قصر المويجعي: معجزة التاريخ ومأثرة البناء والتمكين

23 مايو

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

هنا الجدران المصنوعة من عزم الرجال وجبلة الآمال، الشاهدة في ماضي الشعب وحاضره على بشرى ولادة وعظيم إرادة وريادة، هنا قصر المويجعي، معجزة التاريخ ومأثرة البناء والتمكين وحلم الغد الزاهر المشرق.

يا لحسن حظّه هذا البنيان، ويا لمجدها هذه الجدران، وهي تستقبل ميلاد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، يوم الخامس والعشرين من يناير العام 1948م، بتباشير الفرح، وتغاريد العز والفخر، وتحفظه بعينين ساهرتين وهو يكبر شيئاً فشيئاً، طفلاً يتعلم على يدي والده المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، القيم العالية والأخلاق الفاضلة، ورجلاً يتشرب مبادئ الحكم الرشيد فيصوغها ألحانَ ريادةٍ بمجد تليدٍ وفجرٍ وليد.

القائد الذي نشأ على صورة الوالد، مرافقاً إياه طوال فترة شبابه، مستقياً منه مبادئ الحكم والحكمة، والتسامح والرحمة، ومحبة شعبه. القائد والوالد معاً، في رحلة الذاكرة يحضران، بدرين في الليلة الظلماء، قمرين لأيام قادمة وإرثٍ خالد.

منذ شبابه المبكر، استمدّ الإلهام من شخصية الشيخ زايد القيادية، متصدياً للمسؤوليات الجسام بعزيمة القائد المقدام، الذي ألهم الملايين حين ترجّل الفارس زايد، فقادهم بعزمٍ لا يلين وإرادةٍ لا تعرف المستحيل.

في العام 1971، حين كان المغفور له الشيخ زايد يوحّد شعب الإمارات تحت راية الاتحاد عاملاً على ترسيخ بنيان الدولة وأركانها، كان صاحب السمو الشيخ خليفة إلى جانبه يمهّد لقواعد التمكين، ويضع نهضة الإمارات نصب عينيه حلماً غالياً سيتحقق لاحقاً. شخصيةٌ فذة كشخصية الشيخ زايد، مضحية، عاملة على خدمة أبناء شعبها، قريبةٌ إليهم، ساكنةٌ في قلوبهم ووجدانهم، هي شخصية الوالد والقائد خليفة، ولياً للعهد، ثم رئيساً للإمارات.

من هذا القصر، قصر المويجعي، انطلق القائد خليفة، حاملاً هاجس واجب الحاكم تجاه شعبه، ورفاهيته، ومسؤوليته في توفير أرقى معايير الإنجاز في التعليم، والصحة والخدمات والبناء والعمران.

شاباً يافعاً، عاش في غرف هذا القصر، متشرباً المبادئ التي عرفناها في الشيخ زايد من الكرم، الانفتاح، التسامح والاحترام، زارعاً إياها في نفوس أبناء شعبه، بالقدوة الحسنة التي كانها حتى صرناه.

هذا القصر صرحنا، ومهد فرحنا، ورمز القيمة الأعلى من قيمنا، في منظومة الوفاء، والولاء، والانتماء. المويجعي ليس حصناً تاريخياً فحسب، بل هو حصن الوطن، هو حضن الوطن، وهو ليس قلعةً فحسب، بل هو قلعةٌ شامخةٌ برموز العز من آل نهيان في العينِ، قرة عين زايد، ودار الزين، وهو مدرسةٌ للأجيال تحكي لهم قصص الرجال الرجال.

حكايةٌ يعجزُ الرواة عن تمثيلها، ويحار اللسان في سردها، ولكن لنا في ترميمها الأنيق ومعرضها الزاخر بدروس التاريخ وآثاره بعض التأسي، فنحن أمةٌ لا تنسى، وشعبٌ يتطلع دوماً إلى غدٍ يستلهم عبر الماضي، "فمن لا ماضي له، لا حاضر ولا مستقبل له".

