قواعد السعادة

29 نوفمبر

المؤلف: د. يوسف الحسن

حينما تكون القناديل مطفأة، وتشيع ثقافة القنوط والكآبة والغلو، يكون لحزمة ضوء من الأمل، وقع مثير للغاية.

هناك من يفتح كوة في جدار اليأس والعبوس. وهناك من يشعل منارة للسعادة، يذكرنا بسر الحياة، وبالإنسان، نفساً وجسداً، وسعيه الأبدي نحو التجديد والحياة الكريمة، والرضا النفسي والمجتمعي.

هي لحظة مثيرة وسارة.. أن يتحدث الإقليم، وما بعد الإقليم بدهشة بالغة، عن مبادرة إماراتية فريدة، تقضي بتأسيس وزارة للسعادة، في أزمنة سوداء كالحة، وأن ننشغل بهذه المبادرة، طوال الشهور، كتابة وتحليلاً وتعليقاً، على الورق، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي.

سألني أكثر من صديق، خارج الإمارات، عن دلالات هذه المبادرة، وعن معانيها وأبعادها.. قلت لأحدهم ضاحكاً: "إن وزيرة السعادة، ملزمة بإرسال حزمة نكات يومياً إلى كل مواطن ومقيم، بواسطة (الواتس اب)، لإضحاك الناس وإسعادهم".

إن تأسيس وزارة - مؤسسة باسم السعادة، يأتي بعد أن أنجزت الإمارات، مستلزمات ضرورية لتحقيق الأمن والأمان والحياة الكريمة لمواطنيها، لا سيما ما يعرف بالأمن الإنساني، بعناصره التي تشمل، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وضمان حق العمل وحقوق التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، وحق التمتع بأوقات الفراغ، وبمنجزات الثقافة والفنون الإنسانية، والمشاركة في التنمية، والاستفادة منها، جيلاً بعد جيل.. إلخ.

نعم.. لقد وفرت الدولة لمواطنيها، خلال العقود الأربعة الماضية، كل ما هو أساسي، وعوضته عن عقود طويلة من الشقاء والحرمان، ووضعته على طريق مفتوح للسعادة.. طريق يرفع منسوب حقوقه الإنسانية، ويحدث ما يجدد حياة الناس، ووجدانهم وعقولهم وسلوكهم، على أساس من الكرامة ومبادئ العدل والمساواة والمواطنة الصالحة، بحقوقها وواجباتها، والإبداع والمشتركات الإنسانية والحضارية.. ومستلزمات العصر.

لا يكفي التركيز على فكرة «تقريب الحكومة من الشعب»، على أهميتها، كما لا يكفي، أن يكون الإنسان، راضياً عن أداء الحكومة، وجودة خدماتها ومشروعاتها، وهذا هو الأمر الطبيعي والضروري في آن، وإنما السؤال المطروح على فكرة هذه المبادرة، هو: كيف نؤصل لثقافة السعادة في تعليمنا وعقولنا وسلوكنا ومدركاتنا؟ وكيف نخلق فلسفة للسعادة في الإمارات، تتبلور مع الزمن، لتصبح نموذجاً، له معماره الفكري والثقافي والقيمي، ولتصبح السعادة نهجاً في فلسفة الدولة الحديثة الآن ومستقبلاً، وكأحد أهم مؤشرات التنمية المستدامة.

كل ذلك، يتطلب بحوثاً علمية وطنية جادة، ولا يترك الأمر للارتجال، أو نسخ معايير دنماركية في السعادة، أو أخرى من مملكة بوتان، فلكل له ثقافته وظروفه التاريخية، ومعاييره للرضا الحياتي.

إن فلسفة السعادة في مملكة بوتان، مثلاً، مختلفة عن فلسفة السعادة في الغرب، في الأولى ترتكز السعادة على تقاليدها القديمة، وبوذيتها التيبتية، ولعلها كانت آخر بلد في العالم سمح بدخول التلفزيون إلى بوتان في عام 1999، كخطوة لتحديثها.

