رواية الغرفة 375 كنافذة إماراتية مفتوحة على الآخر

05 مايو

المؤلف: د. رسول رسول

عندما تقرأ أعمال الروائي الإماراتي علي أبو الريش، تجد نفسك إزاء روائي متعدِّد الاختيارات في تناول الموضوعات Themes وما تتطلَّبه، تلك الموضوعات، من بناء شخصيات روائية رئيسة وثانوية وهامشية ذات مناح نفسية ووجدانية ومجتمعية وجهويَّة متعدِّدة الاختلافات.

في كل تلك الأعمال، قدَّم علي أبو الريش تمثيلات إبداعية للآخر Other في صور متعدِّدة الحضور والحركة والتفاعل والبناء الجمالي؛ كالآخر البشري الأسري، والآخر البشري النظير في الوطن، فضلاً عن الآخر القومي والعالمي والكوني.

إن تمثيل "الآخر" في رواية "الغرفة 357" (1) يوجد ويحضر ويتحرَّك على نحو لافت، خصوصاً ذلك "الآخر المختلف" في عرقه وقوميته وثقافته مثل: "محمد شومار كوتي"، و"جوزيف"، و"مادلين"، و"نسرين"، والفتاة "السريلانكية"، ناهيك عن شخصيات أخرى ستكشف عنها أحدث هذه الرواية تباعاً. على أن تمثيل الآخر إبداعياً Representation of the other في هذه الرواية سيتخذ طريقاً لم يطرقه الروائيون الإماراتيون من ذي قبل؛ حيث سيلجأ أبو الريش، وعبر شخصية بطل هذه الرواية "مطر بن حارب"، إلى تقديم تمثيلات الآخر في مرحلتين متتاليتين عاشهما مطر بن حارب في خضم أحداث الرواية؛ هما: مرحلة "الوعي" الكامل والمُسيطر عليه في حياته بالمدينة، ومن ثم مرحلة "اللاوعي" حيث الجنون والتيه الوجودي في الصحراء.

ـ 1 ـ

كما في الكثير من نصوصه الروائية، يلجأ علي أبو الريش إلى فضاء الوعي في بناء شخصيات وأحداث رواية "الغرفة 357". ويمكن القول إن هذا الروائي الإماراتي يُعد من أمهر الروائيين الخليجيين الذين مثلوا تيار الوعي في الرواية العربية، وأكثرهم خبرة وتكريساً في كتابة النص الإبداعي التخيُّلي القائم على توظيفات طاقة الوعي روائياً، فتلك ظواهر تميز مشروع أبو الريش الروائي، وتكشف عن مكنته البارعة في توظيف تقنيات هذا الاتجاه في الكتابات السردية.

تجدر الإشارة إلى أن مصطلح "تيار الوعي" يعود إلى الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليم جيمس (1842 ـ 1910).

وكان وليم جيمس قد قال: "إن الاكتشاف الأعظم الذي شهده جيلي، والذي يقارن بالثورة الحديثة في الطب كثورة البنسلين، هو معرفة البشر أن بمقدورهم تغيير حياتهم عبر تغيير مواقفهم الذهنية" (2). والمهم هنا، هو طاقة الذهن التي تحدَّث عنها وليم جيمس، وكشف عن دورها في صناعة الحياة والتحكُّم بمساراتها على الصعيدين الفردي والمجتمعي.

وكان "روبرت همفري" قد عرَّف رواية تيار الوعي بأنها: "نوع من السرد الروائي يركِّز فيه الكاتب أساساً على ارتياد مستويات ما قبل الكلام من الوعي بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصية الروائية عبر مجموعة من التداعيات المركَّبة للخواطر عندها" (3).

في ضوء ذلك، راح الروائيون الغربيون يكتبون عدداً من النُّصوص الروائية التي سارت في دروب تيار الوعي، ومن ذلك رواية "عوليس" لجيمس جويس، ورواية "الفنار" لفرجينيا وولف، ورواية "الصخب والعنف" لوليم فوكنر.

