المجمّع الثقافي في أبوظبي: قلبُ العاصمة النابض بالحبّ

23 مايو

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

في لفتةٍ ذكيةٍ ذات دلالات عميقة تراعي الحدس الرهيف والتمسّك الكلاسيكي بالمكان والخلان لدى جمهور الثقافة والأدب والمعرفة في العاصمة أبوظبي، كما في ذاكرتنا العربية ووعينا التاريخي الضارب في القدم، وتذهب إلى أبعد من ذلك في انسجامها مع رؤيةٍ إماراتيةٍ استراتيجيةٍ ثقافيةٍ بعيدة المدى، كان إعلان هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة عن فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب في مايو من العام 2016، من المجلس الملحق بمبنى المجمّع الثقافي الذي انعقدت فيه فعاليات أول دورة من دورات معرض الكتاب سنة 1981م، بتوجيهات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله.

وفي المكان ذاته، في فبراير من كل عام، تنعقد فعاليات مهرجان الحصن جامعةً بين جزئي القلب الثقافي النابض للعاصمة أبوظبي، إذا كان من صحيح العبارة الإشارة إلى الثقافة بوصفها طريقة حياة وسلوك إنسان ورؤية معمار وعمران، وإذا كان من الصواب القول إنّ قصر الحصن في المكان ذاته هو الجناح الثاني، إلى جانب الجناح الأول المتمثل في مبنى المجمّع الثقافي، لطائر فينيق المدينة الظبيانية العصية على الثبات، والمتوثبة دوماً للانطلاق، فالثقافة في هذا المكان بالذات، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بذاكرته، فلا ثقافة للمكان في غياب ذاكرته وغيبوبة وعيه بأهمية الذاكرة الاستعادية المحفّزة للانطلاق قدماً إلى مستقبل أكثر رحابة وأوسع أفقاً، ولكن أعمق تجذراً في بيئة المكان ووعي إنسانه الإماراتي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا في مواربة السؤال حول ضرورة وأهمية وجود واستمرار وإعادة افتتاح مبنى المجمّع الثقافي في أبوظبي، في ظلّ الافتتاح القريب لمرافق المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات، والتي لا ينقص من قدرها إطلاقاً أن يظلّ المجمّع الثقافي صرحاً لجنديٍّ مجهول وتذكاراً لفعل ريادة في زمانه ومكانه الحقيقيين، قبل أن تتاح للعاصمة إمكانات الجذب العالمي الثقافي الفريد، لمتاحف عالمية كبرى، ومراكز ثقافية وفنية أولى على مستوى العالم.

وفي مقاربة اللحظة الاستعادية لذاكرة المكان، وهنا أقصد بالمكان المجمّع الثقافي، يتجلى في كيف أنّ المدن يمكن أن تحيا دون عينها الرائية الأولى ونبضها الخافق القبلي وقلبها الحي الأول؟ وإن أمّنا لها المرافق البديلة والأقدر على الفعل وديناميكية الحضور، وهل تستطيع استكمال مسار نهضتها بدون مشهدية استعادية تحفظ لها ذاكرتها فلا تقع في النسيان؟، وهل أنّ نهضة العمران قد تتناقض مع ثبات الإنسان على أصوله الراسخة وجذوره الممتدة عميقاً؟، وهل يمكن لمدينةٍ ما أن تبدّل فساتين عمرانها دون أن تمسّ بجوهرها وروحها الشديدة التمسّك بعادات الأجداد وقيم الآباء وأخلاق الأوائل "الطيبين"؟.

هذا المجمّع الذي يقع في منطقة قصر الحصن القديم، ببنيان عمراني استمدّ من التراث الإماراتي والعمارة العربية فرادته، احتوى على أول مركز ثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما جمع في أروقته مكتبة وطنية شاملة، ومسرحاً للعروض وفنون الأداء، ومركزاً للمعارض والفعاليات، واستطاع أن يتماهى مع الملامح العامة للمدينة الوجهة فبات الوجه، بكلّ ما يعنيه ذلك من حضور ثقافي حي وفاعل، بل ومتفاعل مع الدفق البشري المتزايد الصخب في مدينةٍ لا تنفك عن التمدد والتجدد بشراً وحجراً.

صُمّم مبنى المجمُع في سبعينات القرن الماضي على يد شركة التصميم المعماري "والتر غروبيوس" بتوجيهات ورؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في تعزيز ودعم الوعي الثقافي لمجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة بجميع شرائحه الثقافية والعمرية، وقد كان المبنى يعبر عن استشراف جوهري جديد لدور الثقافة وكانت الحاجة إلى مثل تلك المؤسسة إيذاناً بولادة مرحلة نهضة ثقافية جديدة ورائدة للإمارات العربية المتحدة، وتتمثل الأهمية الرمزية للمبنى في الفلسفة الحديثة التي كانت تحكم المجمّع داخلياً لعرض وتسهيل الوصول إلى التراث والفن من خلال الاحتفاء بالثقافة المحلية وإبراز تأثيرها وتبادلاتها عالميا، فيما وراء القيمة الظاهرة للرموز التراثية التي أعيد بناؤها، وقد تم الاعتراف بالمجمُع الثقافي إقليمياً وعالمياً كمركز ثقافي مهم للمنطقة.