هذا المكان، عابرٌ أزمنة التاريخ، حاضرٌ في الذكرى الماضية، والذاكرة القادمة، فكما لعب دوره المحوري في احتضان ونشأة وشباب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، سيكون المويجعي حاضنةً ومدرسةً للأجيال، اليوم، ومستقبلاً، وأبداً.

قصر المويجعي يعتبر أحد أهم معالم العين والمدرجة على قائمة "اليونسكو" لمواقع التراث الإنساني العالمي حيث يعكس عراقة وتاريخ الإمارات وثراء تقاليدها الأصيلة ودوره كحصن تاريخي في قلب "واحة المويجعي"، وقد تم افتتاحه للجمهور بعد إعادة ترميمه، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، من قبل سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية، بحضور عدد من أصحاب السمو الشيوخ وكبار المسؤولين.

يمثل "قصر المويجعي" الذي أشرفت على ترميمه "هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة" صرحاً وطنياً وتاريخياً مهماً في تاريخ المنطقة وهو المكان الذي شهد مولد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وهو المكان الذي له من الأهمية التاريخية والاجتماعية والسياسية منذ المراحل المبكرة من حياة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، ومسيرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، في القيادة والحكم.

ويضم قصر المويجعي الذي أحاط به سورٌ من الحجارة الصخرية التي تبرز جماليات العمارة الإماراتية وهندستها الحربية العسكرية في بناء القصور والقلاع، تزين بابراج المراقبة والحراسة التي ترتفع حتى طابقين واحياناً ثلاثة، طلاقيات البنادق والسهام، المحفورة بحجارة الجدران العريقة، والتفت حوله بساتين النخيل التي عرفت بها مدينة العين، دار الزين منذ القدم، متحفاً ومعرضاً أقيما داخله، يجمعانِ أهم المقتنيات والمحتويات التي توثق وتؤرخ للعديد من الأحداث التاريخية المهمة في مسيرة الحكم في الإمارات. ويسلط المتحف والمعرض الضوء على سمات القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ومراحل هامة في تاريخ الإمارات ومسيرتها نحو الاتحاد والتنمية.

ويروي المعرض الذي أقيم خصيصاً لصاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله سنوات نشأته الأولى وإنجازاته المهمة وتاريخ آل نهيان في حين يقدّم المتحف إطلالة على التسلسل الزمني لأسرة آل نهيان الكرام وتعاقب شيوخها على الحكم ودورهم في قيادة الاتحاد وتطور البلاد في كافة المجالات، كما تبين التقسيمات الداخلية للقصر في باحاته وغرفه وقاعاته البناء المعتمد على القناطر الهندسية المستطيلة والتي تسمح بترك مساحات كبيرة نسبياً للاستعمالات المتعددة لساكني المكان، والمنحوتة جنباتها وزواياها على أشكال هندسية وزخرفية إسلامية من الشرابيات والكتابات وغيرها، بينما حافظ السقف على مواد البناء الإماراتية الاصيلة من سعف النخيل وخشبه، وازدانت غرف المعيشة والجلوس بالميالس الخاصة لساكني القصر وأثاثها الفاخر من التكيات والمساند والسجاد.

وقد خضع قصر المويجعي لعملية ترميم دقيقة وإعادة تأهيل متطورة وفق أرقى المستويات العالمية حيث يجسد هذا الصرح التاريخ والإرث الثقافي والحضاري للمنطقة وقد استمر برنامج ترميم "قصر المويجعي" لما يزيد على أربعة عقود بهدف استعادة صورته الأصلية وإبراز مقوماته الأثرية بما يتناسب مع مكانته في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، ويبرز ذلك الجهد جلياً في بناء الجدران والمساكن داخل القصر نفسه، غضافةً إلى المسجد الذي يمثل طرازاً فريداً من البناء المحلي العريق الممتد لقرون طويلة، والمستمد أصالته من العمارة العربية الإسلامية القديمة.

شارك

الموقع