أما عربياً، فقد نال توظيف "الوعي" في الرواية نصيبه عند بعض الروائيين العرب أمثال: نجيب محفوظ، ومصطفى محمود، وعبد الفتاح رزق، وجمال الغيطاني، وصنع الله إبراهيم، ويحى الطاهر عبد الله، ومحمود عوض عبد العال، ومن ثم علي أبو الريش في ما يتعلَّق بالرواية الخليجية (4)، خصوصاً روايته "الغرفة 357" التي سنتناولها هنا في ضوء نظرية تمثيلات الآخر Representation of the other في المتخيَّل الإبداعي الروائي الإماراتي حيث تتضافر تقنيات رواية تيار الوعي مع تمثيل الآخر المختلف في تجربة إبداعية مركَّبة.

ـ 2 ـ

في رواية "الغرفة 357"، يستحضر أبو الريش الآخر المختلف منذ المشهد الأول في سرديتها، حيث المرأة الأجنبية التي تنام حراماً مع بطل الرواية مطر بن حارب من دون تحديد اسمها ولا جنسيتها لكنها شقراء غير عربية، بن حارب الرجل الإماراتي الخمسيني القادم من "رأس الخيمة" إلى "دبي" للاستجمام والراحة وإحياء فحولته مع نساء الليل في فندق راق ليتخلَّص من "أثقال أرهقت كاهله على مدى  سنوات، وجثمت على صدره هموم كالجبال" (5).

يصف أبو الريش المشهد من الخارج، لكنه سرعان ما يتوغَّل في دواخل شخصية بن حارب لاستجلاء حراك وتحولات وعيه، وتصوير ما يفكِّر فيه، وما يستحضره استذكاراً، في تلك الساعة الشيطانية، من صور عن زوجته الفظة والغليظة "سلامة"، وولده "أحمد"، وهيمنة فكرة الخيانة التي طافت عليه من دون تأثير يُذكر لينام هانئاً وسط سرير ترف وفي ظل أجواء "رائحة زكية خلفتها المرأة الغاربة" (6).

لما كان بطل الرواية مطر بن حارب قدِمَ من رأس الخيمة" إلى "مدينة دبي"، فهو بالتأكيد سينظر إلى حال المدينة المُبهج على نحو مختلف وقد تغير كل شيء فيها، خصوصاً نوعية الناس القادمين إليها للعمل وطرق عيشهم، فضلاً عن طبيعة التغيرات التي طرأت على حياة أبناء المجتمع الإماراتي أنفسهم، فبعدَ ليلة حمراء أمضاها البطل مع إحدى فتيات الليل، نزل بن حارب إلى الشارع في صبيحة اليوم التالي، وأخذ يتحسَّس أوضاع الناس التي تكتظ بهم المدينة. وهنا يتعمد أبو الريش تقديم صورة عامة عن أيام بن حارب الجديدة بالمدينة من منظور ومشاهدة بطل الراوية ذاته، وهي صور يوجد فيها "الآخر" على نحو كبير وواسع ومتعدِّد الحضور، يقول أبو الريش راوياً: "غادر غرفته باتجاه الشارع، واستقل سيارة ليذهب إلى ميدان عبد الناصر. في الطريق إلى الميدان العريق، غاصت السيارة الصغيرة في غيمة بشرية هائلة، ملوَّنة بأنصاف وأطياف من الوجوه واللغات، ولم تغب إلا اللغة العربية والعقال.." (7).

في "ميدان عبد الناصر" بدبي، يلتقي بن حارب مع شخص هندي اسمه "محمد شومار كوتي"، وهو "الآخر" الثاني في سردية الرواية. و"كوتي" شخص وافد، عاطل عن العمل، ويعاني الأمرين؛ الفقر والفاقة، فيتعامل بن حارب معه برفق، لذلك بعث أبو الريش في نفس بطله التعاطف الإنساني المعهود عن الشخصية الإماراتية تجاه أمثال "كوتي" المسكين، بل وتجاه هذه العمالة المقنَّعة، وأخذ على نماذج من الإماراتيين الذين يعبثون بمصير هذه العمالة قائلاً: "لدينا ضمائر خربة.." (8)، ويقصد أصحاب الشركات الذين يأتون بالعمالة ويضحكون على ذقنها ليتركوها هائمة على وجوهها بلا عمل في البلاد.

