إنتاج المعرفة وقطار التأليف

29 نوفمبر

المؤلف: د. يوسف الحسن

رغم وجود مؤشرات طيبة ومتقدمة، تسجلها الإمارات في مجالات البيئة والطاقة المتجددة والرعاية الصحية والحكومة الإلكترونية والرضا المجتمعي، وكلها ذات أبعاد معرفية، فإن مفهوم مجتمع المعرفة، أو منظومة المعرفة نفسها، مازال ملتبساً في أذهان الكثير من النخب الثقافية.

كان واضحاً لي هذا الالتباس، ولعدد من الزملاء المشاركين في لقاءات نظمتها وزارة الثقافة وتنمية المعرفة خلال الشهور الماضية، حول إنتاج المعرفة.

يظن البعض أن القراءة هي المعرفة، والبعض يختزل المعرفة بمفهوم المعلومات، وفي اعتقادي أن هذا تشوش، يحتاج إلى إيضاح.

إن القراءة (المهم هو ماذا تقرأ) هي منتج معرفي، من بين جملة أنساق، من خلالها يمكن أن تعرف إجابات عن أسئلة أولية في عملية المعرفة (ماذا؟ ولماذا؟)، لكن بقية أنساق المعرفة، وهي أنساق أساسية، فيمكن اكتسابها من خلال الخبرة الميدانية الرصينة، والتجربة العملية والمواقف، والبيئة التعليمية والمهنية، وباقي أجناس ثقافة المعرفة، وبخاصة ثقافة البحث والتطوير، ومخرجاتهما.

وكذلك الأمر بالنسبة للمعلومات، التي لا تستطيع وحدها أن تقيم قواعد المعرفة، رغم أنها وسيلة من وسائل المعرفة، وقد تقدم لنا إجابات عن أسئلة (كيف؟ ومن؟).

ولمنظومة المعرفة، مفهوم شامل وكامل، وله أبعاده الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية، وله رصيد هائل ومتراكم من المهارات والمعلومات والبحوث، وتتكون هذه المنظومة من عدد من المراحل أو الخطوات ومن أهمها:

النفاذ إلى مصادر المعرفة، واستيعابها من خلال التحليل والتبويب والتقييم، وهذا يتطلب مهارات علمية وذهنية، يمكن اكتسابها من خلال مؤسسات التعليم والخبرات العملية وأنشطة أخرى.

وبعد الاستيعاب والهضم، يمكن إنتاج معرفة جديدة، بواسطة البحث العلمي، وتوطينها (بمعنى الاعتماد على الذات)، وليس نقلها، ثم توظيف هذه المعرفة الجديدة، في توصيف وحل المشكلات، وزيادة الإنتاجية وتجويدها، ورفع الوعي، فضلاً عن نشرها واستثمارها وإدارتها، بحيث تصبح هذه المعرفة، في نهاية المطاف، مكوناً اقتصادياً وثقافياً ومجتمعياً.. إلخ.

وفي المحصلة، يكون الهدف النهائي لمجتمع المعرفة، هو استنهاض قدرات المجتمع، وضمان استدامة التنمية، وتحقيق أهداف اجتماعية وثقافية وأمن إنساني يتسم بالشمول والمشاركة والمساواة.. وضمان المستقبل المنشود.

وعلى هامش هذه اللقاءات، أثيرت مسألة لغة نشر وإنتاج المعرفة، في مجتمعات تتسيد فيها لغات أجنبية، وتتراجع فيها اللغة الأم.. العربية، وقلت لصديقي، الذي لم يكن متحمساً لهذا الأمر: «إن نشر المعرفة في مجتمعنا، وإنتاجها، لابد أن يكون بلغة المجتمع، ويشهد التاريخ المعاصر، أن تقدم أية أمة، لا يتم بغير لغتها، والأمثلة كثيرة، ولعل أبرزها، بلاد اليابان وكوريا و«إسرائيل» والصين وغيرها».

نعم.. نحن بحاجة إلى جهود أخرى لبلورة وإنضاج مجتمع المعرفة وإنتاج المعرفة، وضمان ديمومتها، نحتاج إلى منظومة متقدمة في التربية والتعليم العالي، تساعدنا في بناء مخزون معرفي (فكري/أدبي/علمي/ثقافي/إبداعي.. إلخ)، وتكوين رأسمال معرفي، وموارد بشرية تستوطن في داخلها المعرفة. كما نحتاج إلى عملية تعلم وتدريب مستمرة، لتنمية المعرفة، وإحداث تراكم معرفي، وزيادة الإنفاق الوطني في هذا المجال، وإعادة النظر في دور الجامعات في مجال تعزيز البحث العلمي.

كما نحتاج إلى إشراك القطاع الخاص، من خلال مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وكذلك حماية الملكية الفكرية وحقوق المبدعين، وتشجيع ثقافة الإبداع والابتكار، وتنمية المحتوى الرقمي العربي على شبكات الإنترنت.

***

سادت في السنوات الأخيرة ظاهرة نشر روايات وقصص قصيرة لمواهب شابة، لاقت تشجيعاً وتلقت شهادات تقدير، وأحضاناً دافئة.

كل ذلك مدعاة للابتهاج والفرح الثقافي، لكن السؤال الجاد والمطروح علينا، كمجتمع وكمثقفين، ومعنيين بالسؤال الثقافي وبمنظومة المعرفة هو: هل تعاملنا مع هذا النتاج الأدبي بجدية، وبوعي وفضول معرفي؟ هل استقرأنا هذه القصص والروايات عمقياً وليس أفقياً؟ وهل أقمنا حولها وعليها حركة نقدية ومراجعة، وسوقنا الجيد منها في الداخل والخارج؟

نعم.. جميعنا منهمكون في الراهن، الذي يعج بالمتغيرات وإفرازات ثورة الاتصال والمعلومات، لكن الحنو والشغف والابتهاج بهذه الظاهرة، وتقييمها ومواكبتها ورصد تفاصيلها، هو ضرورة وطنية ومهنية وأخلاقية في آن.

لا يعيب أن تكون هذه البواكير، مسطحة، أو أن بعضها مجرد «خربشات»، أو سباحة على الرمل، خاصة وأن أصحابها لم يزعموا أنها كاملة الأوصاف، ولا تؤخذ بمعزل عن سياقات اجتماعية وتاريخية ومجتمعية ومعرفية، في مجتمعنا، وضعف مهارات الكتابة والتدوين والتأليف.

الإبداعات الشابة، تحتاج إلى ظروف قراءة صحية، والتدرب على أنماط إنتاج أصيلة، ومعارف إنسانية متنوعة، والكثير من الوقت والمراجعة ونقد الذات، ونخب تدلهم على البوصلة ذات الدلالات.. وذات الإضاءة.

إن أهم بعد للثقافة، هو قابليتها للنمو والتطور والتكاثر، بواسطة القراءة واكتساب المعرفة وممارسة الحوار والتعلم المستمر.

الشغف والاندفاع للتأليف، بقوة الأمل والرجاء، أمر طيب، بشرط أن يستكمل المؤلف نموه، وإذا ما أطلقت الموهبة قبل نضوجها، تصبح خطراً حتى على أصحابها، لأن الإطلاق المبكر، يفسد الموهبة، ويبقيها تراوح في مكانها.

لا نستطيع الصعود إلى قطار التأليف، من دون أن ندفع ثمن البطاقة (بطاقة القطار) من أوهامنا والاعتماد على الغير.

شارك