ثيمة البحر في الشعر الإماراتي المعاصر

30 إبريل

المؤلف: سامح كعوش

حين ننتقل إلى مشهد الشعر الإماراتي، ونبحث في ثيمة البحر في هذا الشعر، ومدى حضورها وتأثيرها في الحقل الدلالي للقصيدة الإماراتية المعاصرة، فإننا نجد اتفاقاً غريباً على ما للبحر من قيمة إيجابية تنتفي أمامها كلّ قيمة سلبية عرفها العرب عن البحر قبلاً، حتى لكأنّ الشاعر الإماراتي يتمثل روح أجداده الذين لاعبوا البحر وداعبوا أمواجه، حتى انثنوا بها وانحنوا لها، فصاروها وصولاً إلى ما وهبته إياهم الأعماق من جواهر اللؤلؤ ونفيس مخبوء المحار، أو كأنّ الشاعر الإماراتي قرأ المكان بحب فكتبه في قصيدته بحبرٍ استخرجه من ماء البحر أو دم مخلوقاته الزرقاء.

ففي القصيدة الإماراتية المعاصرة ملامح بحرية بامتياز، إذ يحضر البحر في كل مفرداتها، ويبدو دالاً على رمزياتٍ عالية في النص الشعري، تشير إلى المكان الإماراتي الذي يحيطه البحر من الجهات الثلاث، بينما تغلق دربه إلى الآخرين صحراء شاسعة وربعٌ خالٍ.

فها هو الشاعر عارف الخاجة إذا يشير إلى تجربة الشعوب في الطاعة والعصيان، وعادة الإنسان في الحلم والحب وما يبذله الوجدان، يستخدم الموجة حاملاً للدلالة البعيدة، كأنها تأتيه صاغرةً مطواعةً تفعل له فعل مثيلاتها لأجداده الباحثين عن اللؤلؤ في أعماق الخليج، وإن فعلت هنا فعلَ السحر، وحضرت في القصيدة كلوحة، كما في وصفه "الموجة بضفيرة/ أنسنتها، انحناء الموج كما انحناء العمر/ مشهديتها، الموج شعبٌ والشعبُ موجٌ يطيع زمانه أو سيّده/ المشهدية، الموج كما إنسانٌ متعبٌ مدّت صروف الدرب للمولى يدَه"، يقول:

"رحلت ضفيرة موجةٍ

فوق انحناء العمر

هذا الموج شعبٌ منحنٍ

من وابل الإعصار

أو موجٌ يطيعُ زمانَهُ أو سيّده

أو متعبٌ

مدّت صروف الدرب للمولى يدَه".

بينما يأتي الشاعر كريم معتوق ليمثّل للبحر برمله، كما لو أنه يرسم الخط البيني كما بين يابسة وماء، وصحراء وخليج، حيث الرمل هو المكان، وهو العلاقة بالوجود في تحولاته، وبالوجد في تجلياته، فهو ملعب الطفولة ومساحة المدّ والجزر لا في الطبيعة فحسب، بل وفي ذاكرة الإنسان ومحاولات يقينه ضد العدم الشاسع في المكان الإماراتي، كما لو أنّ الشاعر يشير إلى ذاكرة رملية لم تنتم للبحر ولكن وقفت على شاطئه، وبقي البحر وفياً للرحالة والبحارة والصيادين والغواصين، أما الرمل فدلالة الكون الماضي ضد الآن، دلالة النسيان هو، ومفردته الوحيدة "كان": كانَ رملُ البحرِ للبحرِ وللناسِ/ كَمْ كَانَ لنا مَعْنَى/ وكَمْ كَانَ البَشَرْ غَير ما تألفُهُ الآن، يقول في نصّه "اللوحة الرابعة":

"حينَ كُنَّا في الصِّغرْ

كانَ رملُ البحرِ للبحرِ وللناسِ

إذا جاءَ السَّمرْ

كَمْ ألفنا الجزرَ والمدَّ وها نَحْن نسينا

فيهما كلَّ المواقيتِ نسينا

بِهما عُمراً عَبَرْ

كَمْ لعبنا فَوْقه "الصبَّة"

كَمْ كَانَ لنا مَعْنَى

وكَمْ كَانَ البَشَرْ

غَير ما تألفُهُ الآن اخْتَلَفْنَا

عاثَ في أيامِنا طَعمُ الكَدَرْ".

