قلعة أوحلة: ماضٍ إماراتي عريق وألقٌ متجدد

23 مايو

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

هي حصنٌ عريقُ الأصل والنسب، ممتدةٌ جذوره في المكان منذ بدايات وجوده الأول، هناك على حدود الإمارات العربية المتحدة مع سلطنة عمان، في إمارة الفجيرة، في الجهة الجنوبية الغربية للإمارة، على بعد 30 كيلومتراً من مدينة الفجيرة، على الضفة اليمنى من مجرى وادي الحلو، حارساً الحدود الشمالية لدولة الإمارات، وساحلها كما عرفه المؤرّخون قديماً.

هي أثرٌ مختزلٌ الهويات، بين هوية أولى ضاربة في القدم، تحمل ملامح حضارات بلاد مابين النهرين، وفيه من آثارها الكثير، وهوية عربية إسلامية أصيلةٍ تبدو جليةً في وجه القلعة الإسلامية المبنية فوق بقايا مبنى دفاعي محصن، عائد إلى فترة عصر الحديد، في الألف الأول قبل الميلاد،وهويةٍ إماراتيةٍ متجددة تباهي الكون بما امتلكت وتسعى لتعريف العالم بمجد غابرٍ يحثو الغبار عنه، لينبعث طائرَ فينيق أو عنقاء عبر الحاضر، محلقاً في فضاءات المستقبل الزاهر.

هي إمارة الفجيرة، التي أخذت اسمها من عيونٍ تتفجر من صخر تلالها وجبالها، تتكئ على كتف بحر عُمان، مستقبلةً رياح المحيط الهندي بفخر بحّارٍ عربيٍّ من الإمارات، جاب البحار وعبرَ القارات، واصلاً الشرق بالغرب، ومنحنيةً على داخلٍ إماراتيٍّ دافئ بصحرائه ورمله، وهانئ بما امتلك من ماضٍ مجيدٍ حافلٍ بالبطولات.

هي إمارةٌ بين أخواتها الست، تتألق بقمم سمراء وتراب بركاني خصب، وصخرٍ تنحفر في جبهته حكايات خالداتٌ منذ آلاف السنين، حين تقترب من حدودها، تندهش بما تراه العين من امتداد مشهدي خلّاب وساحر، فهنا تقف الصحراء قليلاً، لتهمس في أذن الجبل، عن خوفها من الماء، فيمتدُّ الجبلُ حائلاً بينهما، ولا يسمح لهما باللقاء إلا حين يفجّر الإنسان في قلبه صخرةً مانعة، ويحفر نفقاً جامعاً بين جهتين للبلد ووجهتين للروح: الصحراء والماء.

تنطلق عبر دروب الإمارة الممتدة أفقياً في شبكاتٍ تتوازى حيناً وتتقاطع أحياناً،تعلو بك وتهبط، فوق الجبل، بين صخرتين، نزولاً عبر سفحٍ تزيّنه الخضرة الشهية والشجر الغض، وهناك تنعطف مختاراً النزول أكثر في أوديةٍ يحضنها الصخر كأنه يحميها حتى من نسمة الهواء، وصولاً إلى نبعٍ على يمين الطريق، يتفجّر من بين الصخر ليروي العابرين ولو برشفة واحدةٍ، من مسافي تتوجه إلى منطقة الحيل بعدها بـ 3 كيلومتر نعرج إلى أوحلة، مروراً بمنطقة أحفرة ووادي مي، ترافقك أشجار السدر والسمر على طول الطريق.

أمامك في الأرض المنبسطة المستديرة كصحنٍ على مائدة الجبال، تشمخ قلعة أوحلة مضيفةً على المشهد الجبليّ جلالاً فوق جلال، وجمالاً لا يضاهيه جمال، إنها القلعة الأثرية الإسلامية التي أثبتت الدراسات الأثرية والتحاليل لتربتها أنها بنيت فوق بقايا مبنى أثري مغرق في القدم، حجارتها من البازلت الصخري الملوّن، وعلى جدرانها تنكتب حكايات من التاريخ عن إنسان المكان الإماراتي، فهنا استوطن الإنسان المكان، وعاش فيه محمياً بين الجبال، بقلعةٍ يلجأ إليها في أحوال الحرب ويخبئ فيها مؤونته في أيام السلم.