لأيام عدَّة، ظل بن حارب بالفندق يصل الليل بالنهار، متربصاً بالنسوة الجميلات من خضراوات الدمن، غارقاً في الذكريات تارة، وفي لحظات الحاضر تارة أخرى، وقد ضخَّ علي أبو الريش في شخصية بن حارب، وبلغة شاعرية شائقة، الكثير من صور الحياة والمشاعر والأحاسيس وهو يراقب كل صغيرة وكبيرة بالفندق، خصوصاً النساء اللواتي كن يجئن صالاته للترفيه والترويح، واستعراض لطائف أجسادهن اليانعة أمام الناس من رواد الفندق.

استمر ذلك الخلق الحيوي المتدفق لما يدور في ذات ونفس وذهن وعقل بن حارب حتى الصفحة الثانية والتسعين من صفحات الرواية لتظهر شخصية ثالثة من شخصيات "الآخر"، وهي شخصية "جوزيف" العربي اللبناني. وجوزيف رجل "مكسو ببعض آثار الكهولة، لكن الشيب الذي غزا رأسه كساه شيئاً من الوقار، ووجنته الحمراء المصقولة بدهن الفحولة اليافعة، أكسباه حيوية ونشاطاً وقوة برزت من عضلات صدره الناهض" (9). وهو الذي تطفَّل على جاره بدعوى أنه سمع صوتاً مدوياً جاء من غرفة بن حارب، فجاء ليطمئن على سلامة من يسكن هذه الغرفة، لكن بن حارب يدعوه لتناول الشاي فالضيف يُكرم، وعندها يبدأ التعارف، وتتكشَّف شخصية بن حارب المثقفة سياسياً ومجتمعياً من خلال الحوار مع جوزيف عن الأوضاع بلبنان في مسعى من أبي الريش لجعل بطل روايته عارفاً بما يجري في العالم، بل وبطبيعة الشخصية العربية غير الخليجية، خصوصاً اللبنانية؛ فبإزاء مقترحات جوزيف على مضيفه بالعمل في مجال التجارة، قال بن حارب في سره كتعبير عن نظرته السلبية لهذا الآخر اللبناني: "ستبيعون البلد كما بعتم بلدكم.. كالجراد.. لا تحلُّون في مكان إلا وجعلتم أخضره يابساً.." (10). وبدلاً من دعوة بن حارب للعمل بالتجارة دعاه جوزيف إلى لقاء عشاء، وتم ذلك بحضور جوزيف وفتاتين لبنانيتين برونزيتين، واحدة اسمها "مادلين"، والثانية "نسرين".

ظل بن حارب يفكِّر بلذة مشتهاة تجاه "مادلين" حتى "استعرت النيران في صدره، وانتابه شعور بغيض تجاه جوزيف، وبقدر ما أحبَّ مادلين، كره جوزيف، ولا يدري من أين جاءت كل هذه المشاعر المزدوجة والمختلطة؛ فهو لم يزل يجهل ما يصبو إليه الرجل، وكذلك لم يتعرَّف بعدُ جيداً على الفتاة التي أحبها بكل جوارحه، وبكل دَقة من دقَّات قلبه" (11). فأخذته مشاعر الكره لجوزيف مقابل عشقه لـ "مادلين"، وظل أبو الريش يحفر في وجدان بطله بن حارب وما يشعر به على نحو مزدوج تجاه "مادلين" الجميلة والشهية، وجوزيف المخادع النَّصاب الذي انكشفت شخصيته أكثر في صبيحة اليوم التالي عندما عرض على بن حارب الفتاتين بقوله: ".. هما أجلَّ ما أقدمهُ لصديقي!" (12).

