يوم الشهيد

29 نوفمبر

المؤلف: د. يوسف الحسن

يوم الشهيد ليس مجرد نهار آخر، تنتهي طقوسه الاحتفائية مع غروب شمس ذلك النهار. إنما هو يوم من تقاويم الكينونة الوطنية الإماراتية، ورافعة ومرتكز لهوية وطن، ولدور ديناميكي نافع ومؤثر في الإقليم والعالم..

لكن كيف نجعل من هذا اليوم، يوماً له ما بعده؟ يوماً وطنياً للحاضر وللمستقبل، يحرك الدماء في شرايين الانتماء، ويدعم التربية على مسؤوليات المواطنة الصحيحة، ويعزز الوعي الاجتماعي للشباب، ويسهم في بلورة هوية وطنية متماسكة في وجدان وسلوك الأجيال القادمة!

هذا السؤال، مطروح على مؤسساتنا التعليمية والجامعية والإعلامية والثقافية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وعلى نخبنا المثقفة أيضاً.

مطلوب من الجميع، من الروائي والسينمائي والشاعر والباحث وكاتب الدراما، والمسرحي، إعادة «تثمين» قيمة الوطن، ليس كمورد رزق، بل كحياة ومصير وماضٍ وجذور وهوية وانتماء، ومصلحة عليا وطنية، ودور إنساني وأخلاقي، وعمل صالح ونافع للشقيق والصديق والمظلوم والمستغيث.

مطلوب أن ينشغل كل صاحب فكر وإبداع ومسؤولية وطنية، في تمكين الأجيال الجديدة والمقبلة، من اكتشاف ذاتنا الوطنية، وتضحياتها، وروح مجتمعنا، وفلسفته في العطاء والخير العام، والإقدام وامتلاك الإرادة.

نحتاج إلى الخيال الفني والشعري والروائي والسينمائي والدرامي، لبناء سردية الشهداء، وتعزيز عوامل الاحتشاد، الكامنة في الشخصية الإماراتية العربية.

ليس مطلوباً، اختراع أوهام وأيقونات غير حقيقية، يكفي أن نستوعب في عقولنا ووجداننا، قصص هؤلاء الفتية من الشهداء، ونسجل أو نوثق أحاديث أمهات الشهداء وآبائهم، وهم يمسحون دموعهم ويدركون اعتزاز فلذات أكبادهم، ويهتفون ويدعون «ربي يحفظ هذا البلد».

 

ويكفي أيضاً أن نمتلك الخيال، لنتصور كيف وضع هؤلاء الشهداء نخوة الجَلَد والصمود والشجاعة وتلبية نداء الواجب. وكيف حلموا بغدٍ أفضل لأطفالهم، وبوطن عادل ومعطاء وآمن ومزدهر وكيف عاشوا تجربة اليمن وشعابها، وكيف عادوا وعلم بلادهم يلفهم ويتلحفون به.

دول كثيرة عاشت تجارب الاستشهاد والبطولة، والتي خلّدتها في ذاكرة شعوبها وشعوب أخرى، من خلال الفن بمختلف حقوله، بما فيها الفنون الجميلة والثقافة الحديثة، والرواية والفيلم السينمائي، والمتحف السردي.. الخ.

الغرب والشرق فعل ذلك باحتراف كبير.. وما دمنا حتى الآن، نستورد الفني والاستشاري والخبير، في جوانب كثيرة من حياتنا وشؤوننا، فإن الاستعانة بخبرات عربية وأجنبية فنية مثل كتاب «سيناريو الدراما» والإخراج والثقافة الحديثة، بما فيها صناعة السينما في عواصمها الأساسية، في الألم، مبررة ومطلوبة ومفيدة.

نعم.. دماء الشهداء، حق علينا أن نروي بها بنيان هذا الوطن وهويته، ونعزز بها معاني الافتخار والانتماء، وتلاحم الشعب مع قيادته، وتكثيف الوعي بحب الوطن والوفاء له، وتنشيط الوازع الوطني لدى الأجيال القادمة.

هناك حاجة ماسة لتنمية الحس بالتاريخ عند هذه الأجيال، والشعور بأن لديها مشروعاً وطنياً يستحق دعمه وتعزيزه وحمايته، وبدونه تكون هذه الأجيال عرضة للاضطراب والتسطيح، ولا نقطع الوصل مع الذات والمكان والمستقبل.

هناك حاجة ماسة، لبعث الحياة في مفاهيم التضحية من أجل الوطن، وتوطين هذه المفاهيم في فكرنا وتعليمنا وثقافتنا وسلوكنا اليومي، وتعزيز رأس المال الاجتماعي، الذي ينقل دافعية المواطنين، من الصالح الخاص، إلى ما يمليه صالح الوطن، والكيان الاتحادي الجماعي، ويجدده في الزمان والمكان، وبما يحفظ للوطن تماسكه وحيويته.

أسئلة وطنية وأخلاقية، مطروحة اليوم أمام عقولنا وضمائرنا ومؤسساتنا من بينها: كيف نفهم هذه الحقبة الزمنية المليئة بالحرائق والدماء والعنف، ونُسخِّر ما نملكه من طاقات فنية وثقافية وإعلامية، دعماً لقيم التضحية والفداء والعطاء والصبر والاستشهاد واليقظة، وتعميق جذورها في النفس السلوك؟ وكيف نشحذ جميع الأدوات الفكرية وبشكل إيجابي وفاعل ومؤثر، ووصل الحاضر بالماضي، والحفر عن قيم وأشكال جديدة، يختزنها تراثنا الوطني والقومي.. ونستقي أيضاً المتخيل، من نبع حكايات شعبية قريبة من ذاكرة الناس، ونلتقط أبرز إيحاءاتها ودلالاتها.

ليس المطلوب تدوين الحدث، رغم أهمية التدوين لخزائن الذاكرة، إنما المطلوب تقطير مشهد الشهداء، وفعل هؤلاء الشهداء، وكل شهداء الوطن، السابقون واللاحقون. ودوافعهم الوطنية والإنسانية والأخلاقية، في القوة الناعمة للدولة، بشكل ناضج ومفتوح على آفاق قومية وإنسانية.

هي لحظات اختبار عسير.. لثقافة عضوية مطلوب توليدها وبأدوات عصرية، وبثها في تفاصيل الحياة ومفاصلها.. والمستقبل أيضاً.

العافية الوطنية، ليست «نفطاً» أو استثمارات فقط، ولا حتى سياسة، إنها أولاً وعي المواطن بحقوقه وواجباته، وبما يحيط ببيئته من تحديات وشجون، وبهويته، وبدور حضاري بأفق إنساني.. ولا تنتهي عند ارتقاء الشهيد.

في يوم الشهيد.. نتحسس غيابه، ونستحضر وداعه الشجي.. ونرى المشهد على نحو بانورامي متعدد الزوايا.

... فلنخلد من أضاء لنا الطريق.. في أزمنة الظلام.

شارك