تمثيلات "الذات" و"الآخر" في المجتمع الإماراتي

05 مايو

المؤلف: د. رسول رسول

لا يوجد مجتمع بشري يغيب عنه الشعور بالآخر Other ولا يوجد مجتمع بشري تغيب عنه فكرة الآخرية Otherness فالذات دائماً تستبطن آخرً يوجد هناك، والآخر نفسه يستبطن ذاتاً مقابلة توجد هناك. وهذا يعني أن الآخر هو "النظير والمختلف في الوقت نفسه" (1).

في ضوء ذلك، نعتقد أن المجتمعات الحية تتواصل مع الآخر من خلال أربعة أنماط تمثيلية، هي:

الأول: تمثيل الذات للآخر في هويته الكونية والعالمية. الثاني: تمثيل الذات للآخر في هويته القومية والدينية. الثالث: تمثيل الذات للنظير في هويته المحلية كهوية آخر. الرابع: تمثيل الذات نفسها لهويتها كهوية آخر.

منذ قديم الزمان، كانت الجغرافيا التي تقع عليها دولة الإمارات العربية المتحدة الراهنة، ملتقىً لشعوب متعددة الأعراق والثقافات؛ فحيثما يوجد البحر، يتوافد القادمون من ورائه إلى اليابسة، وحيثما توجد اليابسة سيوجد هناك من يرحل عنها إلى أخرى تلك الموزعة فيما وراء البحار.

وبهذا القدوم والذهاب المتبادل، صار المجتمع الإماراتي القديم، كما هو الحديث، مجتمعاً مفتوحاً Open society على الشعوب والحضارات والثقافات والعادات والتقاليد، وصارت "الذات" تقاسم "الآخر" مائدة الوجود والحياة والتواصل والانفتاح ما أدى إلى وجود التداخل أو "التنافذ" بين الذات والآخر، وهو التداخل الذي سيظهر في الذات الإماراتية بأنماط متعدِّدة؛ التنافذ لذاته والتنافذ لغيره، التنافذ الإيجابي والتنافذ السلبي، التنافذ الخيِّر والتنافذ الشرّاني، وهكذا..، وسيصبح هذا التداخل/ التنافذ، وبكل أشكاله وقيمه وما ينتج عنه من معطيات، المزية التي تسم الوعي البشري في هذا المجتمع، خصوصاً وأن هذه المزية استمرَّت تتراكم مع الزمن لتنتج خطابها الوجودي والمجتمعي والحضاري والثقافي عبر التاريخ.

ـ1  ـ

نستطيع أن نقول إن الإمارات تقع هناك..، تقبعُ تحت الشمس، وتجلس على خاصرة البحر، على متنه أو أضلاعه، ويأتيها الناس من كل صوب عبر البحر والبر، من الصحراء، من المدن، من التخوم البعيدة أو العواصم النائية، كما القريبة والمجاورة.

في كل هذا الحراك، ثمَّة لقاء بشري يجري مع أُناس من أعراق وبلدان وثقافات وحضارات مختلفة، الكون البشري يحضر بأفراده وثقافاته، والعالم البشري يحضر بأفراده وثقافاته، الآخر الكوني والآخر العالمي يحضران بكل أعراقهما وأشكالهما وثقافاتهما تقلهما عربة محمَّلة بالهويات المتنوعة، عربة هوياتية تقصد الدخول إلى منازل الذات الإماراتية، وإلى دهاليز المخيال Imaginaire في هويته الإماراتية (2)، وإلى أزقة الوعي الإماراتي من خلال التعارف والتفاعل والتواصل البشري "التنافذ" لتولِّد في النهاية تمثيلات إماراتية عن هذا الآخر الكوني والعالمي.

