على الباب موجة

02 إبريل

المؤلف: صفية الشحي

ويحدث أن تتشابه ذاكرتك مع ذاكرة كاتب، ويحدث أن تصبح جزءاً منك، كأنه استعارَك، وكَتَبَك، وحفظَك في لوحه أغنية، انتظرتك طويلاً لتغنيها، انتظرتك على سفح جبل ينظف نفسه مع كل وابل من مطر، انتظرتك في رحلة قادتها أقدام أربعة في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين إلى حي (ترحم عليه الكاتب في نهاية هذا العمل) المديفي، في خورفكان، حيث توافد "أشتات البشر" ليختاروا ظل هذا الطرف، بين أحضان هذا الغاطس في البحر بقدميه. خورفكان التي احتار الكاتب في معناها واستسلم لحجريتها، فسماها "قوقعة" أو "صندوقاً حجريًّا كبيراً". 

على الباب موجة، هو تاريخ بيت الشاعر نفسه، تاريخ البحر الذي يدهش النفس، يهدهدها، يحرث في منطقة الغموض والسحر، والرزق ودماء العابرين الكثر على ضفاف الحياة الصعبة، الثائرين في شكل "سفر طويل". في هذا الكتاب ستبحرون (أقول تبحرون؛ لأن الكاتب بحار موج يجبرك على الغوص) إلى القاع، أو إلى القمة، سيان عنده السماء والبحر. في قرية المجانين العقلاء تلك وما يجاورها ولد السور الأول والمسجد الأول والمدرسة والمكتبة والشارع الأول "الذي قتل الحاجة" وبمهارة صيادي ذلك الزمن في نسج الحكايات والقراقير وتحديد نيشان الرزق في البحر، وبحنكة نساء ذلك الزمن في تجاوز الوحدة بالعمل والتحلق حول أسرار الجن وأقاويل الفريج، وبجلد حاملة الفنجان في جيبها، ومهارة المارة على كل الدروب لتتولى مهنة مراسل الشائعات، بكل ذلك يحكي لنا أحمد راشد ثاني عن الموتى يحوّلهم الوقت إلى شهداء، عن بطولات الحج، وعن حج نَفَر ذلك الزمان إلى أرزاقهم وراء البحار، عن الضباحة (وهي أنثى الثعلب) تطلق الرعب في ظلام القرية المنسية، وعن غناء النخل في تباشير الخضرة والحياة، وعن العيد يعود كل سنة مرتين حاملاً السعادة إلى الأبدان "الحاملة لأكفانها" في كل دقيقة. القراءة في هذا الكتاب هي جنون لا شفاء منه، فأنت تقرأ الفكرة والحلم والحقيقة والخيال، وتقرأ الحياة بوضوحها الغامض، والموت ببياضه في حدقات الموج، وتتوه في الجبل تارة، وفي الجدري الذي خيم في أسطورة الجدران وبقايا  مظاهر الحياة المهجورة تارة أخرى، وتحلّ حيناً ضيفاً على حياة الصيادين والمزارعين والمدرسين ونساء الانتظار الشاق، وتتساءل: أهذا ما يجعل من هذا الكتاب مادة دسمة للتأمل؟ للتشابه؟ للحضور الشخصي في المصطلحات والمفاهيم والأمثال وأساطير الجن؟ ترددت كثيراً في أسرتك، وكنت تظنك الوحيد من تملك مفاتيح كتاب "الغزالي" والوحيد المولود في صيحات دفوف المالد، لتستيقظ على ما يشبهك. ولكن في مكان غير بعيد قلم كهذا القلم، يحنو على ذكرياتك مع الموجة الأولى تطرق بابك في جميرا، هذه التي اختلقت لها أسماء كثيرة هذه الأيام لا تشبهك في شيء، يشدك إلى غروبه المرعب، إلى عربدته الكونية، إلى خرافاته وخراريفه، وإلى دهشته، وأنت الذي كنت تظن أن لا شيء يدهشك. وتجد ما يدهشك في حكمة الحياة التي غابت عنك قبل أن تودعها، كم يشبهك وهو يقول: "إن صلتك، وبالتالي قدرك وشأنك يتحدّدان بالمقدار الذي تجيد فيه شيئاً ما" أو عندما يقول: "بمياه البحر وحدها يمكن تشبيه المداد الرباني، كما يمكن تشبيه إيقاعات الروح بأمواجه". نعم، يحدث أن تتعلق بذاكرة أحدهم، فتوجد أرضية مشتركة للطفولة والحلم والخيال والحكمة والمخاوف التي لا تفارقك. أردت أن أقدم لك أيها القارئ رحلة على أقدام البساطة والبهجة، لن تستطيع أن تشيح عنها، ففي هذا الكتاب غنى متناثر يحاول ترميم ما بقي من ذاكرتنا نحن أهل الإمارات.

شارك