بيت الشيخ سعيد بن حمد القاسمي: عراقة بيوت كلباء وأصالة موروثها الحضاري

23 مايو

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

عند مستديرةٍ من مستديرات الطرق التي توصلك من الشارقة شرقاً عبر المنطقة الوسطى، نحو شواطئ بحر العرب المتفرّع من المحيط الهندي، والواقع إلى الشمال منه، في طريقك إلى مدينة كلباء، ثم الفجيرة، يحتل الزاوية المطلة على البحر والكورنيش معاً، مكانٌ بديعٌ، ومقامٌ تاريخيٌّ مهيب، هو عبارة عن بيت عريق لحاكم مدينة كلباء قديماً، عاش فيه واستقر حاكماً، الشيخ سعيد بن حمد القاسمي، يوم كانت كلباء تتبادل الدور بين الاعتراف بها إمارةً مستقلةً حيناً، والاعتراف بتبعيتها لإمارة الشارقة.

يقع بيت الشيخ سعيد بن حمد القاسمي الذي تمّ بناؤه في الفترة ما بين 1898م إلى 1901م، في القسم الأقرب إلى شاطئ كلباء على شارع الكورنيش، مقابل الحصن التاريخي في مدينة كلباء، مطلاً على البحر الذي احتضن عبر السنين مظاهر وأنماط الحياة التجارية والاقتصادية لأهل المدينة الضاربة في القدرم والراسخة في الحضارة والتمدّن.

يستقبلك البيت بجدران عالية من الجهات الأربع تعلوها ركائز الأسقف من جذوع الشجر وأخشاب غصونها المتينة، وتنفتح فيها بوابة خشبيةٌ مقفلةٌ من الجانب الغربي للمنزل، وأخرى تستقبل الزائر من الجهة الشرقية المطلة على البحر، وخلال هذه الجدران بعض نوافذ خشبية ذات قناطر وزخرفات خشبية وحجرية متقنة، وجزء يظهر أساس المنزل يعلو الركيزة الأرضية له من الجهة الشرقية البحرية، هذه الجدران المرتفعة التي تحيط المنزل من جهاته الأربع كالأسوار، تم تعليق الفوانيس القديمة بها، دلالةً على انتماء المكان إلى تراثٍ عربي ومعمار إسلامي ضاربٍ في التاريخ والحضارة، التي تبرز جمالياتها جميعاً في بيت الشعر المحفور على الخشب أعلى عتبة المدخل الخارجي للمنزل: "إذا حصنٌ لم يكن من الله مانعا/ فلا السيف قطاعا ولا الدرع مانعا".

مدخلك إلى البيت بين مدفعين قديمين من مدافع الكرات المعدنية التي سادت في القرون ما بين الخامس عشر حتى التاسع عشر الميلادي، عبر بوابة خشبية بمزلاج حديدي قديم، مزخرفة أيّ زخرفة، ومزركشة أجمل زركشة، بقطع معدنية تبرز الوجهة الدفاعية والاستخدام الحربي للبوابة قديماً. والبيت مستطيل الشكل، تمت في تصميمه مراعاة أدق تفاصيل العمارة العربية الإسلامية التي تميزت بها الإمارات قديمًا. فالبيت مقسوم إلى قسمين: الأول شرقي والثاني غربي، يضمّ الجزء الشرقي منه المدخل، المجلس، المربعة، الستارة الدفاعية ذات المغازل، المجلس الداخلي المواجه للساحل، وهذا القسم من المنزل كان يخصص عادةً لاستقبال الضيوف، وللرجال من أهل المنزل، ولهذا فهو معزولٌ عن الجزء الغربي من المنزل بواسطة جدار في الوسط. أمّا الجزء الغربي من البيت فيشمل على الغرف السكنية والخدمية، وهو القسم الخاص بالحريم والسكن والخدمات. وكلّ غرف البيت معاً تتميّز بمساحاتها المستطيلة الشكل، وجدرانها ذات الحنايا المحفورة والتي تقوم على العقود وتمتاز بأشكال القناطر الداخلية المحفورة فيها، بزخارف جصّية مخرّمة ضمن تخطيط واجهاتها.

يستقبلك عن يمين الداخل إلى الباحة الرئيسة للمنزل الكبير، قسم التراث الذي يتألف من ست غرف بينها غرفة المغفور له الشيخ سعيد بن حمد القاسمي، ثم غرفة معيشة الأطفال، وغرفةٌ أخرى تم تخصيصها لأدوات الزراعة التي كان ساكنو البيت يستخدمونها في أعمالهم الزراعية، وغرفةٌ ثالثةٌ مخصصةٌ لعرض الصور القديمة إضافةً إلى المجلس والمطبخ.

بينما تجد عن يسارك الغرف الثلاث التي تم تخصيصها لإقامة متحف الآثار والتراث العربي الإسلامي، حيث ضمّت الغرفة الأولى المكتشفات الآثارية واللقى التي تم العثور عليها في المنطقة الشرقية لإمارة الشارقة، أما الغرفة الثانية من القسم الإسلامي فهي عبارة عن معرض لمخطوطات كاملة للقرآن الكريم تضم نسخًا من المصحف تعود لعام 1249 هجرية خطت باليد بالمداد الأسود وبماء الذهب. ويتكّون قسم التراث العربي الإسلامي من غرفتين تضمّان العديد من روائع البقايا والمحفوظات التراثية الإسلامية، والمقتنيات المتنوّعة والتي تشتمل على نماذج من الصناعات والفنون الفخارية والزجاجية والمعدنية التي عثر عليها في مواقع مختلفة من المنطقة، وتشكّل غرف هذا القسم بحق معرضًا إسلاميًّا مصورًا يضم 27 صورة قديمة جدًا بعضها نادرٌ وفريد، تعرض مراحل تطور الحرم المكي ومرافقه الحيوية، فضلاً عن احتوائها على قطعة من ستار الكعبة مصنوعة من الحرير الأسود.

