عن "أرملة قاطع طريق" بمنظور سيميائي

23 مايو

المؤلف: سامح كعوش (فلسطين)

يقول فيرديناند دي سوسير في كتابه "محاضرات في الألسنية العامة": "يمكننا تصوّر السيميولوجي كعلم يدلنا على كنه وماهية العلامات والقوانين التي تنظمها حياة العلامات في صدر الحياة الاجتماعية، إن مكانتها محددة قبلياً، وما الألسنة إلا جزءٌ من هذا العلم العام... وهكذا ترتبط هذه العلامات بمجال محدد بدقة في مجموعة الوقائع البشرية"، وهذا ما يؤكد عليه بيرس الذي يرى "أن الرمز يقابل العلامة بأبعادها الثلاثة عند سوسير، وارتباطها بالمرجع تعسفياً أو عرفياً أو توافقياً، والدليل يعني اقترانه بما يدلّ عليه كأعراض مرضية تشير إلى نوع المرض، أو الدخان مع النار أو السحاب مع المطر، والأيقونة التي تعني قيام تشابه بين الدليل وما يمثّله، كالصورة أو الرسم أو النحت".

لرولان بارت رأيٌ قد يكون محورياً في هذا المبحث فاللغة مستقلةً عن الكلام هي المادة الحقيقية الأولى، أما الكلام فهو ما يتشكّل بوعي دقيق لضرورته وصيرورته، كأن يشير بارت إلى اللغة كإنتاج للكلام ووسيلة له، فمن حيث الطعام تتكون اللغة من قواعد الإقصاء (ما هو خارج الأطعمة)، والتعارضات (مالح/ حلو)، وقواعد الجمع والتأليف بين المواد المتداخلة في صنع الأطعمة، أما الكلام الغذائي فيتمثل في اختيار أنواع من الأطعمة دون أخرى، تتميز بطريقة صنعها أو بأسلوب تحضيرها، بناء على تركيبة معينة.

ويقدّم رولان بارت رؤية مختلفة قد يكمن فيها حل إشكالية اللغة/ الكلام، في إحالته الدال والمدلول في مستواهما الأسطوري إلى دال ثانٍ يطلق عليه اسم الشكل، أما المدلول له فيسميه المفهوم، وهنا يمكن لنا أن نتحرّى شكلاً فريداً في اللغة لا يقع في المفهوم، وبالتالي هو لا يقع في التأويل أو الحالة المفسرة كما عند بيرس بمعزل عن الحالة المصوّرة في نظريته لعلم الدلالة، ويكون لهذا الشكل الفريد في اللغة حضورٌ مستقلٌّ بذاته في تناول أدبي إبداعي يخرج دوماً عن السياق ولا يحكي أنا كاتبه أو كاتبته، إنما يحاكيها في المثال/ المفهوم الكلي أو ما قع في اللغة ولا يقع في الكلام.

وفي مجال الكتابات الشعرية النسائية عربياً، نجد أنّ قلةً من الشاعرات كتبن اللغة الشعرية ككيان قائم بذاته، أي كدالٍ، بعيداً عن دلالاته، التي تشير إلى تشكّلٍ ما قريبٍ منا أو هو يفصح عنّا، أو يشي بشيء. وميسون بنت صقر القاسمي، هي واحدةٌ من الرائدات بين هؤلاء الشاعرات، وبخاصة في التجربة الشعرية الخليجية بشكل عام والإماراتية بشكل خاص.

فلميسون القاسمي في تجربتها الشعرية سياقان ومساقان، الأول يحكي الموضوع عبر انتمائه إلى الذاكرة والتموضع داخل الحالة المفسّرة، والثاني يستقل بلغته وانتمائه للدال الذاتي الجمالي أو "الحالة المصوّرة"، وقد يعود ذلك حكماً إلى صفتين التصقتا بميسون نفسها، ميسون الشاعرة، وميسون الفنانة التشكيلية.

