أسئلة الهوية الوطنية

29 نوفمبر

المؤلف: د. يوسف الحسن

منذ أن طُرحت رسمياً مسألة الهوية الوطنية قبل ثماني سنوات، فإن سؤالها ما زال يطاردنا كساسة ومثقفين وتربويين وإعلاميين، وعلماء اجتماع، وقادة رأي عام وحقوقيين وكتّاب.

كيف نفهم الهوية الوطنية؟ هذا الشعور بالانتماء، وبوشائج الارتباط بكيان وأرض وتاريخ وثقافة مشتركة، وبمرجعيات موروثة تحمل ذاكرتها وتجربتها ولغتها ونتاجها، وطرز معيشتها وأنماط سلوكها الاجتماعي.

وكيف نحدد مكونات الهوية الوطنية؟ وما هي المدركات التي نملكها عن الذات؟ بمعنى آخر، ماذا يعني أن تكون إماراتياً؟ لا يكفي القول - كما قال أحد كتابنا ذات يوم - بأنني إماراتي، هذه هي الهوية.

نعم.. هو شعور بالاعتزاز والثقة، لابد منه، لكن إدراكنا للذات.. ولخصائصها الجوهرية، من سلوكيات وقيم ومعتقدات، إضافة إلى معرفة إدراكنا للآخر المغاير، والمختلف عنا وطناً أو عقيدة أو ثقافة أو عرقاً أو لوناً، هو أيضاً على درجة كبيرة من الأهمية.

كيف نستدل على الهوية الوطنية؟ ما هي العناصر المشتركة ومميزاتها الذاتية؟ وهل ما زالت قوالب هذه العناصر مستقرة نسبياً؟ أم أنها تأثرت بتفاعلات وعناصر جديدة، ثقافية واجتماعية واقتصادية، ليس فقط بحكم العولمة، ولا بحكم الموقع، قدم في البحر وقدم في الصحراء، ولا بفعل التفاعلات وهويات الهجرات، في العصر الحديث على أهميتها، وإنما أيضاً بفعل المتغيرات الثقافية.

العولمة طاردت كل الهويات الوطنية، ولاحقتها وحاصرتها، لكن ثقافة الهوية، هي التي تعاند أسباب الذوبان، وتتشبث بالديمومة والاستمرار، وعلى سبيل المثال، فإن الشخصية الفرنسية ولغتها الفرنسية وهويتها الوطنية، ما زالت حاضرة في الفضاء الأوروبي الموحد، وكذلك الهوية الوطنية للإيطالي وللألماني واليوناني والإسباني.. إلخ.

ومن الأسئلة الحيوية أيضاً، سؤال: لماذا نحن خائفون على الهوية الوطنية؟؟ إن الخوف مشروع، وهاجس الهوية يُشغل حتى الأمم المتقدمة والمستقرة، وهناك تجاذبات في الدولة الوطنية، ما بين الحفاظ على الخصوصية وبين مطالب الحداثة، كما أن هناك عوامل تُهمش الهويات، وربما تقود إلى اندثارها، رغم أن تعزيز أو تهميش الهويات لا يتم بين عشية وضحاها، بل يأخذ مساراً طويلاً ومعقداً، لكن الهاجس موجود، في أكثر من مكان ولأسباب مختلفة.

ففي عدد من الدول الأوروبية، وكندا والمكسيك وغيرها تبرز هواجس الخوف على الهوية، لأسباب ذات صلة بهجمة العولمة، والهجرات الأجنبية وغيرها من الأسباب.

وحينما تتصادم الهويات الفرعية، تواجه الهوية الوطنية الكثير من المخاطر، بمعنى أن صدام الهويات دموي ومدمر، وبخاصة حينما تشعر هوية فرعية بالحرمان أو عدم الإنصاف أو التجاهل، وأذكر أن بلجيكا، قبل سنوات ظلت بدون حكومة أكثر من نصف عام، جراء اختلاف السكان، وهم جماعتان لغويتان مختلفتان على مستقبل بلجيكا.

كما أذكر أن (صومويل هنتجتون) قبل وفاته، أصدر كتاباً يدرّس في جامعة هارفارد، سماه «من نحن؟» وتحدث فيه عن التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، وعن مكونات الهوية الأمريكية، وما حدث عليها وفيها من متغيرات، وبخاصة تآكل الثقافة الإنجلوسكسونية البروتستانتية البيضاء، والتي تعتبر النواة الثقافية التاريخية، وفي كتابه رفع راية الخطر على مستقبل الهوية الوطنية الأمريكية، بعد أن أصبح أحفاد النخبة البروتستانتية أقلية صغيرة.

وستظل قضية الهوية قضية مثيرة للجدل، نظراً لعلاقتها العميقة بالمتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وما تتطلبه التحديات، من ضرورة إعادة تعريف الهوية الوطنية، وتعزيزها، بما يتواكب مع المتغيرات.