وقد عُدّ المجمّع الثقافي واحداً من الأمثلة الأكثر نجاحاً في أبوظبي على المزج الماهر والمدروس بين العمارة الحديثة والإسلامية، سواء من حيث مبادئ التصميم الأساسية أو التفاصيل الجمالية، وتتضمن الخاصية الانغلاقية للمبنى عناصر من العمارة المحلية بشكل مباشر، وتعكس عمارة قصر الحصن من خلال استخدام الخرسانة الخارجية العادية والمكشوفة، والتدريج المنخفض، والخطوط الطولية، والتفاصيل المعمارية. كما أن المهارة في إدماج العناصر البرمجية الثلاثة وهي: التعلم (المكتبة)، وفنون الأداء (المسرح)، والفنون التشكيلية (قاعة المعرض وغرف الاجتماعات) لصنع مساحة عامة مفتوحة للجمهور (مساحة المعرض) تبرز الكيفية التي يجسد بها التصميم المفاهيم المعمارية الحديثة والإسلامية للتركيز على الوظيفة والهندسة وليس على تماثل التصميم، ويبرز ذلك من خلال التصميم الداخلي الشبكي للمبنى، والارتباط بين الأنماط الهندسية، وتكرار العناصر والتي تكرّس جميعها المفهوم الحديث الخاص بالمساحة الشاملة حيث تترابط الأشكال والمساحات عضويا وبشكل انسيابي داخل بعضها البعض من خلال الخاصية التوصيلية المسامية للضوء والظل، والانتقال من مكان لآخر عبر مساحات مفتوحة، والقدرة على الرؤية والوصول إلى الأماكن.

كما ساهم الطابع المعماري للمبنى في اكسابه أهمية اجتماعية وثقافية كملاذ للإلهام، وحديقة لغرس النمو الفكري، ومساحة تدعو إلى التعبير الفني والتبادل الثقافي، بحيث كان، في الفترة السابقة لغاية العام 2010، تاريخ الشروع في أعمال ترميم البناء، يمكن الوصول إليها من قبل كافة الأعمار والأجناس والأعراق. وبمرور الوقت، تحول المبنى إلى ملاذ مكاني وثقافي ذي بعدٍ عاطفي وروحي لمدينة أبوظبي. وفي حين تغيّر دور قصر الحصن من مقر للسلطة إلى ذاكرة المدينة من خلال الملفات الأرشيفية التي كان يحويها، أصبح المجمّع الثقافي قلباً ثقافياً للعاصمة، وإلى جانب قلعة قصر الحصن، والمجالس الاستشارية الوطنية، والجامع الكبير، ومكتب البريد المركزي السابق، والشريان الرئيسي لطريق مطار أبوظبي، مثّل المبنى عنصراً حيوياً للمنطقة المركزية في العاصمة والمشهد العام للمدينة، ونظراً لأهميته التاريخية، والاجتماعية، والمعمارية، والرمزية، والحضارية، فقد سجل المجمّع الثقافي نفسه كأحد الانجازات الرئيسية لدولة الإمارات العربية المتحدة الناشئة، وأحد العناصر الهامة المكونة لذاكرة أبوظبي الحية، ومرحلة جوهرية لتتويج الجهود المستمرة نحو نمو أبوظبي ثقافيا.

عن المجمّع الثقافي نتحدث، في استعادة ذاكرة المكان لحيثيات تأثيره في نفوس معاصريه، وهو المبنى الذي شكّل أيقونةً معمارية تاريخية وحضارية تحمل القيمة الثقافية البارزة وتعكس جزءاً من نسيج التاريخ الحديث لأبوظبي، إلى جانب كونها سجلاً حياً لحقبة ممتدة من ستينات القرن الماضي إلى يومنا هذا.