حالة الانتماء إلى الذاكرة والتموضع داخل الحالة المفسّرة نراها في أعمالها الروائية بشكل أكثر وضوحاً، كما في روايتيها "ريحانة"، و"في فمي لؤلؤة"، وهذا ما يؤكده الدكتور نبيل عبد الفتاح في ورقته النقدية عن "مفهوم الذاكرة في رواية "في فمي لؤلؤة"، يقول: "إن "في فمي لؤلؤة" هي رواية لإحياء الذاكرة الجمعية، وعمل إبداعي لافت في مواجهة النسيان".

إلا أنه يشير إلى فرادة القاسمي في تناول الدال بذاته في اللغة فيقول: "إلى جانب ذلك الجهد الواضح في رصد ذاكرة المجتمع الخليجي، والتوقف عند مرحلة مفصلية من حياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، تتكشف فرادة الشيخة ميسون في العمل على اللغة، إذ يمضي العمل في مستويات لغوية عديدة، مستنداً على فكرة الثنائيات التي تشكل جذر الرواية، فتظهر اللغة الشعرية، والسرد النثري، بتجاور وتمازج موفق".

أما حالة الاستقلال باللغة والانتماء للدال الذاتي الجمالي فهي حالة نجدها في شعرية ميسون القاسمي وتشكيلها اللوني حيث تأخذنا بعيداً في عوالم الذات الشاعرة بالمفردة أو اللون، تقول ميسون القاسمي في حوار صحفي معها: "لا أعتقد أن الكاتب يختار الكتابة، وإنما الكتابة هي التي تختار من يمتهنها، فهي تبدأ من القراءة، ثم سرعان ما تتحول إلى حرفة ما أن يسقط القارئ في شغف الكلمة والمعنى".

تترجم ميسون القاسمي مبدأها التصويري لا التفسيري بحسب السيميولوجيا، كعلم العلامات أو الإشارات أو الدول اللغوية أو الرمزية سواء أكانت طبيعية أم اصطناعية، وإذا كانت اللسانيات تدرس كل ماهو لغوي ولفظي، فإن السيميولوجيا تدرس ما هو لغوي وما هو غير لغوي، أي تتعدى المنطوق إلى ماهو بصري كعلامات المرور ولغة الصم والبكم والشفرة السرية ودراسة الأزياء وطرائق الطبخ، إلخ.

تعمد ميسون إلى اللغة باعتبارها تشكيلاً وتجريداً للأفكار بالحروف لا بالألوان، كأنها تشير إلى استقلال اللغة عن الكلام، وانغلاقها على فهم تشييء البشر لها عبر اعتبارها الأداة أو المنطوق لتفسير المكبوت أو الساكن الداخلي، فهي ترى في تقديمها لمجموعتها الشعرية "أرملة قاطع طريق" أنها تنفعل باللغة في الكتابة ولا تفعلها، ولأنها تنفعل باللغة وحدها دون "الكلام" في منظور واعٍ لسيميولوجيا خاصة بالشاعرة وتجربتها الشعرية، فهي لا تنجذب إلى الغنائية التي ستعلي حتماً عنصر الموسيقى كعنصر يقع في الكلام ولا يقع في اللغة أصلاً، وهذا ما لم يفطن إليه كثيرٌ من شعراء قصيدة النثر الحديثة الذين وقعوا في أسر الغنائية فأحاول "اللغة" في تجربتهم الشعرية إلى "كلام" يجاري الوزن والإيقاع ولا يقف عند الصورة اللغة بذاتها، اللغة التي يفترض بها الشعراء الآخرون أن تفتح السر، وأن تقدّم عوناً للذات الكاتبة، فهي ترى أنها تكتب بلا وعيٍ، ولا تعي إلا الأنا التي تفعل بالنفي أو ما تسمّيه "ليّ الكلمات"، كأنها نظريتها الخاصة لكتابة اللغة بتطوير نظرية "طي الكون" كي يلتقي الزمان والمكان في نقطة التلاشي والفناء أو اللقاء الكلي، وهكذا هي لغة ميسون القاسمي من حيث كونها لغة تلاشٍ وفناء لذات قبلية ولقاء كلي لذات بعدية شاعرة تستند إلى فلسفات ونظريات، تحتمل صفات الهذيان، وتقول بفناء الهاجس والغاية والغنائية، ذات تؤمن باللغة كصورة، مهما بلغت واقعيتها الفجة، واحتمالية الأذى، وفي عنوان مجموعة شعرية أخرى لميسون القاسمي مفتاح السر "تشكّل الأذى" بمفردتين تنتميان إلى التشكّل كفعل سابق على الإبداع النصي الأدبي، والأذى كطاقة خلاقة للإبداع، أو ما قاله الشاعر إلياس أبو شبكة في بيته الشهير: "إجرح القلب واسقِ شعرك منه/ فدم القلب خمرةُ الأقلام"، هذه الذات التي تجترح لغتها الخاصة كما لو أنها "أيقونة العذاب - - > أثر الرمل - - > رديف الوله - - > الثمرة الفاسدة - - >  رفقة الموت - - > جسدٌ على طريق الإشارة - - > العودة إلى الظمأ - - > اللهث المرُّ - - > الحارس الأمين - - > كوابيس الرأفة - - > ثعالبُ صغيرةٌ في منتصف الدائرة - - > حسرةُ المتاهة - - > طريق المهالك - - > الدود، هذه المفردات/ الدالات/ الأشياء، الأشياء الفقيرة والهزيلة أو بقاياها التي عرّفها لنا رولان بارت في كتابه "موت المؤلف" على أنها: "ليست شيئاً سوى بقايا الأشياء الفقيرة والهزيلة للأشياء الرائعة والجميلة في داخل كل منا"، تقول:

