أيامنا الوطنية

29 نوفمبر

المؤلف: د. يوسف الحسن

يستحق يوم الاستقلال الوطني أن يكون «سيد» التقاويم كلها.

إنه الاسم الحركي للكينونة الوطنية، التي ظلت على مدى أكثر من قرن ونصف القرن، تبحث عن ذاتها، وتسعى إلى سيرورة تُشكل شعباً، بالمعنى السياسي والقانوني، وتحقق اندماجاً وطنياً وولاء وانتماء لكيان اتحادي واحد، وبآليات طوعية وعلى قاعدة دستورية.

في هذا النهار العزيز نستذكر من أسس وبنى، ومن بادر وامتلك الإرادة السياسية والرؤية الشجاعة والحكيمة، ومن انتقل بالبلاد من نظام القبيلة والنزاعات، إلى نظام الدولة الحديثة والالتحام الشعبي؛ وصولاً إلى شرعية الإنجاز بعد شرعية التاريخ، وإلى صلابة الإرادة الوطنية الوثابة والحضور الساطع في الإقليم والعالم. حضورٌ نافعٌ وإنسانيٌ وقومي يتوج اليوم بكوكبة من شهداء الوطن دفاعاً عن الهوية العربية، وحقوق الشقيق الجار المستغيث والمقيم في جغرافية الخاصرة.. وفي بؤبؤ العين.

في هذا النهار نستحضر أيضاً ذكرى القائد والمؤسس المغفور له، الشيخ زايد، ورفاقه من الرواد المؤسسين. نترحم على من غادرنا منهم إلى دار البقاء، ونستذكر كيف أبدع هؤلاء الرواد في رصف الطريق وإرساء فضائل الخير العام، وكيف أحسنوا إدارة الحكم وتدبيره من دون سلطة قهرية، وحققوا الرضا الشعبي العام، وبنوا دولة اتحادية، وحولوا المنطقة التي كانت «طاردة»، حتى لأهلها، إلى منطقة جاذبة وفاعلة في محيطها وفي العالم، ونجحوا في بناء «دولة الرفاه»، وأخرجوا القطاع الأعظم من شعب الإمارات من دائرة الحرمان والفقر والأمية إلى دائرة الرقي بنوعية الحياة، ويسرت للفرد كل عناصر الأمن الإنساني، وفجرت طاقاته وإمكانياته الدفينة، وأحدثت تغييرات جذرية في حياته الثقافية والاجتماعية والصحية والمعرفية، ووسعت خياراته ولبت طموحاته، ووصل متوسط عمر الإنسان إلى نحو 79 عاماً؛ بعد أن كان نحو 58 عاماً في عام 1960.

إن ولادة الاتحاد كانت بمثابة اجتراح معجزة في ظل أزمنة صعبة، وفي ظروف استثنائية وخلافات ونزاعات حدودية في الداخل ومع الجيران؛ وسطوة وهيمنة وأطماع شاه إيران الذي توجته القوى الكبرى في العالم، شرطياً شرساً للخليج، فضلاً عن مصاعب التأسيس لدولة حديثة، في وقت لم تكن في المنطقة تجربة «دولاتية» ومؤسساتية وإدارية وسياسية سابقة، أو حتى كوادر مؤهلة (حيث لم يكن هناك سوى 45 خريجاً جامعياً(

نعم... كانت هناك تحولات عاصفة في انتظار المنطقة، وكان المستقبل يبدو معقداً وغامضاً، ويصيب الرؤية بالزوغان. وفي مثل هذه الأجواء الملتبسة، والمحاصيل الهائلة من الفرقة والتخلف. كان السؤال الصعب هو: كيف نوفر مقومات الالتحام المجتمعي، والوئام الوطني، وتفعيل الإرادة الوطنية وتحويل هذه الصعاب إلى رافعة ومرتكز، اعتماداً على إرادة وحسن تدبير القيادة وأشواق شعب يتطلع إلى الجمع والتوحد، وبنخبة وطنية رائدة ملكت إرادة الحصول على تأشيرة دخول إلى المستقبل؟

في الأيام القليلة الماضية انشغلت كثيراً في لقاءاتي ومحاضراتي ومشاركاتي في احتفالات وطنية بذكرى القائد المؤسس والعيد الوطني، في مسألة تتعلق بذاكرة الجيل الجديد نحو تاريخ بلده، وهو جيل يشكل اليوم أكثر من نصف مواطني هذه الدولة، وتساءلت أمام هذه اللقاءات عمّا إذا كان هذا الجيل يدرك تماماً؛ كيف تم تعبيد الطريق إلى الاتحاد، وهل هو على قدرٍ كافٍ من المعرفة بتاريخ الوطن الذي يسبق قيام الاتحاد؟

وهل وصلته معاني وأبعاد رسالة «يوم الشهيد»، وكيف أنها لابد أن تحرك الدماء في شرايين الانتماء والوطنية الحقة، وتسهم في التربية على مسؤوليات وواجبات المواطنة بشكل صحيح، وتبلور هوية وطنية متماسكة في وجدان وسلوك الأجيال الطالعة.

تمنيت أن يتقدم من الآن الروائي والسينمائي والشاعر والأكاديمي والباحث والمثقف وكاتب الدراما، لتناول تاريخ هذا الوطن، وإعادة «تثمين» قيمة الوطن؛ ليس كمورد رزق بل كحياة ومصير وجذور وهوية، وأحلام وطموحات وتسامح ومستقبل.

تمنيت أيضاً أن يتقدم هؤلاء لإعمال الفكر والخيال لتجسيد رسالة الشهيد، ودموع أطفال الشهيد ومعاني التضحية والفداء والشهامة، في قصص ودراما وأفلام تسرد وتحكي وتقدم هذه «الأيقونات» إلى المستقبل.

في نهار العيد الوطني نستحضر ونستذكر، ونسعى إلى تنمية الحس بالتاريخ وبالهوية، وبكل معاني الفداء وخدمة الوطن والقيم النبيلة.

ومن غير هذه التنمية، فإن الأجيال الجديدة تكون معرضة للاضطراب والضياع والتسطيح، ولانقطاع الوصل مع الذات... ومع الغد.

شارك