أحمد بو رحيمة: أستاذ الخلق الرفيع، الداعم للمشهد المسرحي.

13 إبريل

المؤلف: أحمد الماجد

لم يعد خافياً على أحد، إماراتياً كان أو خليجياً أو عربياً، تلك الشخصية المسرحية الإدارية المبهرة، للكاتب المسرحي، ومدير عام قسم المسرح بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، وعضو اللجنة العليا المنظمة لمهرجان الإمارات لمسرح الطفل، ومدير مهرجان أيام الشارقة المسرحية، ورئيس تحرير مجلة المسرح التي تصدرها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، الأستاذ أحمد بو رحيمة، كون هذا الاسم ارتبط بمعظم الإنجازات المسرحية التي شهدتها الساحة المسرحية المحلية في كل إمارات الثقافة والفكر والعطاء وعلى وجه الخصوص إمارة الشارقة. بل إن هذه الشخصية الكريمة بعشقها الكبير لأبي الفنون، والمنضوين تحت لوائه، وبشغفها بمواكبة كل جديد على الساحة المسرحية، وكل ما من شأنه تطوير المسرح وتنميته وازدهاره، باتت علامة واضحة في المشهد المسرحي الإماراتي.

إن التواجد الفعال والدائم والمؤثر "لأحمد بو رحيمة" في معظم الأحداث المسرحية المحلية والعربية، بصفته الشخصية ككاتب مسرحي أو بصفته الوظيفية كمدير لقسم المسرح في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، بات حلقة الوصل بين كل إبداع أو ألق تحقق، بخلقه الإنسانيّ والمسرحيّ النبيل، وصدقه، وإخلاصه، وتفانيه في عمله من أجل رفعة المسرح حيثما وجد.

لم يقف هذا الرجل يوماً في وجه مَنْ أراد الذهاب بالطموح المسرحي بعيداً، لم يمارس يوماً دور العصا التي تعطّل العجلة، بل كان على الدوام المساند، والمساعد، والداعم والصاحب، وبكل ما أوتي من أدوات معنوية، وبما تسمح له إمكانياته وصلاحياته الإدارية، بل كان الساعي دوماً لنشر رايات المسرح الإماراتي في كل بقاع المعمورة.

 

"بو رحيمة" ينتقده محبّوه والمقربون منه، لطيبته المفرطة مع من عرف ومن لا يعرف، غير أنه كان دائم الانحياز لإنسانيته الكبيرة التي لعبت دوراً مهماً ومؤثِّراً في تكوين شخصيته الاجتماعية المحبوبة أولاً، وكذلك في تكوين شخصيته المسرحية الإبداعية،  الأمر الذي منح هذا الرجل درجة عالية من المصداقية لدى الآخرين بغض النظر عن المسميات أو الجغرافيا التي قدموا منها.

"أحمد بو رحيمة" أحلامه وآماله كانت ولا تزال عظيمة، عشقه للوطن وللمقدسات لا يضاهيه إلا هوسه الشديد بالمسرح، عاشق للحياة، يقف موقف المدافع عن حقوق العاملين معه ومن يلجأ إليه، غير آبه أو منتبه أو مفكر بحقوقه هو، شأنه شأن كل مبدع آثر الإبداع ومريديه وطلابه والساعين فيه ومنه وإليه على نفسه،  ولأن البداية جاءت "مدرسية" فقد حافظ أحمد بو رحيمة على خلقه التربوي الراقي في التعامل مع من حوله منذ البدايات. صلته بالمسرح بدأت في مجال التمثيل في منطقة المسرح المدرسي تحديداً، ثم تبلورت تلك الموهبة ليقدم مسرحية "البوم" كأول عمل مسرحي يواجه به الجمهور ممثلاً في العام 1982 مع فريق مسرح الشارقة الوطني بقيادة المخضرم الإماراتي عبد الله المناعي. ثم قدم "الطريق إلى القدس"، وبعدها مع المخرج يحي الحاج، قدّم "صحوة المشلول"، ثم شارك في مسرحية "بائع الدبس الفقير"، وكذلك مسرحية "كوت بو مفتاح" و"مأساة الحلاج" وطاف بتلك المسرحيات دولاً عربية عدة منها السعودية والكويت والعراق.

ويعترف "بو رحيمة" على الدوام بجميل من سبقه ومن علّمه،  خاصة معلميه الكبيرين عبد الله المناعي ويحيى الحاج، اللذين يكنّ لهما كل التقدير وكل الحب والاحترام، ويعترف بجميلهما عليه في تحبيب المسرح إلى قلبه، وتدريبه على الوقوف على الخشبة، وتعريف المسرحيين به في محطات وسنوات ودروب لم تكن مفروشة بالورود أبداً.