مضى جوزيف، بينما بقي بن حارب يفكِّر بـ "مادلين" حتى تداهمه الفتاة السريلانكية، عاملة التنظيف بالفندق، التي كانت ترغب بالنوم معه، لكنه يند عن ذلك وسط مشاعر غامضة بين استقبالها على سريره من عدمه. وفي الحقيقة ينظر بن حارب إلى هذه الفتاة بروح إنسانية، وهذا ما أراد أبو الريش استجلاءه في شخصية بن حارب بداية عندما وصف شعوره الداخلي بها قائلاً: "لكن أبا أحمد لا يستطيع أن يستضيف امرأة كهذه على فراش الدعارة وهي التي تفوح منها رائحة جسدها المغسول بعرق التعب وشقاء الوحدة والغربة، لا يفكِّر أبو أحمد في الالتحام بجسد امرأة لا زال حنينها موصولاً بأزقة البلاد البعيدة والمتناسلة من أرحام مجلودة برميم الأرض، ورطوبة الأنسجة الرمادية" (13). ورغم هذه الرؤية الطيبة التي كانت تعتلجُ دواخل بن حارب، إلا أن هذه الفتاة ترتكب خطأ بحقه عندما قالت لـ "مادلين" التي جاءت للفندق تسأل عنه إنه غادر الفندق، فجنَّ جنون بن حارب غضباً عليها، وهو ما أكده جوزيف فيما بعد، لكن هذا الأخير يرتب لقاء آخر بين بن حارب و"مادلين" و"نسرين"، وهو ما تمَّ بالفعل ليحصل العاشق الإماراتي على رقم موبايل "مادلين" الذي دسَّته له خفية عن أنظار جوزيف لينتهي اللقاء وسط مشاعر جياشة راحت تتأصَّل في نفس العاشق المعجب بهذه الشقراء الجميلة، ويعود بن حارب أدراجه إلى غرفته ليعيش عاصفة من الفرح والتأملات في تلك اللحظات الجميلة التي أمضاها في اللقاء الشاعري على أمل أن يتصل مع محبوبته، وهو الاتصال الذي طال انتظاره، وتردَّد في إجرائه، لكنه يتصل بينما هاتف "مادلين" كان مغلقاً ليزداد قلقاً وسط تكهنات ووساوس كثيرة اجتاحته في لحظات الانتظار تلك حتى يأتيه جوزيف ليخبره أن "مادلين" اختفت من شقتها في منطقة "الجميرة"، بل اختفت من دبي نهائياً لتترك رسالة وداع موجَّهة إلى جوزيف. وعندها يزداد حنق بن حارب على جوزيف فيصفه بأقذع الأوصاف: "قال في سره: هذا القواد اللعين، لم أتوخ منه خيراً منذ أول مقابلة.....، وتعود يا نجس لتنقل لي هذه الأنباء المفجعة......، جوزيف بلا قلب" (14)، و"جوزيف نذل ووضيع ومحتال فاشل" (15). لقد كان رحيل واختفاء "مادلين" أمراً مفجعاً لابن حارب حتى صرخ بوجه جوزيف قائلاً: "مادلين ليست الصفقة التي أخسرها؛ بل هي العمر والتاريخ والدماء التي تجري في عروقي.. إنها الزمن الذي ذهب سهواً لتضيع فيه مفاصل الحياة" (16).

 ـ 3 ـ

مع هذه الصرخة، يضعنا تمثيل Representing علي أبو الريش لشخصية بن حارب عند مفترق طرق جديدة في رسم حركية الأحداث وطبائع الشخصية الرئيسة؛ فنحن إزاء تحوُّل وجودي كبير صار بن حارب يكرسه بعد فقدان حبيبته "مادلين" التي صارت منبع المأساة في حياته، خصوصاً وأن وعي بن حارب بات يساوي بين موجودية "مادلين"، وموجودية بن حارب نفسه؛ لذا نراه يقول: "هي العمر والتاريخ والدماء التي تجري في عروقي".

