ورقة السرير: الكتاب حين يختارنا

02 إبريل

المؤلف: صفية الشحي

أؤمن أن هناك كتباً تختارنا، ويحدث أن يتعلق بنا كاتبها، هل قلت يتعلق بنا؟ إنها فكرة مجنونة تلك التي أطرحها هنا، فكيف لكتاب أن يختار قارئه؟ وكاتب يصرّ على طرق أبواب روح هذا القارئ دون غيره، خاصة إذا كان -أي الكاتب- مفارقاً للحياة؟ هذا ما أعتقده شخصيًّا عندما أذكر كاتباً من طراز أحمد راشد ثاني، هذا الغريب المجنون، الكاره المحب، والحرّ، والذي يبدو لمن يقرأ كتابه "ورقة سرير" الصادر عن المركز الثقافي العربي عام ٢٠١٠، أي قبل أن يفارق عالمنا بسنتين، أكثر قرباً للصورة التي ذكرها الشاعر كافافي في المقطع التالي: "وكما ضيعت حياتك، في هذه الزاوية الصغيرة، فهي خراب أنى ذهبت". لكنه في واقع الأمر كاتب يعيش أزمته الخاصة بتطرف فوضوي، ويمارس هذا التطرف على شكل مناقشات مشتعلة وتداعيات صافية، وصدامات عاتية وإحباطات لا تتوقف. إنه جسد من ظلال تائهة يهبط في وجوده الخاص، وقد نستشعر هذا الهبوط كثيراً ونحن نتصفح أجزاءً من حياته في هذه الورقة السردية، وتنقطع أنفاسنا ونحن نتبعه من شقة إلى أخرى، نحمل أوراقه القديمة وقصائده وكتبه، ثم نحاول تخيل ملامح أبنائه، ونفكر في الأسباب من وراء زواجاته المتعددة، وصداقاته بالشعراء والكتاب وحراس البنايات التي سكنها أو سكنته. هي قصة هذا النوخذة الذي شق صحراء الذاكرة بحثاً عن جوهر الرحلة -القصيرة نسبيًّا في حالته- والذي كان قريباً بما يكفي ليصافح حقيقته وهو ممسك بحبل الدلو في تلك البئر العميقة، أو متعباً من حركة الهدم حوله، أينما أذهب يهدم شيء ضخم في أذني، هو ذات الإحساس الذي قد ينتابنا في منتصف الطريق، إحساس بالمراجعة بدأ ينتشر في صحراء الروح رغم إصراره على عدم الكف عن الحياة. وقد يقف أحياناً على حافة الهواء صارخاً في تحدٍّ: "الدمع دمعي، والعين عيني"، أو يأوي إلى ورقة سريره محاولاً إحصاء عمر الذاكرة في خطوط والدته، تلك المرأة الصامدة كجبل في وجه التغيرات والموج والنسيان، وهل أملك أن أستنكر أسلوبه، وقد كان لاذعاً بحديثه عنها؟ أكاد أجزم أنه حبٌّ لم نعتد على مثله، حبّ قاسٍ شكلته البيئة الشحيحة، يقول: "ماذا يفعل الإنسان لو ماتت أمه؟" ويتركنا حيارى، لاسيما وهو يمارس لامبالاته عندما يراه موتاً لن يختلف عن أي موت، يهرب أو يختبئ من موتها ومن موته الشخصي، ومن خورفكان التي لا تعني شيئاً دون أمه، فهي ليست سوى جبال من ورق، أو ظلال من ماء في الذاكرة. هذه الروح الساخرة من كل شيء في ثوب أحمد راشد ثاني تجيد صراخ الأطفال لتداري به ألماً عجوزاً، لكنها لا تتورع عن فتح الأبواب والنوافذ وفم الحكاية وقلبها؛ كي ينطق الماء المتخثر في القافية، والحكاية تعود إلى رجل أنهكه صحوه، فقرر أن يتحول إلى سمكة أو إلى جبل من رماد. نعم، هو صريح وجريء ويجيد ممارسة الكتابة. العمل المجاني اللاشيء -كما يسميه- لكنه ذات العمل الذي يكشف الأسرار القديمة المدفونة ويشفي الروح.

شارك