عند الحزن والألم في بوتان، لا يستخدم الناس الأدوية، وإنما يتقبلونه كجزء من حياتهم.. ومع ذلك فإن هذه المملكة المعزولة على الطرف الشرقي من جبال الهملايا، صنفت قبل عقد من الزمان، بأنها أسعد بلد في آسيا، وثامن أسعد بلاد العالم.

في دول غربية كثيرة، فإن من بين معايير السعادة، مفهوم النهم الاستهلاكي، باعتباره يحقق رضا معيشياً للإنسان.

وفي كل الأحوال، فإنه من الصعب الوصول إلى معادلة مثالية للسعادة، سعادة شاملة ومبسطة في الوقت ذاته. وما يراه فرد مصدراً للسعادة قد يراه آخر عكس ذلك.

وفي مجلس لأحد الأصدقاء، طرح سؤال يقول: «هل يشتري المال السعادة»؟ واختلفت الآراء، فمن قائل بالموافقة، ومن قائل إن الصحة الجيدة والتوفيق في العمل وفي الزواج والأولاد، تجعل الفرد أكثر سعادة من المال.

لكن الانغماس في العمل إلى درجة الإدمان، أو القيام بعمل لا تستمع فيه ولا تحبه، لا يجعل السعادة في المتناول. والمشكلة ليست في امتلاك المال الوفير، بل المشكلة في كيفية امتلاكه، وكيفية إنفاقه، وهناك أغنياء في الغرب، بنوا الجامعات ومراكز العلم والبحث، وحاربوا الأمراض.. وكانوا سعداء في نهاية المطاف.

نحتاج لبلورة مفاهيم السعادة في مجتمعنا.. من واقع ثقافتنا وحضارتنا وتراثنا العربي الإسلامي، ومن مشتركات إنسانية معاصرة، كما نحتاج ليس فقط إلى سعادة فردية، أو كشأن شخصي، وإنما كشأن وطني جماعي، يحقق الانسجام والوئام في المجتمع.

تعلمنا كمسلمين منذ الصغر، أن مفهوم السعادة لا يقتصر على الدنيا، بل على الآخرة أيضاً. وأن لا سعادة من غير قيم أخلاقية، وأعمال صالحة، وتجنب ما هو فاسد، على مستوى النفس، وعلى مستوى الجسد.

وللفلاسفة مذاهب شتى في السعادة، البعض رآها في صحة البدن ولطف الحواس، واعتدال المزاج، وفي الثروة والأعوان، ونشر ذكر الفرد بين أهل الفضل، وآخرون رأوها في الحكمة والشجاعة والعفو والعدالة والأمان.. وغير ذلك كثير.

وهناك من وضع قواعد عصرية للسعادة، شملت شيوع القيم الإيجابية نحو الحياة وفعل الخير، ومساعدة الناس والتواصل مع الأصدقاء، وممارسة الرياضة والترويح عن النفس، والقدرة على الإنتاج بفعالية، وتحمل المسؤولية، والعيش بأمان وسلام، وفي دولة عادلة متسامحة.

***

قرأت مؤخراً، أن مؤسسة اسكتلندية، ابتكرت منظومة ضوئية جديدة من المصابيح، مجال الطيف فيها يقترب من ضوء الشمس، لإراحة الشبكيتين في عيني الدجاجة، بدلاً من الإضاءة العادية في حظائر تربية الدجاج، وهي الإضاءة المخصصة أصلاً للبشر. والتي كانت تسبب الإجهاد والصخب للطيور.

والإضاءة الجديدة، تتميز بأنها تبث في الطيور، إحساساً بالراحة والاسترخاء، والسعادة، مع التخلص من الإجهاد، وتنشط الغدد المختلفة داخل أجسامها لإفراز الهرمونات.

نعم.. منظومة لإسعاد الدجاج.. طوبى.. للسعداء في الأرض.

شارك