"عندما أكتبُ لا ينفتح السر

لا تخرج الأنوثة عاريةً

لا يفطن الهاجس لي

لا ترغب الكلماتُ في الغنائية

لا أستعين باللغة

ولا ينتابني الهدوء

أيقونة العذاب

أثر الرمل

رديف الوله

الثمرة الفاسدة

رفقة الموت

جسدٌ على طريق الإشارة

العودة إلى الظمأ

اللهث المرُّ

الحارس الأمين

كوابيس الرأفة

ثعالبُ صغيرةٌ في منتصف الدائرة

حسرةُ المتاهة

طريق المهالك

الدود

هكذا أبدأ بليِّ الكلمات".

يظهر لنا هذا المساق الخاص في تجربة ميسون القاسمي في نص "من يهمّه الأمر" من مجموعتها نفسها "أرملة قاطع طريق"، إذ تُبدي القاسمي لا مبالاتها بأن تكون شاعرةً كبيرةً تنتمي إلى التفسير أو المدلول، بقدر ما تحاول أن تطلق قدرات الدال/ اللغة في أوسع معاني الإطلاق بفناء وتلاشي الذات الفردية والجمعية معاً لإعلاء شأن اللا أحد، كي تبرز الغاية الكبرى للتجربة الكتابية في عبارة "لكنني أحاول إيقاد جذوة اللغة في لسان الحال"، وليس صدفةً أن تتراصف المفردات هنا من اللغة إلى اللسان، تقول الشاعرة:

"لستُ شاعرةً كبيرةً

من يهمّه الأمر

لا يهمني أنا أيضاً

لكنني أحاول إيقاد جذوة اللغة في لسان الحال

ومن يهمّه هذا أيضاً؟

لا أحد".

وهنا عبر صيرورة "العالم - - > كفٌّ صغيرٌ - - > بيد الله - - > القادر على بسط يده - - > قيمة الشعر، تميل الشاعرة إلى استغلال الذاكرة الجمعية الإيمانية في مقولة أن "العالم كفٌّ صغيرٌ في يد الله"، وأنّ "الله وحده القادر على بسط يده إلى عباده المهتمين بقيمة الشعر"، فالإيمان بأنّ العالم كفٌّ صغيرٌ لا يهتم هو الرديف اللساني لإيمانية أن الله يهتم/ أنّ الكلّ في يد الله، وأن الله يزرع في عباده المختارين اهتمامهم بقيمة الشعر، لتصبح اللغة حالة قدسية تقارب بين الدال/ اللغة والدال/ المقدس كصورتين أيقونيتين لنقاء اللقاء الكلي، أو الكلمات كما أشارت الكاتبة، "بعد ليّها وطيّها"، في عالم "لا يهتمّ بقيمة أحد/ إلا العنف الموجّه تجاه العالم الثالث/ من يهمّه الأمر؟/ إنه عالم ممتلئٌ بشعرية العنف/ ضد رومانتيكية الأشخاص"، كأننا بالشاعرة تمسك بريشتها لتشكّل الأذى البشري مقابل النقاء الإلهي المقدّس، فالعالم كفٌّ/ دالٌ لغوي على الكف والقبض، مقابل الله القادر على بسط يده/ اليد المبسوطة/ الدال المكتفي بذاته/ الحالة المصوّرة.

