قلعة الحصن: مائتا عام من الحضور الفاعل في ذاكرة الوطن

14 يونيو

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

في وسط مدينة أبوظبي، في القلب منها تماماً، يقع الحصن الذي ولدت المدينة من رحمه، الحصن الذي كان الظلّة الأولى للإنسان في هجير المكان الرملي على شاطئ الخليج العربي، حيث لم يكن هناك شجرٌ ولا بشر، بل كان هناك ذاك الظبي الوحيد الذي اختفى أثره وسط الضباب الذي عمّ المكان الأقرب إلى الساحل، ثم عاود الظهور فور انقشاع الضباب، ووقف ليشرب من بركة ماء أمامه، الظبي الذي كان يلاحقه الشيخ ذياب بن عيسى، شيخ قبيلة بني ياس، على رأس فريق من رجاله الصيادين، على صهوات جيادهم، جمالهم، وكانت الواقعة ممهدةً لانتقال عشرين عائلة من قبيلة البو فلاح من إقامتها في واحات ليوا إلى المكان الذي كان فيه هذا الظبي، الظبي نفسه الذي أعطي للمدينة اسمها فباتت في خارطة الجغرافيا أبوظبي، عاصمة إمارة ثم عاصمةً لاتحاد الإمارات.

بُني قصر الحصن ليكون مقرّ الحكم وحصن الدفاع عن الساحل الإماراتي على شواطئ الخليج العربي، منذ نهايات القرن الثامن عشر. فهو بموقعه الاستراتيجي المسيطر على مدخل جزيرة أبوظبي، والمشرف على جهة البحر كمرصد مراقبة واستطلاع، بل وحتى علامة بارزة للسفن المسافرة عبر الساحل.

عُرف قصر الحصن في الوثائق البريطانية القديمة بأسماء عدة مثل القلعة، الحصن، قصر الحاكم، ودار الحكومة، وقد استمر بناؤه على الهيئة نفسها منذ إنشائه، وشهد مراحل متعددة من البناء والتطور عبر سنوات طويلة متتالية، فخلال فترة حكم الشيخ شخبوط بن ذياب حاكم أبوظبي (1793 – 1816)، بدأ مبنى قصر الحصن يأخذ الهيئة التي يبدو عليها اليوم، حيث شهد المبنى تشييد برجين آخرين، بالإضافة إلى جدار يصل بينها ليتحول في النهاية إلى صرح منيع، وفي هذه الفترة، نقل الشيخ شخبوط مقر الحكم من ليوا إلى جزيرة أبوظبي، واستخدم الحصن ليكون مقر الحكومة والقيادة العسكرية ومكان الإقامة الخاص به.

إلى يسار مدخل مجمّع قلعة الحصن، الواقع إلى جواره مبنى المجمع الثقافي حديثاً، ومبنى المجلس الاستشاري، يوجد برج المراقبة الأعلى والأقدم، وقد شيّد هذا البرج في ستينات القرن 18 حيث أمر ببنائه الشيخ عيسى بن ذياب ليدلّ على وجود الماء، وقد كان قصر الحصن أطول مبنى في أبوظبي، ويُعدُّ هذا البرج أول بناء في قصر الحصن، ففي ثلاثينات القرن التاسع عشر تم بناء برج آخر إلى اليسار عن جانب البرج الرئيسي، ومن ثم تم بناء الأسوار الأربعة لتربط هذين البرجين وتشكل حصناً منيعاً، عرف لاحقاً بقصر الحصن أو القلعة.

ووفقاً للمعلومات التاريخية المتناقلة عبر الأجيال، أجرى الشيخ سعيد بن طحنون حاكم أبوظبي (1845-1855) أعمال توسعة وتطوير إضافية داخل الحصن عام 1850. وتمت إضافة رئيسة أخرى عام 1939 خلال فترة حكم الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان (1928- 1966) وتُعد هذه الإضافة المرحلة الثانية من بناء الحصن وكانت ما بين عامي 1940 و1941، وبعد اكتشاف النفط في المنطقة في نحو 1960 – 1961 بدأ الشيخ شخبوط بن سلطان يستقبل ضيوفاً ومستشارين مهمين لذا تطلب الأمر مكاناً مخصصاً للاجتماعات أو (المجلس) مع مساحة مخصصة لمكتب تتم فيه إدارة الأعمال ولذلك تمت إعادة بناء الحصن القديم وخصص لهذا الغرض، بينما استخدمت العائلة أجنحة الحصن الجديدة. وفي بدايات خمسينات القرن الماضي، وكجزء من أعمال التجديد التي خضع لها الحصن، أضاف الشيخ شخبوط الأقواس المزخرفة في القسم الخارجي من قصر الحصن. وقد تمت توسعة الحصن بشكل أكبر من خلال إضافة جناحين لتحول الحصن إلى قصر، فكان القسم الشرقي مخصصاً لمكاتب الحكم والإدارة، بينما كان القسم الجنوبي مقر سكن العائلة الحاكمة، وكانت المباني الصغيرة التي على اليمين تستخدم كمطابخ للقصر.