يشير كريم معتوق إلى دلالات البحر في طفولةٍ إماراتية بامتياز، تعيش اللهو على الشاطئ وبناء قصور الرمل، فالرمل كان منذ البدء صدقاً أليفاً، "كانَ رملُ البحرِ - - > يا رملاً بَنيناهُ بيوتاً وعشقْناهُ صغارا- - > قبل أن يَهْدمه الموجُ هجوماً وانحسارا، حتى يتحول الرمل ذهباً في ذاكرة الشاعر:  - - > ذَهبٌ يَمْتَدُّ للشمسِ - - > غروبٌ أسلمَ الدفةَ لليلِ اقتدارا، أو في الصورة الأجمل "نهارٌ يلفظُ الأنفاسَ في البحرِ"، وهو يستعيد حضور البحر في مشهد الغروب، في سحرية رومانسية وحلم شاعر، يقول:

"كَمْ شهِدنا غَرَقَ الشمسِ جَلَسْنا

فوقَ ذاكَ الذهبِ الواهبِ

للشمسِ انكسارا

بنهارٍ يُحتضرْ

أيَّما طفلينِ كُنَّا

حينَ كُنَّا ..

حينَ كُنَّا في الصِّغرْ".

وها هو الشاعر شهاب الغانم في "الأمواج" يستدلّ بالموجة على فعل الحياة نفسها، ويقرأ في كتاب البحر كتلميذ نجيب، فالموجة التي أمامه تقول له عن الحياة وحكمتها، وتسرد له حكايات السابقين، ومنها يتعلّم ما يتسلّح به من تفاؤل وإيمان، في الفرح مهما قسا الدهر، ونسيان الغم، والابتسام، يقول:

"إنها الموجة تلهو

إنها الموجة تلعب

يا حبيبي هكذا الدنيا صروف تتقلب

إن قسا الدّهر علينا لا تبالِ

لا تقابله حزيناً

إبتسم وانس اغتمامك

إبتسم لي

آه ما أحلى ابتسامك".

وفي القصيدة نفسها، يشير إلى جدليات الحياة كما لو كانت جدليات للخليج، للبحر، والماء، فالموجة - - > تلهو - - > تلعب - - > تأتي - - > تذهب، وهي المسند إليه في أفعال الحركة والحياة، فهي "تلهو، تلعب، تأتي، تذهب" وهي المؤنث الجميل والساحر الحضور في الوعي العربي الجمعي، وكأنها في حركتها تتماهى مع لعبة الأيام والدهر، حين يقسو حيناً، ثم يأسو حيناً آخر، وكأن البحر الوجه المائي للحياة اليباس، ولكنه يحمل القيم ذاتها، في التجهّم والإبعاد، بعد الإسعاد، بما يؤكد أنّ الشعراء الإماراتيين عايشوا البحر كتاباً مفتوحاً للذاكرة والحياة، بتفاصيل الماضي وجمالياته، ويوميات الحاضر ودلالاته، يقول الغانم:

"إنها الموجة تلهو

إنها الموجة تلعب

سوف تأتي ثم تذهب

ثم تأتي ثم تذهب

فإذا الأيام تقسو

ربما في الغد تأسو

وإذا الدهر تبسّم

لا يغرّنك

غداً قد يتجهّم".

وتشترك الشاعرة أمينة عبد العزيز في ذلك، إذ تشير إلى ذاك التوحّد الموضوعي والقيمي بين البحر وعناصر المكان الأخرى في النص الشعري في الإمارات، ولكنها تتوسع في تفصيل العلاقة بينه وبين هذا الإنسان الذي يعيش في هذا المكان، فإنسان الإمارات عاش البحر وعايشه بتفاصيل يومه حتى بات البحر (الخليج) جزءاً لا يتجزأ من أشياء وجوده، والشاعرة في نصها الشعري تستحضره ككيان وإنسان، وتشير إليه كرمز أولي في نمط الحياة التي يعرفها إنسان المكان، حياة الترحال عبر البحر لا الصحراء فقط، حتى إنه سمّى الدابة الأقرب إليه في يومياته، أي "الجمل" بتسمية البحر فكانت "سفينة صحرائه"، وكانت الرفيق والشريك في السفر وحمل أعباء العيش وطلبه، ويكون البحر رمزاً دالاً على حالات الطواف والحزن والريح والبحّار الذي طواه الموج والشراع، "سنطوف معاً كلّ شوارع المدينة - - > رائحة الحزن - - > الريح المسافر بعيداً في الصمت - - > وجه بحاري الذي طواه الموج - - > شراع النوخذا - - > البحر ينادي، تقول الشاعرة:

"سنطوف معاً كلّ شوارع المدينة

فدعي عيونك تحدّثني عن رائحة الحزن

عن الريح المسافر بعيداً في الصمت

عن وجه بحاري الذي طواه الموج

وشراع النوخذا

البحر ينادي".