إن تمثيل الآخر المختلف كونياً وعالمياً من جانب الذات الإماراتية، ينطلق من التسليم بوجود هوية الذات المحلية والقومية والدينية، كما أنه ينطلق من التسليم بوجود هوية الآخر المختلف قومياً ودينياً. والأهم من ذلك أن هذا النمط من التمثيل Representation pattern يؤسِّس كيانه أيضاً على ما هو إنساني أو لنقل على الهوية الإنسانية الكونية والعالمية المشتركة من دون التفريط بالاختلافات الجوهرية بين البشر، تلك الاختلافات التي تُعد حقيقة لا يمكن إنكارها أو التملُّص منها، ما يعني، في النهاية، أن تمثيل الذات الإماراتية للآخر الكوني والعالمي هو تمثيل مقرون بفكرة الآخرية دائماً.

 

ـ2  ـ

إلى جانب ذلك، تكرِّس الذات الإماراتية نمط التمثيل القومي والديني؛ فالإماراتيون كعرب وكمسلمين، يعيشون جغرافياً بين العُمانيين والسعوديين والقطريين والبحرينيين واليمنيين والكويتيين، وليس بعيداً عن العراقيين والسوريين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين، ولا عن المصريين والسودانيين والليبيين والتونسيين والمغاربة والجزائريين.

إن شرائح من هذه الشعوب العربية قدِمت إلى الإمارات وما زالت للعمل أو المرور المؤقَّت، وحملت معها هوياتها الحضارية والثقافية والقومية والدينية والرمزية، فكان "التنافذ" من خلال التعارف والتفاعل والتواصل البشري الذي أكَّد حضور هويَّات هذا الآخر العربي في الذات الإماراتية، وترانا نقول هويَّات لأن العرب هويَة واحدة، لكنهم، وعلى اختلافهم الثقافي والحضاري القطري، يمثلون هويَّات جزئية تؤسس لهويتهم القومية والدينية والحضارية الواحدة. وكل فرد من هذه الشعوب العربية، سيمثل آخرً بالنسبة للفرد الإماراتي، ما يعني أن للآخرية Otherness في هذه العلاقة حضورها المؤكَّد؛ فلا شك أن ألفة Intimacy الآخر المؤتلف قومياً ودينياً مع الذات الإماراتية الأصل Pure تؤسِّس هويتها على فروقات حضارية وثقافية وشخصية ومزاجية دقيقة تعمِّق الشعور والإحساس بالآخرية لدى كل طرف من طرفي ثنائي الذات والآخر.

ـ3  ـ

توجد في الإمارات توزيعات طبيعية وبيئية ومناخية مختلفة؛ الساحل، البادية، الصحراء، المناطق الغربية، المناطق الشمالية، وما بينهما من تخوم. كذلك يحفل المجتمع الإماراتي بتنويعات ديمغرافية؛ سكان البادية، سكان الصحراء، سكان المدن، وبالتالي سكان المناطق الغربية وسكان المناطق الشمالية، سكان الساحل وغير ذلك، وهي بالتأكيد تنويعات ذات طابع مجتمعي وثقافي وحضاري ومزاجي تختلف من مكان إلى آخر، ومن نمط عيش إلى آخر، ومن ثقافة محلية إلى أخرى، ومن عادات إلى أخرى. كما أن هذه التنويعات نفسها تفرض شروطها على الحراك الاجتماعي بداية، وعلى حراك الوعي الإماراتي تالياً، ومن ثمَّ تجعل هذا الوعي نفسه يتحرَّك بقدر ما يستقر بين مناطق الإمارات المتعدِّدة، ويتعرَّف إلى طبائع الناس المتباينة في كل منطقة، ليبني انطباعاته وتصوراته وأفكاره ورؤاه عن الآخرين الذين يرتحل إليهم أو يرتحلون إليه ضمن محلية المجتمع الإماراتي وخصوصياتها الهوياتية التي تفترض وجود آخرية في صميم بنيانها الذي لها.

ـ4  ـ

أخيراً، هناك تمثيل الذات الإماراتية الفردية والشخصية لنفسها كآخر بالنسبة إلى ذوات الآخرين؛ فمثلما ينظر الإماراتي إلى غيره من البشر كآخرين، نراه يحمل الشعور نفسه بأنه آخر في منظور ذوات الآخرين النظراء الذين يعيشون معه في إطار دولة واحدة ذات هوية مركَّبة.