إلى يمين البوابة الرئيسية للحصن يقع الحصن الداخلي، خلال حكم الشيخ شخبوط بن ذياب، وتبرز المراجع التاريخية صورة نادرة للشيخ زايد بن خليفة الأول وهو يعقد مجلسه الذي لعب دوراً مهماً في نظام الحكم، وكانت تتم فيه لقاءات السكان بالحاكم لاستعراض مطالبهم والاطمئنان إلى أحوالهم وتلبية احتياجاتهم.

ويتميز الحصن ببنائه الحجري بين الأكواخ التي كان يسكنها القرويون والتي كانوا يبنونها من سعف النخيل وسط مساحة فسيحة من رمال الصحراء. إذ مع تولي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حكم أبوظبي في العام 1966، حوّل الشيخ زايد المبنى إلى القصر بصورته التي يعرف بها اليوم. وقد تم تحويل أحد المنازل ليصبح مكتبه الخاص، فيما استخدم منزل آخر كمقر لمركز الوثائق والبحوث الذي أُنشأ في 1968، والمعروف اليوم بـ"الأرشيف الوطني"، وبعد اكتمال أعمال الترميم الأخيرة التي جرت خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، شغل المركز كل الغرف والأقسام التي يتكون منها قصر الحصن، ولم يستمر استخدام المبنى بعد ذلك كمقر إقامة للحكام، بل تحول إلى متحف ومعرض لمجموعات أثرية مرتبطة بأبوظبي ومنطقة الخليج العربي. كما أمر المغفور له الشيخ زايد ببناء مقر المجلس الاستشاري الوطني خارج جدران القصر، وشهد هذا المقر انعقاد الاجتماعات التي ناقشت القوانين الخاصة باتحاد الدولة عام 1971.

ويخضع قصر الحصن حالياً لمشروع متكامل للتطوير والترميم والصيانة وفق أعلى المعايير الدولية وأفضل الممارسات المعترف بها لإدارة مواقع التراث العالمي، بإشراف فريق يتضمن عدداً من أبرز المؤرخين والمهندسين المعماريين وخبراء الترميم، ويتضمن مشروع الترميم إزالة الطبقة البيضاء السميكة المكونة من الجبس والإسمنت التي أضيفت إلى جدران القصر في ثمانينات القرن الماضي، لإبراز الأحجار المرجانية والبحرية التي كانت من أهم مواد البناء التي كان يستخدمها الإماراتيون في الماضي، وتسعى أعمال الترميم إلى منع الرطوبة من الوصول إلى سطح الحجر المرجاني الذي يقع تحت الطبقة البيضاء التي أضيفت قبل سنوات، خصوصاً أن احتباس الرطوبة على سطح هذه الأحجار سيؤدي إلى تآكلها ويتسبب في آثار ضارة ومؤذية على بنية المبنى التاريخي، حيث تتسبب الطبقات الحديثة في خنق البنية التقليدية التي تتكون منها الجدران التاريخية. كما يتعرض المبنى منذ ذلك الوقت لتكييف داخلي يبرد المبنى إلى 24 درجة مئوية. ويسهم هذا المزيج من البرودة الداخلية والحرارة الخارجية في تشكيل طبقات تكاثف محتبسة داخل الجدران وعلى سطوح الحجر المرجاني.

المبنى الخارجي لقصر الحصن هو المبنى التاريخي الأقدم عمراً إذ يعود إلى الأربعينات من القرن العشرين، أما المبنى الداخلي فيرجع إلى الثمانينات من القرن الماضي. أمّا من حيث الخامات المستخدمة في البناء، فقد استخدم عمال البناء في كل مرحلة من مراحل أعمال التوسعة التي نفذت خلال القرنين الـ18 والـ19، الأحجار المرجانية والبحرية التي جمعوها من قاع الخليج والشعاب المرجانية. وثبتت الأحجار بواسطة خليط مصنوع من المرجان المطحون والأصداف المكسرة. وسيسهم مشروع الترميم في إعادة إظهار الشكل الأصلي للمبنى بعد إزالة الطبقات التي تغطيه.

