قلعة الميل في ليوا: أثر الحارس والراصد

14 يونيو

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

ليوا حيث استوطن الإنسان قلب الصحراء فأحبّته وأفرجت كرمى له عن أخضرها المحبوس في قلب الرمل، وفجّرت عيونها بالماء العذب المنساب بين يدي النخل وإنسان الإمارات. إنها بوابة الربع الخالي وإن كان هذا الربع البقعة الأرضية الأكثر جفافاً في العالم، فإنّ واحات ليوا هي بوابته النابضة بالحياة، المتفجرة بالماء الذي خلق الله منه كل شيء حي، الحافظة للمكان بقلاعها وجندها من أبناء القبائل التي سكنتها منذ القدم.

في الطريق إلى ليوا من العاصمة أبوظبي، تمتد المسافة إلى أكثر من 260 كيلومتراً، مروراً بمصفح وطريق طريف غرباً، تستقبلك لوحة عند بداية الدرب إلى المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي، والمسماة تاريخياً بالظفرة، تقرأ فيها: "بلدية المنطقة الغربية ترحب بكم"، فتقفز إلى خاطرك عادات الضيافة العربية العريقة التي توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، ويستعيد ذهنك صور الفروسية العربية الأصيلة وقيمها من النخوة والشهامة والمروءة ونجدة الملهوف والمسارعة إلى مساعدة المحتاج، فترتسم في عينيك صور الملاحم والمعارك التي خاضها فرسان العرب وشعراؤهم ونبلاؤهم من عنترة بن شداد من بني عبس، إلى طرفة بن العبد وامرئ القيس وصولاً إلى فرسان المسلمين في الفتوحات التي وصلت بهم إلى أقاصي الشرق عند حدود الصين، وأوروبا عند سواحل الأطلسي وجنوب فرنسا.

تأخذك السيارة غرباً عبر ما يقل عن مائة كيلومتر بقليل، لتصل إلى الدوار الذي يذهب بك غرباً نحو مدينة طريف على بعد أقل من ثلاثين كيلومتراً، ويأخذك إلى الجنوب الغربي نحو محاضر ليوا على بعد مائة كيلومتر، هي ليوا بمحاضرها الاثنين والخمسين، وكثبان رملها التي يزيد ارتفاع بعضها على الأربعين متراً، هي ليوا التاريخ والحضارة، والآثار العريقة الضاربة في القدم، تبرز جليةً للناظر في المجموعة الكبيرة من القلاع والأبراج التي يصل عددها إلى خمس عشرة قلعة وبرجاً متفرقة في واحات ليوا، منها ما هو متهدم، ويحتاج إلى تنقيب حتى يمكن إعادة اكتشافه وإبرازه في مسهد السياحة والتاريخ الخاصين بمنطقة الظفرة، ومنها ما هو موجود حتى الآن وتتم فيه أعمال الصيانة والترميم بتوجيهات القيادة الرشيدة لدولة الإمارات، ومن هذه القلاع: قلعة ظفير، وموقب، والغريب، والطرق، وخانور وقلعة حويل أو أم حصن، وقلعة قطوف وقلعة نميل "نهيل"، وقلعة مزارعة، وحمار في البطين، وهي أقدم حصن في ليوا ولم يتبق منه سوى أنقاض، وقلعة الميل، وقلعة العد، وقلعة الجبانة، بالإضافة إلى برج ماريا الغربية، وقلعة الهيلة التي لم يبق منها سوى برج اسطواني.

وتقع هذه القلاع في امتدادات برية صحراوية مفتوحة تتيح للمدافعين عن المكان من الجنود المرابطين في هذه القلاع مدى أبعد للرؤية والرصد، من على أبراج القلاع التي ترتفع إلى ثلاثة طوابق بعلو ما لا يقل عن عشرة أمتار، إذ لا يمكن لأحد أن يتجاهل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لواحات ليوا ومحاضرها في شرق الجزيرة العربية كبوابة طبيعية لمناطق ساحل الإمارات وعُمان، لذا شيدت الحصون والقلاع ومواقع الرصد المبكر لقوافل التجارة والمسافرين، كما لجحافل الجيوش والفرق العسكرية العدوة كما الصديقة عند التقاء حدود معظم القبائل حيث تأججت نيران النزاعات والخلافات بصورة دائمة.

ويشير الباحثون إلى أن سكان ليوا قديماً اعتمدوا في بناء هذه الحصون والقلاع في الواحات على ما كان متوفرا محلياً من مواد وخامات طبيعية، فاستخدموا "الطوب" اللبن والطين المخلوط مع القش والتبن وحجر الكلس مع الجص لغرض تغطية الجدران، علماً أنهم كانوا يصنعون السقوف من جذوع وسعف النخيل.

هذه القلاع الطينية استمرت لمئات السنين شاهدةً على الإرث الحضاري الإماراتي، ففي استخدام الطين معجزة العلم التي تؤكّد على أنّ مادة الطين هي المادة الأكثر ملاءمةً لظروف العيش في المناخ الصحراوي، فالطين مادة عازلة للحرارة، وهو يملك خاصية التبادل الحراري، ويعد من أهم مواد البناء التقليدية التي شاع استخدامها في كثير من بقاع العالم لأنها مادة متوافرة ومتاحة للجميع، فقد استخدم الطين في الحضارة الفرعونية، وحضارة ما بين النهرين، كما ظهرت المباني الطينية في الحضارة الرومانية واستخدمته شعوب الهند والصين.

ويذهب مؤرخون آخرون إلى تأكيد ملحمة الوجود الإماراتي العريق في المكان الصحراوي بدلالة الخضرة في الصحراء القاحلة، وتفجّر عيون الماء وانسياب السواقي لمزارع النخيل وهذه القلاع والحصون والمقابر التي تقع بالقرب منها، محتضنةً رفات المدافعين عن المكان من أبنائه، المضحّين بأغلى ما يملكون في سبيل صونه والحفاظ عليه من دنس الغاصبين والمحتلين.