كان هذا التصوُّر الثاوي في ذات بن حارب، يبحث عن معادلات موضوعية في حاضر اللحظة التي كان عليها بن حارب؛ إذ نراه يذهب إلى شاطئ الجميرة حنيناً للمكان الذي كانت تقطن فيه "مادلين"، ومن ثم استذكاراً لها إن لم يكن بحثاً عنها في "العمر والتاريخ والدماء".

لقد استمرت رحلة بن حارب في البحث عن "مادلين" على نحو وجودي عندما هام على وجهه في شوارع وشواطئ "الجميرة"، وهو ما قاده إلى شواطئ التاريخ والعرق والأصل، وشواطئ حضور "الآخر" في بلاده، وتحديداً في شواطئ البحر: "في هذه المراعي البشرية، استعار الرمل السيقان بدل الأغصان/ وراح يمنحها أقصى مدى في الاحتواء، ويكتوي بحرارة الدماء.. أين هذه الأبدان العارية يوم كان البحر بحراً، والموج جبالاً من هدير في غابة السواعد السمراء؟ أين هذه المساحات الضيقة بين صدر وما دون، يوم كان الرمل ينزف بعرق الكادحين المشمرين عن رغبات تخنع لها الصقال القواطع، وأسنان القرش الذي كان سيداً ومولى، لا يشق لها غبار؟" (17).

وسط هذه الجموع السكانية أو "المراعي البشرية"، حسب النَّص، التي تعيش في أبراج عالية وقصور أرضية فارهة بمنطقة "الجميرة"، راح بن حارب يبحث عن "آخر" كمعادل موضوعي لـ "مادلين"، فقفزت أمه كآخر أُسري في ذاكرته، وحضرت في تلك الأجواء النفسية والوجودية الغامضة حتى إنه سأل نفسه: "لماذا قلت أمي؟" (18). وكان بن حارب قد استذكر والدته لأول مرة في الصفحة 123 من الرواية منذ بداية تعلُّقه الغرامي بـ "مادلين". نقرأ: "وحمي وطيس الدم في جسده وغلب عروقه، صار يلهث وكأنه قطع شوطاً طويلاً في الجري وراء فكرة مبهمة داهمة، قفزت "صورة أمه" إلى رأسه، صارت تجول، فكَّر الرجل، كيف تمتزج صورة مادلين بصورة أمه، كيف قفز الوجهان وكأنهما وجه واحد، جسد واحد؟" (19). لكن بن حارب لم يجد الجواب في حينها، إنما وجده فيما بعد، وذلك عندما غابت "مادلين" عن دبي، وصارت تحضر كحلم وقد توارى في كيان العاشق الولهان وسط شعور حاد بالافتقاد اجتاحه وهيمن على كينونته، بل صارت "مادلين" ظاهرة Phenomenon أو معطىً ظاهراتياً بالمعنى الفلسفي، لتستحوذ على وجدان ومشاعر وأحاسيس وعاطفة وكل كيان بن حارب، فكان يحتاج إلى "معادلات موضوعية"، وهي معادلات غالباً ما تستدعي حضور الآخر لكي تفرغ الذات، المسكونة بـ "مادلين" حد الطفح، ذلك الحمل الثقيل عنها وتصرفه باتجاه ما، فوجد بن حارب ذلك باسترجاع "صورة الأم"، والمقاربة بينها و"صورة مادلين".