وتكمل الشاعرة توصيفها للبحر وأشياءه، فهذا البحر هادم للمسرّات، وقاتلٌ لأمنيات الصيادين بكنزٍ مرصودٍ في أعماقه، فهو في القصيدة يهدم كل الجدران ويأتي، ويأتي، ثم تكون صورةُ شيخٍ يترنّم بمواويل غريبة - - > يحكي عن غواصٍ سرقوا دانته"، إنه البحر بكامل حضوره في النص الشعري الإماراتي، تقول الشاعرة أمينة عبد العزيز في نصها المنشور العام 1982 ضمن كتاب لمجموعة من الشعراء الإماراتيين، صادرٍ عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات:

"هذا البحر سيهدم كلّ الجدران

ويأتي

ويأتي ...

شيخ يترنّم بمواويل غريبة

يحكي عن غواص

سرقوا دانته

فامتشق خطامه وهاجر خلف الشمس".

ويقف الشاعر خالد الظنحاني على مسافة من البحر فهو لا يغوص في رمزيته بل يستجيب لإلحاح المكان الشرقي من الإمارات للحضور كمحيط لا كخليج، عبر مفردةٍ مائية تتكرر في نصه الشعري، هي مفردة النوارس المرتبطة بمشهد الميناء البحري، كما في "تسافر مع نوارسها المواني"، يقول:

أزف العام في عامي كتابه          وعندي للأمل أجمل معاني

سنين العمر تستورف رحابه     تسافر مع نوارسها المواني

وهو الشاعر الذي يمزج بين المرئي القريب والمتخيّل البعيد في ذاكرة الصيادين والبحارة، عبر حشده مفردتين مقابلتين، الأولى لليابس متمثلةً في "السنابل"، والثانية للمائي متمثلةً في "النوارس"، في مقام آخر يقول:

رتّـليني في صباح الشوق عيد           واحثي الذكرى بوجه معـــدّها

السنابل تهزم الريــــــح العنيد            والنوارس صيــــدها من كدّها

ولا بدّ من الإشارة إلى مقام البحر الذي استوطن الكثير في مساحة النص الشعري ولوازمه، فها هو الشاعر خالد البدور يصدر مجموعته بعنوان "كلّه أزرق"، وها هو الشاعر طلال سالم الصابري يصدر مجموعة شعرية بعنوان "برزخ الريح" تزين غلافها صورة زورق شراعي مبحر في الخليج، تحفل بمشاهد البحر ومفرداته، "المجذاف/ البحر/ البحر/ المراكب/ الغرق/ المدّ/ الشواطئ/ الميناء/ الشفق، فالشاعر يأتي حبيبته بالبحر كله، "فها أتيتكِ مجذافي يسائلني - - > عن مضغة البحر حيث البرد يحترقُ - - > وها أنا في غضوني ألفُ أغنيةٍ - - > مات المغنّي وهذا البحر يفترقُ - - > طفولة الليل شاخت في مراكبنا - - > تكسّرت في المرايا هدّها الغرقُ - - > هنا ارتجفت على عينيك أدعيتي - - > تنفست والغريب المدّ والأرق - - > هل للشواطئ من أعصابنا ولهٌ (لتحتوي النّزف في يأسي فترتفق) - - > وهل لصوتي على الميناء أمنيةٌ - - > على صفير انتظارٍ خانه الشفق"، وهو القائل في حبّ الإمارات وصفاً لبحرها وشغفاً بشطآنها:

"وقبّل بحرها حيث استفاقت

على الشرفات تورق من صفاها

هي العشق الموطّن في عروقي

هي الوطن انتفضت على هواها

على شطآنها سرّحت حرفي

غيوماً أمطرت معنى عطاها".

كما أنّ الصابري في الحب يستحضر البحر جلياً كأنه يتأمل في صفحته لا في وجه محبوبته، "وجهها إعصار/ شراع/ أنت المواني/ لك البحر والإبحار يغدرنا - - > لنستفيق ضفافاً"  ومن قصائده في ديوان "برزخ الريح" قصيدة يقول فيها:

"وحدي ووجهك إعصاري وأحتدمُ

فلا تكن في ظنوني حين أنهزمُ

هيا شراعي تعالى في تمازجنا

فأنتَ أنت المواني خانها النغمُ

هيا لك البحرُ والإبحارُ يغدرنا

لنستفيقَ ضفافاً هزّها الألمُ

آهٍ شراعي تعالى الموجُ كنْ جلداً

وكن وعوداً إلى الأحلامِ تبتسمُ".