على أن هناك ما هو أكثر ذاتية في هذا النمط من التمثيل، وذلك عندما ينظر الإماراتي إلى ذاته فيتمثَّلها بوصفها آخر، فعندما يسأل الإماراتي نفسه: من أنا؟ سيكون هناك فصل بين ذاته وذاته، وتلك بالطبع تجربة ذاتية محضة تتداخل مع بقية أنماط التمثيل الأخرى.

ـ5  ـ

هذه هي أنماط تمثيل الذات الإماراتية للآخر بكل هوياته وأشكال وجوده وحضوره وخطابه أينما يكون على الصعيدين الفردي والمجتمعي، وهي أنماط عامة قد ينطبق بعضها على المجتمعات الأخرى في الشرق والغرب مع فارق الخصوصيات الهوياتية بين مجتمع وآخر.

إن هذه الأنماط متوفرة لدى الإنسان العادي، ومعمول بها في حياته اليومية؛ فتمثيل الآخر من جانب الذات الإماراتية يبدأ من إدراك وجود الآخر المباشر، المرئي والمنظور، ومن ثم إدراك هويته الشخصية لتكوين تصورات ذهنية عنه بواسطة ملكة الفهم Understanding أو "الفاهمة" لدى البشر، وبالتالي ترك العنان للمخيال البشري العام لدى الذات الإماراتية أن يلعب دوره في تشكيل صور هذا الآخر.

إن صور الآخر المتشكِّلة في فضاء الذات هي تلك الصور التي تنتجها الحياة اليومية في كل لحظة حيثما يكون الآخر موجوداً، وبما أنها ذات طابع يومي ومعتاد، فإن بعضها يُحرق للاستهلاك اليومي ويذهب رماده إلى أدراج الذاكرة حتى يبهُت أثره، وبعضها يبقى عالقاً في ذاكرة المخيال البشري العام، وقليل منها يدخل أروقة الفهم لتُبنى عليه بعض المواقف من الآخر (3).

في دراسات هذا الكتاب، لن نهتم بأنماط التمثيل الاستهلاكي اليومي الذي تحرقه العلاقة الفاترة بين الذات والآخر، أو العلاقة غير المفكَّر فيها بين الطرفين، أو العلاقة العابرة بينهما تلك التي لا تعشق السكنى في دار الطرفين، ولا تود المكوث في وعيهما ولا حتى في لا وعيهما.

 سنعمل هنا على الاستعانة بهذه الأنماط التمثيلية، ولكن في فضاء آخر، ذلك هو فضاء التمثيل الإبداعي الخلاق في الكتابة السردية الإماراتية صاحبة القول التمثيلي المُبتكر الذي يلعب التخيُّل الإبداعي فيه دوراً استراتيجياً، وذلك من خلال النظر في عدد من النُّصوص الروائية الإماراتية ذات الشأن في هذا المجال.

يعود تاريخ ظهور الكتابة الروائية الإماراتية إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهي كتابة ما زالت مستمرة حتى الآن، بل إنها صارت تنمو في السنوات العشر الماضية على نحو لافت. أما تمثيل الآخر روائياً، فإن الخطاب الروائي الإماراتي يتمتع ببعض الحظوة؛ فقد كان أول عمل روائي "شاهندة" لراشد عبد الله/ 1971" قد تناول "فكرة الآخر"، ومن ثم صارت هذه الفكرة تتجدَّد بتجدُّد تناولها من جانب الروائيين الإماراتيين، وهو ما سنتناوله في دراسات هذه الكتاب. لكننا لن نتناول كل المتون الروائية التي ظهرت حتى الآن، إنما سنركِّز على تلك المتون التي تشتغل في تمثيل الآخر على نحو لافت ومقصود وبارز في أحيان غالبة.

شارك