إنها الشاعرة التي تتمسك بلغة الدلالة بذاتها دون مدلول، كأنها تقول بموت المعنى، أو هو في الحقيقة مقبرته بالكوابيس/ الخلق الجديد/ مستقلاً بذاته عن أصل، فالعائلة هي عائلة أخرى، والمحبون هم الآخرون، والوطن يتم استبداله بأوطان عديدة أخرى، في موت تام للمدلول القيمي المعتاد في وطنٍ وأهل وأحباء، تشي بهذا القتل أو الانسلاخ مفردتان: مفردة العنوان/ الكلمة الموضوع "المقبرة"، ومفردة الفعل المضارع الحاضر "أتخلّص" الذي تستخدمه الشاعرة مفتاحاً للنص يغلق دلالاته الأخرى ويدل على حتمية واحدة، تقول ميسون في نص "المقبرة":

"أتخلّص من الكوابيس كلّ ليلةٍ

بخلق عائلةٍ أخرى

ومحبّين آخرين

وأوطانٍ عديدةٍ تبدأ من بقعةٍ صغيرةٍ في أقصى الأرض

وتنتهي إليها".

فعلُ معاناةٍ هو هذا الانسلاخ، ألم يقل الشاعر المصري أحمد الشهاوي في تجربة ميسون القاسمي: "ميسون صقر شاعرة تغادر ما كسبت في معركتها مع الشعر، مثلما غادرت مبكرا الأسلاف والمعاصرين، واستطاعت أن تحفر مجرى سيّالا دافقا يتجدد بما يحمل من أسرار ومكنونات وعلى مستوى الحياة والشعر هي ليست مطمئنة، صحيح أنها تطمئن في التعامل معها على المستوى الإنساني، لكنها تفتقد إلى الاطمئنان، وان اطمأنت لبعض الوقت فهي لا تركن لما تظن أنه استقرار وترتيب.. هي امرأة قلقة، علمتها الحياة ألا تطمئن، إذ لا بد من الشك والارتياب والحيطة والحذر والسؤال، والشاعر دوما هو من يسأل لا من يجيب، إذ أن الشعر منذ بدء الخليقة سؤال لا ينتهي، ومن المفروض ألا يتكرر، وعلى الشاعر أن يغادر مناطقه قبل أن يغادر مناطق الآخرين".

إن ما تفعله ميسون القاسمي هو الفصل للتوأم السيامي المتشكّل باللغة/ الكلام أو الدال/ المدلول أو الصورة/ التفسير، لكنه فعلٌ لا شعري فلسفي خلاق وبعيد، تعمد إليه ميسون القاسمي لأنها ابنة المعاناة والألم الوجودي باللغة كدال مستقل، ومن قال إن ما قيل عن نصّها صادقٌ بقدر ما هو صادمٌ، وهي التي لا تدع مجالاً لشكٍّ ولو قليلاً، فمفردتها صورتُها، تشكّلها ولا تكتبها، كأنها ساردة الحكاية بالدالات الواضحة الصريحة، دونما مواربة، وهي حين تكتب مفردتها فهي تعنيها عبر تأكيدها بصورة، وتتدخل فيها باللغة عبر ضمير الأنا المتكلمة "عانيتُ - - > عانيتُ - - > كنتُ - - > أمدُّ - - > أضعُ - - > أسكبُ - - > أعلّقُ - - > كنتُ - - > أسكنُ"، وهنا يصبح الفعل المعاناة مرضاً ساكناً في الصدر، وفراقاً صعباً ومراً، حتى يستوطن الصوتُ إناءً ينسكب الصراخُ منه، تعلّقه الشاعرة على باب بيتٍ كانت تسكنه، تقول في نصها بعنوان "من بيتٍ إلى بيت":

عانيتُ من مرض الصدر

وعانيتُ من فراقٍ صعبٍ

كنتُ أمدُّ يدي حتى تصلَ إلى النهر

فتنبتُ شجرةٌ على ابتسامتي

أضع صوتي في إناء

أسكبُ الصراخ منه

ثمّ أعلّقه على باب بيتٍ كنتُ أسكنه".