وتبرز من بين مقتنيات المتحف العديد من القطع الآثارية القديمة وبخاصة الترس الإسلامي الذي كان يميّز المحارب العربي في قتاله الأعداء، فيستخدمه إلى جانب السيف في القتال، ويتكوّن من الجلد وبعض قطع الحديد التي استخدمت لزخرفة الترس وتزيينه، ومعها المسامير المعدنية في نهايته بشكل دائري، يحتوي الترس ستّ حلقات للقطع الحديدية العلوية وتستخدم لتعليق مقبض قبضة المحارب من الداخل، ليتمكّن من حمل الترس واستخدامه. وإلى جانب الترس نجد مظاهر ومعدات أخرى أكثر حداثة بينها البندقية أم فتيلة التي استُخدم لها حشو البارود والقماش، وهي مزينة بصفائح معدنية مزخرفة، مهداة إلى المتحف من سمو الشيخ هيثم بن صقر بن سلطان القاسمي، نائب رئيس مكتب سمو الحاكم بكلباء.

كما يتضمن المتحف بعض متعلقات الحياة القديمة ذات الاستعمال المدني لا العسكري، كالجدر والأواني المصنوعة من المعدن كالنحاس وغيره، وأبرز تلك المقتنيات مجسم "اليارزة" وهي تقنية الزراعة التقليدية التي كانت سائدة في الإمارات القديمة لعقود طويلة من الزمن، وهي عبارة عن هيكل مكوّن من جذوع أشجار النخيل، على شكل أربع قوائم تُسمّى "التراكيب"، يتم تثبيت قطعة خشبية هي العارضة، لتصل بين التراكيب المزوّدة، بعجلة خشبية هي "العارضة" تصل بين التراكيب المزوّدة بعجلة خشبية "المنيور" يلقى فوقها حبل "الرشا" يربط بطرف دلو تتم صناعته من جلد الغنم أو البقر، ويقوم الثور أو الجمل بسحب الطرف الآخر بمساعدة شخص يقوم بتمشيته في ممرٍ مخصص صعودًا ونزولاً، ساحباً دلو الماء بعد امتلائه من البئر ليتم تفريغه في خزان صغير هو "المغيلة" كي ينساب في قنواتٍ تجري عبر مزارع النخيل.

وتكمن أهمية المتحف في ما يحتفظ به من مقتنيات إسلامية لا تقدّر بثمن، منها مخطوطات القرآن الكريم، وبينها مخطوطةٌ نادرةٌ موشّاةٌ بماء الذهب، لكامل القرآن الكريم، أعيد طبعها ونشرها بعد أن كانت محفوظة في خزائن المتاحف لأكثر من سبعمائة عام، وقد استغرقت عملية إعادة طبعها ثماني سنوات كاملة، وقد تم طبعها في بيروت في العام 1403ه/ 1982م.

ويعرض المتحف مجموعة من أدوات الطبخ والحياة مثل الإناء المصنوع من النحاس الأصفر، والذي به أربعة مقابض نحاسية، كان يستخدمه السكان قديمًا لطهو الطعام، وبين مقتنيات المتحف أدوات مطبخية قديمة تم إهداؤها من مجموعة المقتنيات الخاصة للشيخة نورة بنت سعيد بن حمد بن ماجد بن سلطان بن صقر القاسمي.

كما تشتمل مقتنيات المتحف على القلائد المتنوّعة التي تتكون من أحجار مختلفة بينها الأحجار الكريمة المكتشفة في منطقة كلباء من القرنين الأول والثاني الميلاديين، إلى جانب مجموعة لا تقدّر بثمن من العملات الأموية والعباسية، بينها أول دينار عربي مضروب في العام 77 للهجرة، يحمل وجهه عبارة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، بينما يحمل ظهره عبارة "الله أحد، الله صمد، لم يلد ولم يولد".

كما يحتفظ المتحف بمجموعة من العملات الأخرى كالدرهم الأموي، وهو أول درهم معرّب، ضرب في العام 78 للهجرة، في أرمينية، والفلس الأموي في مجموعة مختلفة المأثورات التي تحملها على الوجه والظهر، دون تاريخ أو مكان ضرب محدد، ومنها ما يحمل عبارة "محمد رسول الله"، و"لا إله إلا الله وحده"، وأخرى تحمل صورة خيال أو حصان، أو فيل، أو زهرة أو سعفة نخيل، وبينها المؤرّخة أو التي تحمل مكان الضرب أو اسم أمير المؤمنين الحاكم في حينه.

وبين مقتنيات المتحف من المسكوكات المعدنية الدينار العباسي الذي اشتمل على كتابات كعبارة "محمد رسول الله"، "لله الأمر من قبل ومن بعد"، و"يومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله"، وبعض أسماء المدن التي ضربت فيها، وأسماء الخلفاء العباسيين وألقابهم، وكذلك أولياء العهود والولاة والوزراء. أمّا الدرهم العباسي فاحتفظ بالشكل العام والقياس والوزن ذاته تقريباً، وظهرت عليه أسماء المدن، وورد اسم ولي العهد، والولاة والوزراء، والمسرفين على السكّ، كما وردت كلمة "الله" جلّ جلاله، في أعلى المأثورات الوسطى. بينما تميّز الفلس العبّاسي بظهور اسمي الخليفة والمشرف على السكّ معًا بصيغة "ممّا أمر به أمير المؤمنين... على يدي..." إضافةً إلى الدّعاء للخليفة، مع ذكر مدينة الضرب والتاريخ.

شارك