هذا المجمّع الذي زرناه كثيراً، لنلتقي في أمسية شعرية هنا، أو محاضرة فكرية ثقافية هناك، أو في رحاب معرض فني تشكيلي متفرد ورائد، أو على مقاعد مدرج مسرحه الذي اعتلاه كبار النجوم من فناني العالم والعرب. هذا المجمّع الذي استقبلنا مراراً وتكراراً في غرفه الحميمة الدافئة لنتلو شعراً، أو نقف متأملين دقائق طوالاً، في لوحة تشكيلية رائعة أو مجسّم نحتي مبدع، كما لو أن مقاعده الزرقاء المخملية انحفرت في جلودنا فباتت دالة الدفء والحضور المتفاعل مع ثقافة المكان وتراثه ووجوه بشره، هذه المقاعد التي امتدت من أسفل حيث الطاولة الخشبية العريقة عراقة خشب أبوظبي القديمة التي شادت بالخشب قصور العمران ومراكب الغوص بحثاً عن لآلئ الخليج النفسية، إلى أعلى حيث عين كاميرا الفيديو الراصدة لحركات وانفعالات المحاضر الضيف كما لو أنها تستبقيه هنا، في أبوظبي، لزمنٍ آخر، تستعيد ذاكرتنا فيه عبق اللحظة وعطر الحلم بما كان، ليكون من جديد، أبهى وأكثر عبقاً.

إنها مدينة لا تزال تتجدد بأرديتها وورداتها، والمجمع الثقافي أحد هذه الوردات العابقات بالطيب، فلا بدّ لنا منه في مشهدية المدينة الذاكرة، كما لا بدّ للبحر، والسماء الزرقاء، وصفوف السيارات عند إشارات المرور، إنها الفينيق الظبياني الحالم بألف إنجاز وإنجاز، والمنبعث من المكان كلما اعتقدنا أن الغبار قد علاه، أو كاد.

ومن منطلق الاحتفاء بالذاكرة الجمعية لمبنى يمثّل أحد الصروح الهامة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهوية المدينة وهوية الدولة التي هي عاصمتها، يخضع مبنى المجمّع الثقافي حالياً بإشراف من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، لأعمال صيانة واسعة وتجديد شامل، بدءاً من دراسة دقيقة عبر بحث عميق لكافة جوانبه وقيمه المادية والمعنوية، مترافقاً كل ذلك مع عمل تقييم معماري واسع واستشارات مجتمعية عامة بهدف الوصول لفهم متكامل حول الأهمية الكبيرة لهذا المبنى، والمعرفة الاستباقية للتحديات التي تواجه أعمال الصيانة والتجديد وإعادة تأهيل المبنى، ليعود ضاجاً بسيمفونية الإبداع وحافلاً بوجوه المبدعين من كل الجنسيات، ووجود محبي الثقافة والفنون من كلّ شرائح وفئات المجتمع.

واستدلالاً على أهمية الاستعادة التخييلية ثم الواقعية لدور ومكان ومكانة المجمع الثقافي في قلب العاصمة أبوظبي لا بدّ لنا من الاستدلال بأمثلة شبيهة في أمكنة متعددة حول العالم كوسط بيروت وشرق لندن، وغلاسكو وجوهانسبرج، وصولاً إلى دبي، والشارقة، كبيئات معرفية وثقافية حية لا كمجرد بيئة عمرانية خرسانية، إذ لا بدّ من العمل على تطوير أدوات البناء الثقافي إلى جانب امتلاك تقنيات التطور العمراني، عبر خلق الظروف المناسبة لتحقيق حلم تحوّل قلب المدينة إلى مركز ثقافي يتم فيه توظيف الرؤى المختلفة لتشكل عالماً فريداً يجمع بين ضرورات الاقتصاد والعمران في مواكبة للتراث والأصالة في عملية دمج صعبة وشاقة يسهل الحلم فيها ولكن تحقيقها يحتاج إلى الكثير.

إنّ التراث لا يشكل جزءاً من حياة مجتمع الإمارات فحسب، بل هو جزء أساسي في رؤية حكام الإمارات، واستراتيجية عمل أساسية من استراتيجيات التربية، أمّا الفن فيحضر في المشاريع التي تقوم في إمارة أبوظبي، من متاحف تفتتحها في جزيرة السعديات ومنها متحفا غوغنهايم واللوفر ومتحف زايد الوطني، بما يشكل كل ذلك من فعل تأسيس ثقافي، لا كتجربة كسب واستقطاب السياح والسياحة الثقافية والفنية فحسب، بل بما يجعل العاصمة مركز استقطاب وتقاطع ثقافي وفني من خلال مشاريع جزيرة السعديات، وما يخطط من مشاريع ثقافية في مدينة العين، وما يمكن أن يُستعاد من دور للمجمع الثقافي وقصر الحصن في مركز العاصمة تماماً، مع الإدراك العميق للدور الذي يلعبه تنظيم الفعاليات الثقافية والفنية والفكرية، ووجود صالات العرض التشكيلية، والمسارح، في خلق بيئة ثقافية، وحالة حضارية منتجة تحفز الإبداع وتطلق المواهب، وتؤكّد على دور الثقافة في تنمية وتطوير المجتمع، وبناء الإنسان.

شارك