يتوغَّل علي أبو الريش في وعي بن حارب لغرض تمثيل سرائره الداخلية في ظل حمى المقاربة والمقارنة بين "الأم" التي خطفها الموت يوم كان بن حارب في العاشرة من عمره، و"مادلين" الحبيبة التي أيقظت في روح بن حارب الحنين للوالدة التي لم تكن تشبه مادلين بالشكل إنما بـ "البراءة والنباهة" (20). ولا تفوته المقارنة بين شخصية والده وشخصية جوزيف: "كان أبي أشبه بجوزيف في الصلف والغرور" (21)، ومن ثم: "جوزيف المفتري لا يشبه أحداً إلا نفسه؛ وربما يتقارب قليلاً مع أبي، لكن أبي كان رجلاً فذاً فظاً غليظاً نبيلاً.. وجوزيف لم يكن إلا نفاية قذفتها ريح الأزمنة القذرة والمدن المتواطئة مع الحنث والخيانة والرفث القبيح" (22).

نلاحظ هنا، أن الآخر العربي/ الوافد/ النزيل يستدعي حضور الآخر الأسري في تجربة بن حارب الوجودية التي هي تجربة المتخيَّل الإبداعي لعلي أبو الريش في هذه الرواية.

يذهب بن حارب إلى "قبر أمه"، وهناك تبدأ رحلته في الألم الوجودي حيث البكاء والأنين والحنين إلى حبيبتين مفقودتين؛ "والدة" بن حارب و"مادلين" في مشهد تتطابق فيه صورة الأم مع صورة الحبيبة: "صاح: أمي.. أم مادلين، الوجهان صدر واحد، وثدي واحد، وحلم واحد، وفجيعة واحدة، وفقدان واحد" (23).

يترك بن حارب القبر ليتيه في الصحراء، يقابل بعض البدو الرحَّل، لكنه يعتصم في أحد الكهوف ليخرج منه ويلتقي بدوياً يرافقه لأيام فيسأله بن حارب، وهو الذي أمسى على هيئة رجل شبه مجنون، أين "مكان أمي.. قبرها.. روحها الهائمة في صحرائك.. أتدلُني عليها أم أرحل؟" (24).

يستمر البدوي مرافقاً لابن حارب في الصحراء، يقطعان المسافات معاً، يجلسان في ظلام الصحراء، وفي ظل تلك الأجواء راحت انفعالات بن حارب تتطور نحو الأسوأ حتى إنه صار يتحدث مع بشر غير مرئيين (25)، وراح مخياله الجنوني يستحضر كائنات الأمس أو نماذج من الآخر المختلف في محاولة من أبي الريش لاستحضار الآخر في "لاوعي" بطل روايته، بعد تجربة استحضاره في "وعي" البطل نفسه كما رأينا، فقد استحضر جوزيف من جديد، قال بن حارب: "يا جوزيف، يا جُرذ، يا سافل، يا نسل الأنذال، إن كنتَ رجلاً فاخرج فسوف أقطع أوصالك وأرميها للضواري" (26). كذلك يستحضر الفتاة السريلانكية عندما كان بن حارب قد جلس عند قبر يعتقد أنه قبر أمه: "لن تتمكني يا رقيعة من صرف أمي عني، إنها الآن تقطن هنا في هذا القبر، تبتسم وتناديني باسمي، وتصرخ قائلة: اصرف عني هذه البغيضة إن كنتَ تحبني" (27)، بل يلاحق وجه هذه الفتاة الخادمة مرة أخرى فيقول لها: "اغربي؟؟ أريد وجه أمي لا وجهك القميء.. أريد رائحة أمي لا رائحتك العفنة.. وجه السريلانكية يصبح وجهين وثلاثاً وأربعاً.. تحيط به الوجوه المتناسخة من كل صوب " (28).

يمضي بن حارب أيامه على هذه الحال متنقلاً في جهات عدة داخل دوامة الصحراء حتى "يسكن المدى ويحتوي الحياة الأبدية" (29).

إن تمثيل علي أبو الريش للآخر المختلف، وعبر شخصية مطر بن حارب في روايته "الغرفة 357"، هو تمثيل سلبي، فالآخر العربي المتمثل بشخصية "جوزيف" اللبناني هو "آخر" مخادع ومراوغ وغادر، وقد رأينا كيف صوَّر أبو الريش من خلال بن حارب شخصية هذا الآخر اللبناني. ولا يختلف الأمر مع شخصية المنظَِّفة السريلانكية التي غدرت ببن حارب، وفتحت له أفق مأساته حدَّ الجنون في علاقته مع "مادلين" اللبنانية التي عشقها كآخر مختلف لكنه جميل وشاعري.