في زيارة قصر الحصن يواجهك الباب الرئيسي للحصن، وعن يساره البرج الأقدم والأعلى بين الأبراج الثلاثة التي تعتلي سور الحصن، ضمن البناء المربع للحصن الذي يحوطه السور من الجهات الأربع، أما المدخل الثاني الداخلي فيأخذك إلى الباحة الرئيسية للحصن.

وما إن يدخل الزائر إلى الباحة الداخلية، يمكنه أن يزور المكاتب القديمة لمركز البحوث والوثائق، وهي غرف مسقوفة من الداخل بالسعف الذي يستند إلى جذوع خشب المانغروف الموزعة أفقيا لترفع سقف الغرفة الذي لا يزيد عرضه عن الـ 3،6 متر إلا بقليل، وذلك بما يسمح به طول هذا النوع من الخشب أصلاً، وهذه الأخشاب تعدّ من أفضل مواد البناء قديماً، لأنها خفيفة الوزن وقوية.

ثم تقابل الزائر الغرف الخاصة بسكن العائلة الحاكمة قديماً، حيث تقع أجنحة المعيشة الخاصة بالشيخ شخبوط بن سلطان، ومع اختلاف الفصول كان مقر سكن الشيخ في القصر يتغير، حيث ينتقل ساكنو القصر إلى الطابق الأعلى خلال الصيف، كما كان الشيخ يقيم أحياناً في الفلل المبنية في الباحة الداخلية للحصن، بسبب وفرة الهواء البارد.

هناك في الحجرات المخصصة لسكن العائلة الحاكمة، تقع العين على زخارف نادرة ملونة من أجمل ما يمكن أن تجده في المكان التاريخي العريق، كدلالة ذات معنى عميق تشير إلى ارتباط المكان وسكانه منذ القديم بالفنون على أشكالها، ومن هذه المنحوتات والرسوم على الجدران تجد نحتاً بتاريخ 1359ه بما يوافق أربعينات القرن الماضي، وزخارف بينها "يا الله" و"ما شاء الله" إضافةً إلى رسم ملوّن لطائر الطاووس.

ومن أبرز المظاهر البارعة المعمارية التي يتميز بها البناء البارجيل، وهو نظام التكييف والتهوئة التقليدي والفعال، الذي يعدّ من أقدم الأساليب المتبعة لهذا الغرض. ويتكون النظام من أقواس متراجعة في الجدران الخارجية تشبه النوافذ المقفلة، ويتمثل دورها بتوجيه النسائم البحرية من الخارج إلى داخل الغرف عن طريق ممرات ضيقة خاصة. إسهاماً في تبريد دواخل الغرف. إلى جانب سمة أخرى هامة من سمات بناء الحصن تتمثل في استخدام الحجارة المرجانية للبناء، وتعدّ هذه الحجارة من أفضل مواد البناء لأنها خفيفة الوزن وقوية، وتعمل أيضاً على الاحتفاظ بدرجات الحرارة حيث تُبقي المنازل باردة خلال النهار، وتطلق الحرارة التي امتصتها، خلال الليل لتبقى المنازل دافئة.  

إضافة إلى ما يمثله قصر الحصن من بعد تاريخي وسياسي وتراثي، يعد القصر قطعة معمارية فنية متميزة تدلّ على طرز عمارة الحصون والقلاع في منطقة الخليج عموماً. ويضم قصر الحصن العديد من البوابات الخارجية والداخلية وتسمى البوابة محلياً (الدروازة) وجميعها مزخرفة بزخارف ذات طابع محلي، كما تضم كل غرف القصر وجدرانه العديد من النوافذ المستطيلة أو المربعة الشكل إضافة إلى الكوى الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً الكوى المقوسة التي تعلو النوافذ أحياناً، كما دعمت إحدى الغرف بركيزة تشبه جذع النخلة. وزخرف السقف بأشكال مروحية تماشياً مع الركيزة الوسطية بالغرفة. بينما يربط بين أبراج القصر وغرفه ومجالسه العديد من الممرات والأروقة.

شارك