وغالباً ما تتطور الهوية الوطنية، نتيجة تجارب أهل هذه الهوية الوطنية، واحتكاكهم مع هويات أخرى مغايرة، وعلى سبيل المثال، فإن الألمان عقب الحقبة النازية، غيروا من عناصر هويتهم، وكذلك فعل اليابانيون، الذين عرفوا بسمات فظة ووحشية، في تعاملهم مع خصومهم في حروب القرن الماضي، في حين أن سماتهم وصورهم في هويتهم الوطنية الراهنة، مغايرة تماماً لتلك الصورة التاريخية الوحشية.

وبهذا المعنى، فإن تشكيل الهوية الوطنية، له طابع ديناميكي، ويشهد ظواهر تحول مستمرة، إما في اتجاه الانكماش والتهميش، وإما في اتجاه الاتساع والانتشار، وبذلك فهي تحتاج إلى إعادة تعريف باستمرار، وفق وعي عميق بالتاريخ وتقدير واقعي للحاضر، وإدراك لما هو مطلوب في المستقبل.

من الأسئلة المسكوت عنها، ما يتعلق بمعرفتنا بما يدركه (الآخر) عن الذات الوطنية، وغالباً ما تكون هذه المعرفة محدودة، أو معبرة عن تجارب شخصية بحتة، وتنشر أحياناً بعض الصحف الإماراتية الصادرة باللغة الإنجليزية، آراء واستطلاعات رأي في أوساط الجاليات الأجنبية المقيمة على أرض الإمارات، للوقوف على انطباعاتها تجاه بعض مفردات نسق القيم والسلوكيات في هويتنا الوطنية، لكن الملاحظ أن هذه الاستطلاعات واستنتاجاتها يغلب عليها الارتجال أو الإثارة الصحفية أو الانطباعات الشخصية، ما يعرضها للنقد والشكوك.

ولا شك، أن هناك نقصاً حاداً في البحوث العلمية في هذا المجال، ولا تتعدى معرفتنا بما يدركه (الآخر) عن ذاتنا، صوراً انطباعية، ومن المثير للدهشة، أن لقاء موسعاً جرى قبل عدة شهور، دعت إليه إحدى الكنائس الكبرى في أبوظبي، وشارك فيه مقيمون من رعايا هذه الكنيسة، وكان محور اللقاء تحت عنوان (الخوف)، في ضوء ما جرى من تفجيرات وقتل في مدن أوروبية مارسها إرهابيون، شوّهوا صورة الإسلام، وتحدث في هذا اللقاء عالم وداعية إسلامي، وشرح حقيقة موقف الإسلام من قتل الناس، وبيّن جوهره كدين رحمة وإنسانية وسلام، وسألت راعي الكنيسة عن دواعي هذا اللقاء، فأجاب أنه من أجل إزالة مخاوف رعيته، ووافقني الرأي على مدى ما يتمتع به مجتمعنا، وقيمنا - التي هي من عناصر الهوية الوطنية - من تسامح وقبول للآخر المختلف من حرية تدين وعبادة.

وما دمنا نتحدث عن مدركات (الآخر)، فإنني أستغرب ولا أحبذ، استمرار تسمية المواطن من قبل (الآخر) المقيم، بمصطلح (Local)، وهي تسمية نمطية ذات مدلولات تاريخية سلبية، ازدهرت في مرحلة الاستعمار القديم، وارتبطت بمفاهيمه وأغراضه، وبرؤيته لمواطني المستعمرات، وتعامله معهم بفوقية وازدراء، في ضوء رسالة المستعمر المعلنة، عن نشر الحضارة في أوطان متخلفة وبدائية، هكذا كانت الحال في القارة الهندية والمستعمرات الإفريقية، حيث المواطن الهندي، أو الغاني أو البيروفي، هو ساكن محلي (Local)، لا يرقى لمنزلة المواطن صاحب الحقوق (Citizen.

ومن أسف، فإن هذه التسمية (Local) استقرت في ذهنية (الآخر)، واخترقت ثقافتنا، ووسائلنا الإعلامية، وحياتنا الاجتماعية، إلى درجة أن طفلاً من أبناء المواطنين، إذا أراد آن يعرف نفسه أمام هويات «قانونية» مغايرة، فإنه لا يتردد بالقول إنه ساكن محلي (Local)، وربما تكون مجرد نكتة تلك التي تروى عن مواطن سئل عن جنسيته، أثناء تواجده في مطار (هيثرو) في لندن، فأجاب قائلاً إنه  (Local)، فظن السائل أن المواطن الواقف أمامه، هو بريطاني الجنسية.

سؤال الهوية الوطنية، كثير الشجن يحتاج إلى جهود أكبر.

شارك