ـ 4 ـ

لقد تسبب الآخر المختلف بكارثة وجودية عاشها بن حارب حتى هام في الصحراء بحثاً عن قبر أمه وهو الذي حمل صورة "مادلين" في قلبه إلى أمه لتكريس التطابق الافتراضي بين "مادلين" و"أمه" بغية الخروج من أزمة عشقه لهذه المرأة، وهو العشق الذي قاده إلى الجنون، وبالتالي إلى الموت التراجيدي الحارق.

مع هول هذه المأساة، انتصر علي أبو الريش لـ "الذات الإماراتية المفجوعة" مقابل "الآخر المختلف الفاتك"، عندما فتح هذه الذات، ذات البطل الإماراتي، على تجربة التفاعل الوجودي الخلاق مع الآخر المختلف وإن مارس، هذا الأخير، سياسات الفتك الوجودي عن غير قصد حيث شخصية مطر بن حارب، الرجل الإماراتي التي ظل أربعين عاماً يبحث عن "آخر" يعيده إلى صدر أمه الذي كان يمتح منه الدفء الوجودي والكوني والمجتمعي والذي افتقده منذ كان في العاشرة من عمره.

طوبى لكَ يا مطر بن حارب وأنتَ الذي استلطفت الآخر المختلف بطريقتك التي لك حتى أيقظ فيك الحنين إلى صدر أمك ليفتك بك حدَّ الجنون.

 

 

 

هوامش

(1)               علي أبو الريش: الغرفة 357، دار الكتاب العربي، بيروت، 2009.

(2)                انظر موقع: wikipedia.org www.. مادة "وليم جيمس".

(3)          انظر قراءة الأستاذ شوقي بدر يوسف لكتاب د. محمود الحسيني: "تيار الوعي في الرواية المصرية المعاصرة"، مطبعة الرافعي، طنطا، 1995. مقال منشور في موقع www.arabicstory.net. وراجع أيضاً كتاب روبرت همفري: "تيار الوعي في الرواية الحديثة"، تر: د. محمود الربيعي، دار المعارف، ط 1/ 1973، ط 2/ 1974. وهناك طبعات أخرى مثل طبعة دار غريب، القاهرة، 2000. حول مفهومات تمثيل الوعي بالرواية العالمية وتطبيقاته الإبداعية.

(4)          للمزيد حول توظيفات علي أبو الريش لموضوعة "الوعي" في رواياته، انظر دراستنا عن روايته "زينة الملكة" في كتابنا: "تمثيلات المرأة في الرواية الإماراتية/ قراءة في هوية المتخيَّل الإبداعي". منشورات وزارة الثقافة والشباب والمجتمع المدني، أبوظبي، 2009.

(5)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 10. لا يحدد علي أبو الريش زمنية الأحداث لكن بمجرد يذكر منطقة "الجميرة" في كيانها الجديد فإنه يضعنا في أزمنة السنوات الأولى من ألفيتنا الثالثة.

(6)               علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 9.

(7)               علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 11 ـ 12.

(8)               علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 17.

(9)               علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 92 ـ 92.

(10)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 95.

(11)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 113.

(12)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 112.

(13)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 125.

(14)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 182.

(15)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 186.

(16)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 186 ـ 187.

(17)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 203 ـ 204.

(18)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 208.

(19)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 123.

(20)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 208.

(21)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 208.

(22)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 210.

(23)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 221.

(24)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 242 ـ 243.

(25)          علي أبو الريش: الغرفة 357، 256.

(26)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 252.

(27)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 262.

(28)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 262.

(29)          علي أبو الريش: الغرفة 357، ص 304.

شارك