ويبقى لنجاة الظاهري ختام المسك في مبحث البحر وثيمته في الشعر الإماراتي، وهي التي خصته بقصائد مطولة في مجموعتها الشعرية بعنوان "الحلم البحر"، كأنها تناجيه حبيباً وشريك روح وارتياح، بل وآخر/ إنسان تناجيه بفنية عالية لا تضاهيها مناجاة شاعرة لحبيب، كأن تحشد مفردات مُسندةٍ إلى فاعل هو الشاعرة/ الحبيبة، كأنها في مشهد لقاء رومانسي: "أغوص به/ أرشف ماءه/ أهيّجه/ أعانق راحتيه/ أهدّئ موجه/ أغمس فيه روحي" وتقابلها بمفردات مسندةٍ إلى فاعل هو البحر نفسه: "يُدني/ يغمسُ فيّ روحاً/ يحتويها (روحي)/ يرتشفني"، تقول في قصيدتها "الحلم البحر":

"هو البحر البعيد وليس فيه

طريق آمن إن لم تعنّي

فما يوماً شددتً له رحالي

وما يوماً عليه مددتُ سفني

أغوص به ولكن من بعيدٍ

وأرشف ماءه من بعض مزني

أهيّجه، أعانق راحتيه

أهدّئ موجه، أدنو فيُدني

فأغمس فيه روحي يحتويها

ويغمس فيّ روحاً، يرتشفني".

كما أنها تعيش حالات البحر وانفعالاته في مشهدية تلوّنها بمشاعر أنثى حالمة وشاعرة مقتدرة، كأنها تنظر بعين إنسان المكان الإماراتي، فترى ما ترى، وتحفره في ذاكرة النص كزمنٍ مفتوحٍ لا هو ماضٍ ولا حاضر، ولا مستقبل، إذ تتحول المفردات بين يدي الشاعر توصيفاً دقيقاً لأنا البحر/ البحر الإنسان، كما في قصيدة بعنوان "اللوحة 3"، تنكتب المفردات البحرية "في الشاطئ/ أصدافٌ/ وعلى أطراف البحر بقاياها/ والرمل تلألأ/ في الشاطئ يتوارى ماها/ فوق الشاطئ/ وظلال مراكب قد رحلت/ ولها أشرعةٌ هادئةٌ".

أما في قصيدتها الأقرب إلى ذات البحر كأنها تقوله، والمعنونة "يا بحر هج"، فهي تحث البحر على الفعل كما لو أنه الفاعل الأخير، وهي القائلة الأخيرة فيه،فهي تسند أفعال الإنسان للبحر في لقطة متفردةٍ لم يسبقها إليه إلا قلةٌ من شعراء العرب المعاصرين، كأن تطالبه بأن يهوج، ويثور، ويرجّ الحياة بصرخة، وأن يبث الجنون، أن يُري ماردها ما يشتهيه، بل هي تؤنسن آلام البحر وآماله ومواقفه، وتجسّده كائناً قريباً، تطالبه بفعلٍ لا تستطيعه هي، أو تنتظر من يشاركها فعله، "يا بحر هج - - > ثرْ - - > انتشلني - - > رجّ الحياة - - >  بثّ الجنون - - > أثر فوضاي بي - - > يا بحر هج - - > يا بحر ثُر أرِ ماردي ما يشتهي - - > إره رعوداً، عاصفاً، أمواجا"، تقول في القصيدة:

"يا بحر هج، ما صمت روحك معجب

ما كان ضرّك لو فؤادك هاجا

ثر وانتشلني من سكون عوالمي

رجّ الحياة بصرخةٍ إرجاجا

بثّ الجنون وقد عراني بعضه

حولي أثر فوضاي بي إزعاجا

يا بحر ما لك راكدٌ، أمخدّرٌ؟

أم قد غدوتَ من الصقيع زجاجا

يا بحر هج هذا السكون محطّمٌ

ما كان ضرّ البحر لو هوَ هاجا

فالبحر مجبولٌ على ألا يُرى

إلا يصارع في السما أبراجا

يا بحر ثُر أرِ ماردي ما يشتهي

إره رعوداً، عاصفاً، أمواجا

هل من صفاتك أن تكون مسالماً؟

البحر ليس البحرَ إن ما هاجا".

شارك