أرض الفجر الحائرة

02 إبريل

المؤلف: صفية الشحي

عن أي أرض، وعن أي فجر، وعن أي حيرة كتبت يا أحمد راشد ثاني في مجموعة مقالاتك؟ وقد قرأت أنا ذلك اللقاء الخاطف حين كنت أجهلك قبل سنوات، لقاء لم أعطه حقه؛ لأن فكري آنذاك لم يرقَ إلى فكرك. وربما سأكتفي اليوم بذكر أني التقيتك يوماً. في هذا الكتاب سنحت لي حروفك أن أجري أكثر من لقاء: الأول كان بشاعرة الظمأ والعقبة والفخاخ تنصبها الزنابق بلوتشيلا أو ميسترال، وهي شاعرة على موعد دائم مع الموت، وعلى الأغلب يأتي انتحاراً. حساسة تكتب بلغة تكرهها، تكتب ليل الفقد، والأمومة الناحلة، والرحيل الذي أعدتها إلينا أنت منه. وقد أكون تجاوزت أسطورة الرحابنة، ليس لأَنِّي لا أعشق فيروز، بل لأن وعورة التضاريس والطقوس في قصتهم لم تلامسني، وأنا عهدتك كاتباً تلامس الروح!، إلا أنه مقال طويل كتب ونشر على فترات، قد يعجب من يتتبع هذا النوع من التاريخ الموسيقي. وتوقفت عند فيروز "مريم فرج"، الموت الحلم، والحياة الحلم، والنصف المفقود الذي قال عنه الشيخ الهاشمي: وبين برودة الثلج وشهيق الذاكرة قرأت اسم نرجس. وقلت أنت: هكذا تكتب مريم فرج، وتتحول الكتابة عندها إلى مرض لا شفاء منه. وإلى الشعر عدت، إلى أوكتافيو باث، ولم تعجبني اختياراتك. " فسر الأمر لي صديق عزيز على أنه "ذائقة"، وعرفت أن ذائقتك قاسية أحياناً، بل في معظم الأحيان. انتقيت من هذا الشاعر حفيف الورق، وخرير الماء، وشمس الحجر. وعن الإنسان الخام النقي نقبت، وعن الشرارة الكامنة في الليل قلت: إنها الحياة والرحلة تؤكدها الشمس في الهاجرة. ولم تعجبني قصائد باث "الرائعة" ولكنك أحببتها؛ كلمات ناهضة، متموجة، ساقطة، وجراح بليغة. وانتقيت "عشبة" وتحدثت طويلاً عن البياض في قصص سلمى مطر سيف: عرس أبيض، شخوص بيض، حلم أبيض... ولا ضمانة فنية سوى بياض المعنى والقول. واعتبرت المجموعة المنتظرة جزءاً من تراثنا الأدبي برأس فني مرفوع تبحث عن شرطها في داخلية الإنسان. ورينيه شار يطرق على الماء بمطرقة الوداعة. وأنت تستذكر من عجمان من منطقة "السرة" لا داعي لخبر عن فستان ديانا. فليطفئ أحدهم الأثير. لقد رحل رينيه شار عام ١٩٨٨، واحد من كبار أدباء فرنسا نثراً وشعراً، وقال كلاماً يشبه الحضور المشترك ورسائل الحب والمطر الطريدي. واقرأ المزيد وأفكر: كم سيفوت من ذاكرتنا نحن الإماراتيين إن لم نقرأ لك؟ كم مستقبلاً سيمر دون أن يعني شيئاً إن لم نقرأ لك يا أحمد راشد ثاني؟. وتظل تخاطبني أنا بذاتي (هذه الإعلامية الصغيرة المحظوظة) عن عبادة الرعاة وشعراء اللانهايات، وعن رجل بلا أخطاء كبيرة، ورجال الأخطاء، وتقف معي على سفح جلال الدين الرومي، وتشير بأصابعك الصغيرة إلى التنين، وإلى الخطوط الثلاثة، والعنقاء في وكرها الضيق، وتكسر قلماً وآخر، وتكتب بقصب السكر: العشق حرية، وبلسان الرومي يبكي الحبر على الورق، مراوحاً بين الرومي والمتنبي وإلى متى تقول رموزاً! "أتساءل عنك". وتكتب إلى بول تسيلان، الميت حتى على البحر: "ويحي! الأطفال للموت، أنا للانتظار. تقفز الزانة وتسقط في حليب الضحى الأسود" وهي قصيدة لتسيلان. وتقدم مقارنة صعبة بينك وبين الحلبي الثائر، خير الدين الأسدي. تشرع بحثك في الهواء، تشاركه أطراف المقاهي، هو من عصر وأنت من آخر، ولكنكما التقيتما في اللفظ، في المعنى، في ورقة بيضاء بين حلب وخورفكان، مترنحاً بين فنجان قهوة وآخر. مُرّة قهوتك حد إضحاك القلب!. وتبتسم لصموئيل بيكيت، للمراكب، وتقول: "الإنسان جرس رن من بعيد في البلل" وترتقي الحياة، الموجة كما تسميها، متحدثاً عن الممثل على المسرح، يقتل شخصيته، والجمهور يظن أنه قتل نفسه. ويعود المتنبي يصرخ عشقاً في هذا النص عن بيكيت. ولكنك لا تنهى نفسك عن المحبة. نعم تدمى أصابعك السمراء ولا تنتهي. وتعود لتتحدث عن الشاعر الكبير الذي يمزح، عن عقل الشاعر الذي لا يجاريه أحد، عن اللاوعي، عن سحر اللغة التي تغلبت على مزاح "سعيد عقل" الثقيل، عن أنوثة اللغة، وتسقط من حساباتك ذكورة الحرف "سعيد" المهستر وعقله العظيم. وتختم كتابك بتأبين لم أقرأ أجمل منه، بمرثية راقصة في حب الجواهري، بموته الخدعة!  وعن آخر القلاع تتحدث في شعر البلاط وتبكي "القصيدة حين تموت، تموت حياتها" وتصرخ: "من تذكّر أكثر مات سهواً"، وكتبت كثيراً في الشاعر العربي يعيش على المنابر ومنها، ويموت؛ لأن العرب لم يعد لهم منبر قادر. وأقول للقارئ: لو اكتفيت بقراءة هذه المرثية من كتاب أرض الفجر الحائرة لكفتك. فليمت الشاعر، إذ متى كان حيًّا من قبل!.  

ما سبق لم يوجز شيئاً سوى بعضٍ من روح أحمد راشد ثاني، أردت أن أقدمه لكم بأسلوبي المعتاد عندما يلامس كتابٌ ما شغاف روحي. اقرؤوه بتأنٍّ، وأحبوه أو اكرهوه، لكن اقرؤوه.

شارك