ما إن تصل القلعة حتى يستوقفك سورٌ حديديٌّ له قاعدةٌ حجريةٌ من الحجر المستخدم في بناء القلعة ذاته، يسألك عن اسمك وعمرك ولغتك، وما إن يعرف أنك عربيٌّ ، وأن لهجتك ألفها المكان وحفظها عن ظهر قلبٍ منذ مئات السنين، ينفتح أمامك مرحّباً بحرارةٍ كأنها تنبثق من فوهة بركان لم يخمد، ولكن لا يشاء أذية جيرانه فيهديهم بعض دفء ولا يقذف حمماً.

تدخل القلعة عبر باب فخمٍ عرضه مترٌ ونصف وارتفاعه متران ونصف، كأنه باب الشمس أو إيوان كسرى، فتجد نفسك في صحنٍ كبيرٍ  مستطيل، وقاعات للنساء والرجال، يمتد الصحن طولاً ليتسع لعدد غفير من الأفراد، كما لو كان صالة استقبال اعتادت الزوار من جميع الأنحاء والأمصار، على الجدران حكايات لقاءات وسلامات ووداع واستقبال، وهناك في الشقوق القديمة اختبأت رسائل محبّين وكلمات همس تشي بكثير مودة غلّفت المكان بحميميةٍ عالية، ومن الغرفة في الطابق الأرضي، وإلى يمينك يقف المبنى الملاصق للبرج الذي يعلو طابقين، ويعلوه علم الإمارات مرفرفاً بزهوٍ يزدادا ألقاً برمزية المكان وقيمته التاريخية العالية.

تصعد سلماً حجرياً  ضيقاً إلى الطابق الأول، وعبر كوةٍ تشبه الباب الصغير، تخرج إلى ساحةٍ مشرفةٍ على المكان المحيط من أعلى، فينفتح لك صدر الأرض ويتسع أفقها، بالخضرة المحيطة، والأزرق السماوي، وهناك في البعيد الجبال التي تقف حارسةً ولا تخيفك، وفي القريب شجيراتٌ قليلاتٌ يلوّحن لك بمناديل اللقاء، وفي الحديقة الخلفية للقلعة شجرة وحيدةٌ يابسةُ الجذع والفروع، عندما لم تستطع اعتلاء أحد الجبال القريبة لتمارس عزلتها الحكيمة، أو تقفز من على صخرة مطلةٍ على البحر القريب، اختارت الموت وحيدةً بين جدران سور بعرض مترين يحيط بالقلعة من كلّ الجهات.

يمتد الحصن الرئيسي للقلعة على مساحة 50 x 100 متر، بسماكة جدران تزيد على المترين، تتميز العلوية منها بفرادة هندسية تشابه شكل المسننات الحربية التي امتازت بها القلاع والحصون الإسلامية العريقة، أو كما يذهب البعض إلى تشبيهه بالقلاع التي عرفتها بلاد ما بين النهرين في جدران القلاع والمدن الآشورية في شمال العراق، والبابلية في جنوبه، أما الغرف الداخلية المتكئة على السور فقد تم طلاؤها بالطين مع زخارف إسلامية وألوان فسيفساء تخلقها التشكيلة المتنوعة للصخر المستخدم الممزوج بالطين الأصفر، وبعد الخروج من غرف القلعة تتجه مباشرةً إلى البرج الدائري الشكل بقطر 9 أمتار، وارتفاع 11 متراً، وهو يقوم على أعمدة صلبة قادرة على الصمود وملحق بالقلعة من الخارج مجلس مستطيل الشكل مزينة جدرانه بديكور بديع.

هي ليست قلعةً أو حصنٌ حاضراً، إنها شامةٌ على خدّ الإمارات الجميلة، كأنها تشير إلى ما يفخر به هذا المكان من مجد، وتحكي للزائر رواياتٍ عن نسوة كنّ يعبئن الجرار من النبع القريب، ويحفرن بأيديهن للماء مجراه، ويغربلن الحبّ قبل الخبز الرقاق، عن رجالٍ متطوا الأحصنة متأهبين للقتال، أو مستعدين على أهبة السفر المعجّل، عن صبيةٍ ملؤوا المكانبالضحكات حتى ضجّت بها الأودية القريبة، وتهادى النخل على وقعها فرحاً واختيالاً. 

شارك