ثم تدرج في الوظائف متنقلاً بين منطقة وأخرى، حتى حط رحاله في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، فاسحاً المجال لقلمه أن يخطّ نصوصاً مسرحية متميزة، أولها نص مسرحية "آه قلبي" الذي أخرجه الفنان محمد العامري في العام 2005 لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، وحاز من خلاله على جائزة أفضل عمل مسرحي، وفي العام ذاته كتب بو رحيمة مسرحية "بالأمس كانوا هنا"، وهي نص لعرض دمج المسرح بالفلكلور، وقدمته فرقة مسرح الشارقة الوطني في أرمينيا،  أما تجربته الثالثة في الكتابة المسرحية فكانت نص مسرحية "دهن عود" وأخرجه أيضا الفنان محمد العامري لدورة 2007 من أيام الشارقة أيضاً، وحاز من خلاله بو رحيمة على جائزة أفضل تأليف ناهيك عن جائزة أفضل عرض مسرحي. تلك النصوص الإبداعية التي كتبها أحمد بو رحيمة على قلّتها، إلا أنها دارت ضمن رحى التطور الكتابي، والتنوع الجميل الذي أدرج في سجلات المسرح الإماراتي.

إن المتابع والملاحظ لخط سير مهرجان أيام الشارقة المسرحية، يرى بوضوح حجم التطور ومسافة التقدم وثمرات الازدهار التي حظي بها هذا المهرجان، بعد أن وقف أحمد بو رحيمة على سدّة المهرجان مديراً في العام 2007، فمستوى العروض المشاركة في المهرجان، والتنظيم الجيد، والتنوع في الندوات والملتقيات، والتجديد في الأسماء المسرحية المستضافة، بالإضافة إلى التعاون المثري والفاعل مع معظم الهيئات والمؤسسات والجمعيات التي تُعنى بالثقافة والمسرح، كل ذلك منح المهرجان بعداً إبداعيا أعمق وأشمل وأكثر التصاقاً بالمسرحيين وبالجتمع. وهذا لا يعني وبأي حال من الأحوال تكاسلَ مَنْ كان قبل بو رحيمة أو قلَّةَ خبراتهم، غير أنه يعني بالضرورة حجم المهمات الجسام التي ستواجه من يأتي بعده، حينما وضع هذا الرجل، خلاصة خبراته ووقته وجهده، من أجل شكل جديد أطّر هذا المهرجان المسرحي الأهم، عاملاً ومستنيراً بالتوجيهات السامية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات، حاكم الشارقة، حينما اعتبر سموه المسرح أداة من أدوات بناء المجتمع، فعمل "بو رحيمة" وعبر رئاسته لقسم المسرح بدائرة الثقافة والاعلام بالشارقة، على تنفيذ رؤى سموه التي هي نبراس سار وفق نهجه كل قائم على ازدهار وكل طامح بمسرح إماراتي لا يتوقف فيه نبض الإبداع ما دامت الحياة.

لقد أطلقت دائرة والثقافة والاعلام بالشارقة في العام 2012 المهرجان الأول للمسرحيات القصيرة من مدينة كلباء بالشارقة، هذا المهرجان الذي عدّه المتابعون للحراك المسرحي الإماراتي، ورشة مسرحية متكاملة سدت النقص الحاصل في الاشتغال على النصوص المسرحية العالمية القصيرة باللغة العربية الفصحى، كما وجدت المواهب ضالّتها في هذه المهرجان، خاصة تلك التي تعثرت خطواتها ممن لم يجدوا الفرصة للدخول إلى عالم المحترفين، فوفّر هذا المهرجان منصة للتنافس القصير المدى، البعيد النظرة إلى مستقبل واعد للمسرح الإماراتي يحافظ على كل انجاز تحقق. إن "أحمد بو رحيمة" القائم على تنظيم هذا المهرجان إدارياً، رأيناه هناك كل ليلة، يستقبل الضيوف ويكرمهم، ويشد على أيدي اللجان ويدعمهم، ويبارك خطوات الشباب المسرحي ويصفق لهم، متواجد في كل ندوة وفي كل نقاش. هذا الأمر كان بالإمكان أن يقوم به أي موظف آخر في دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة، لا مدير المهرجان، غير أن هذا الرجل بعشقه الشديد للمسرح، والتصاقه بالخشبة، ورغبته في أن يقف على كل شاردة وواردة بغية تجاوز أي عقبة أو خلل قد يحدث فجأة، والاستفادة من أي نقاش، أو ملاحظة، أو مداخلة قد تطور المهرجان، جعلت منه متواجداً وحاضراً بقصد التطوير الذي ينشده كل ناشد، ويسعى إليه ويريده كل مريد.

ولو نظرنا إلى مهرجان الشارقة للمسرح المدرسي، وبحكم أن أصول "بو رحيمة" المسرحية نشأت في مجال الأنشطة المدرسية، نرى أن هذا المهرجان شق طريقه وسط الزحام، ووسط العديد من المهرجانات المسرحية المدرسية التي تقام داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، وهذا الألق، جاء نتيجة الخبرة المسرحية المتراكمة في تنظيم المهرجانات، وأخص بالذكر هنا "بو رحيمة" الذي يمارس أحلامه، قبل أن يكون مديراً.

فإذا كانت أيام الشارقة المسرحية، ومهرجان المسرح المدرسي، ومهرجان المسرحيات القصيرة، والورش، والملتقيات، والمطبوعات، والندوات التي تنبثق جميعها من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، حضروا وبقوة في المشهد المسرحي الإماراتي والعربي، فإن أحمد بو رحيمة بشخصيته المسرحية الإبداعية، المتواضعة والفريدة، حضر وبقوة في نفوس كل من التقوا به، أو تعاملوا معه حتى ولو لمرة واحدة.  

هو أستاذ الخلق الرفيع، الساعي دوماً في خير ورفعة المسرح.

شارك