تقول ميسون القاسمي في حوارٍ معها "إن تجربتي الشعرية ليست ذات شكل واحد ومحدد، فحتى تكون التجربة ناضجة وحقيقية، لابد أن تكون قد احترقت بنار الحياة والخبرة ودخلت مجاهيلها أيضا.. ومثلما اكتب الشعر المجرد اكتب شعر التفاصيل الكثيرة، وأتماشى مع الفلسفي والصوفي والمهمش والملموس الحي، حتى تصبح ذات الكتابة عميقة ومحملة بتنويعات قادرة على التعايش مع متناقضات العالم وظروف الجمهور، وحتى المكان وتفاصيله، وفي النهاية لا أستطيع الكتابة من منطقة أو خانة واحدة بعيدا عن تجارب الناس، لأنني أحاول أن أجعل قصائدي مقبلة على الحياة برغم فداحتها وربما مرارتها وأحزانها.. إنني أعيش الشعر وأخلص له لأن الشعر لا يكتب إلا للناس والحياة قبل أن يكون للجماليات والاستعراض"، وهي بذلك تضع خطوطها العريضة الواضحة التي تأخذ بيدنا نحو كتابة اللغة/ الحياة نفسها لا الكلام حولها أو عنها، ولهذا تختار مفردة "الماء" لتخاطبه عنصراً أساسياً للحياة نفسها، كأنه الملح في العنوان "ملح الحياة"، أولم يكن الماء مالحاً منذ بدء الخليقة في المكان الإماراتي الذي شكّل الملح مفردته الواقفة الخالدة عبر المكان والزمان معاً، فالملح في الماء، والملح في التراب، في الصحراء، حتى ليكاد الملح يكون في السماء، لكنه يغتسل بالماء ليكون ملح إنسانية أو ملاحتها، ماءها المخلص لأرضه دوماً، حين يعلو إلى سحابة أو سماء، ثم ينزل في البئر، في الدلو، علاجاً من الموت، من الملح، من الحسرة في المكان، تقول في قصيدتها "ملح الحياة":

"أيها الماء

من البئر التي أنزلتُ فيها الدلو

من السحابة أتيتَ

ومن النبع

والوديان

كان الدلو ضدّنا

كنتُ أنتظركَ فيه أيها الماء

كانت أمي تُحتضرُ

ماء، أعطيني شربةَ ماء

ركضتُ بين البئر، والدلو فيه

وبين حسرتي في المكان".

وهي في مكان آخر في المجموعة نفسها تشير إلى ما تسمّيه حياةً معلقةً كما في دلو الصراخ الذي علّقته على باب المنزل الذي سكنته، ودلو الماء الذي في البئر، واللحظة المعلقة هناك كدلوٍ تماماً، الدلو كمفردة دالة ذات خصوصية إماراتية حصراً، وهي في حياة الشاعرة ميسون القاسمي دالٌ لا دلوٌ فحسب، دالٌ على معنى الحياة ضد الرمل، الوجود ضد صحراء تخبّئ القاطنين والعابرين بلا أثر، حين الرمل يمسح آثار أقدامهم، لتصبح الخيمة دالاً في نظرية اللغة ضد الكلام في التجربة الشعرية لميسون القاسمي، تقول في نصِّها بعنوان "طرف إصبعكَ في المياه":

ستخبّئنا الصحراء بلا أثرٍ

الرملُ يمسحُ آثارَ أقدامنا

ولم تخف

هل نسيتَ؟

الخيمةُ تحجبُ شمسها الحارقة

لا تقل وداعاً

لم تذهب أيها الرّحالة من هنا

حملتَ صورَنا وقبضتَ اللحظةَ

وضعتها معلّقةً هناك".

شارك