ولأن مقصدنا قلاع ليوا الحاضرة في ذاكرة المكان وأبنائه الطيبين، نتوجه تواً إلى قلعة من بين قلاع عديدة احتضنتها مساحة واحات ليوا بقوسها الأخضر المحيط بكثبان الربع الخالي، كما يحيط السوار بالمعصم، أو العقد بالجيد، حيث نصادف قلعة "الميل" القريبة من فندق ليوا، وكمثل معظم قلاع ليوا والظفرة عموماً، التي تتكون من طابقين أو أكثر، وتوجد في زواياها الأبراج الدائرية للرصد والحراسة، والحرب، تبرز القلعة دالاً تراثياً مبدعاً للعمارة الدقيقة والأنيقة التي عرفها الإماراتيون قديماً، فكانت قلاعهم معالم جمال وعمارة متوائمة ومنسجمة مع روح المكان وذاكرة أبنائه.

قلعة الميل تستقبلك كمحارب عربي أصيل من زمن البطولات، بعينين راصدتين متأنيتينِ عبارة عن شباكين خشبيين عن يمين ويسار الباب الرئيسي، تقاربان شكلك، ولكن تتوغلان عميقاً في روحك التي تقفز فرحةً باستقبالٍ يليق بحضورٍ أثري لا يتكرر، وجمالٍ طبيعيٍّ يقارب المستحيل، فهنا وسط الصحراء بات للفيء موضع، وظل وحجر صخري تنحفر فيه ذكريات وذاكرة، بصور وملامح إماراتية محببة، شكل البناء المربع بأبعاد 18 متراً x 18 متراً، في وسط مساحة الفراغ التي تحيط بها مزارع النخيل من الجهات الأربع، طابق أرضي مرتفع السقف موزع على غرف عدة حول الصحن في وسط حوض البناء، يعلوه سور يبلغ ارتفاعه مع الطابق الأرضي خمسة أمتار، بمتاريس مثلثة ارتفاعها نصف متر بمقدار ارتفاع الرامي للسهام أو الحراب، محتمياً، كما فيها فتحات للرمي والنظر على مستوى الأرضية تماماً، للحراس النبطحين أرضاً، أسفلها امتدادات خشبية تستخدم لتصريف المياه شتاءً، ولمبنى القلعة أركان أربعة، يحتل ثلاثة منها أبراج عامودية دائرية بعلو طابقين، ثم سطح تعلوه الأسوار المثلثة أيضاً.

تدخل الباب الذي تعلوه الزخارف الحجرية التقليدية، بمصراعين خشبيين مزخرفين تبرز فيهما الأشكال الهندسية الإسلامية التي تميّز العمارة الحربية الإماراتية، بالنجوم الثمانية الأضلاع، والمربعات والمستطيلات المحفورة في خشب الباب المقوّى بمسامير حديدية موزعة على ثلاثة مستويات: أعلى الباب، وأوسطه وأسفله، لتطل على صحن القلعة المستطيل الشكل، الذي ينفتح على غرف طويلة بأبواب حجرية ضيقة ذات قناطر، وأخرى مستطيلة لا تعلوها القنطرة، ولكن تقع فوقها تماماً فتحة ضيقة للضوء والتهوئة، ونوافذ حجرية ذات زخازف "مشربيات"، موزعة على مساحات مستطيلة تحتل المستوى الأرضي للقلعة، وفي داخل كل غرفة أرفف محفورة في الجدار الحجري لحفظ الطعام والأغراض المنزلية الأساسية لساكني هذه الغرف وسط القلعة، من المحاربين والسكان على السواء.

تصعد الدرج الحجري الضيق الواصل بين صحن القلعة في الطابق الأرضي وسقفها، والمحمي بالجدران الحجرية من الجانبين، لتصل السطح الذي يستقبلك بصور تتشكل كيفما اتفق بفعل عوامل التعرية التي أسهمت في حفر الأشكال والخطوط لتختصر حكايات الزمان الغابر، بريشة الماء على الطين المخلوط بالقش والتبن، حتى تصل إلى الأبراج الدائرية القابعة في أركان ثلاثة من سطح القلعة المربع، الأبراج التي تتخد شكلاً أسطوانياً دائرياً بباب سفلي ومساحة دائرية علوية على السطح بمستوى طابق ثانٍ، تطل على بناء القلعة ومحيطها الخارجي، يحيط بها سورٌ حجري دائري شبيه بالسور الذي يحيط مستوى الطابق الأول على سطح المبنى الأرضي للقلعة.

تدخل كل برج من أبراج القلعة الثلاثة، عبر باب أسطواني ضيق بقنطرة علوية وسلّم حجري من ثلاث درجات أسفله، تحيط به فتحات الإضاءة والتهوئة، لتصل إلى داخله الذي ينفتح على غرفة أسفله، تشبه القبو أو بركة الماء السفلية لزمن الحصار، كما تخرج منه إلى أعلى عبر فتحة أخرى شبيهة، ولكن تصعد إليها بسلم خشبي.

هناك في واحات ليوا، تحرس قلعة الميل بحجارتها الصخرية ومزيج الطين والتبن، وقامتها الشامخة التي تعانق الشمس في كبد السماء، اخضرار الشجر ووفرة الماء، فلا مصدر رزق إلا وكان عبر العصور مصدر هم لأصحابه وقلق لساكني موضعه، في خارطة الصراع الاستراتيجي على الماء والكلأ منذ بدايات التاريخ حتى يومنا هذا.

شارك