى أنّ القصيدة كما يوحي عنوانها تكاد تكون جزءاً من مذكرات يومية، وفي ختامها يستعيد الشاعر الخصوصيّة ويستعيد الغناء ويستعيد الحبّ، وهنا يكمن في نظره جواب محمود درويش على الواقع الأجرد والملتبس والعدميّ والسلبيّ الذي شغل الجزء الأوّل من مطوّلته هذه.

أمّا الكاتب الجزائريّ وأستاذ الأدب المغاربيّ والأدب المقارن بباريس مراد يلّس فقد تمحورت مداخلته حول موضوع "الظلّ والنور في عمل محمود درويش". وقد ترجمت المداخلة إلى العربية وقرأتها الدكتورة هناء صبحي، الأستاذة في جامعة السوربون-أبوظبي. بدأت المداخلة بقبسة من كتاب "معذبّو الأرض" للمفكّر الشهير فرانز فانون يقول فيها إنّ "تصفية الاستعمار تعني خلق لغة جديدة، وإنسانيّة جديدة، إنّها خلق بشر جدد". تلتها قبسة ثانية تمثّلت في أبيات للشاعر والروائيّ الجزائريّ محمّد ديب من قصيدته "الظلّ الحارس": "بعيدة هي لألأة النجوم/ والأرض حولكم في احتلاك/ مظلمة هي البيوت/ التي تكتنف استراحتكم". ثمّ طرح المحاضر سؤالين قال إنّهما يهيكلان مداخلته. فمن جهة، كيف يتهيّأ الأثر الشعريّ وفقاً للمسار الإنسانيّ والثقافيّ والإيديولوجيّ لصاحبه؟ ومن جهة ثانية، وبالنتيجة، كيف يتمكّن الطموح الشعريّ من صون العلاقة الأساسيّة مع مشروع سياسيّ لا يفتأ يغّذي الكتابة وينعشها، إلى حدّ المجازفة بتشويهها أو تقنيعها؟ وذكّر المحاضر بأنّ من اللافت أنّ هذا السؤال المزدوج يهمّ إلى حدّ بعيد كتّاباً ومفكّرين عديدين واجهوا في أعمالهم تجربة الاستعمار المخرّبة. وهذا ما تشهد عليه القبستان الآنفتان من نصوص فرانز فانون ومحمّد ديب. فالمقابلة التي يقيمها محمّد ديب بين "لألأة النجوم" و"احتلاك الأرض" – وهي مقابلة تحيل على واقع الأرض الأمّ- إنّما تكشف دفعة واحدة عن الضرورة القصوى للمشروع الشعريّ باعتباره عملاً يقوم على استكناه الواقع. استكناه ينبغي عليه أن يواجه المحتلّ والقامع وأن يتواصل في الأوان ذاته على صعيد الشكل وابتكار لغة شعرية، وعلى صعيد الإيديولوجيا أو المشروع السياسيّ، وأخيراً من خلال إعادة صياغة السرديّة الوطنيّة وتعريفها. وهذا المسعى المزدوج هو ما دأب محمود درويش على الاضطلاع به من أولى أشعاره حتّى أعماله الأخيرة بصورة راحت تزداد تعقيداً وخصوبة في مسار متدرّج عمل الباحث الجزائريّ على استقرائه من خلال مقابلة الظلال والأنوار كما تتجلّى في نصوص عديدة للشاعر الفلسطينيّ.

ثمّ اختتمت الندوة بقراءة ممسرحة لعدد من قصائد محمود درويش من مجموعاته الشعرية الأخيرة قامت بها الممثلّة العراقيّة نماء الورد. وقد عملت الفنّانة منذ سبعينيّات القرن العشرين في المسرح العراقي، وقدمت عدداً من الأعمال التلفزيونية والسينمائية والوثائقية، وحصلت على العديد من الجوائز أهمّها "أفضل ممثّلة" في العراق، وجائزة "ضدّ العنف ومن أجل مدّ الجسور بين الثقافات" النرويجية. وفي قراءتها اللّافتة لقصائد محمود درويش حرصت نماء الورد على إبراز البعد الدراميّ في صوت الشاعر الفلسطينيّ، دون أن يكون ذلك على حساب الإيقاع الشعريّ. لا بل سعت إلى إحداث توتّر داخليّ مدروس وتوازن سليم بين مختلف الوجوه المضمونيّة والشكليّة، وأبرزت تواشج الدلالات والنّبر الشعريّ وشبكات الاستعارات والصور. سمّت قراءتها "منادمة عراقيّة مع محمود درويش" وأدخلت بين بعض القصائد مقاطع من أغانٍ عراقيّة تفاعلت مع الشجن الدرويشيّ وأضفت على قراءتها نوعاً من المحاورة بين المخيالين العراقيّ والفلسطينيّ، وكذلك بين الدراما والشعر.

شارك