سلطنة هرمز: التاريخ مستعاداً

02 إبريل

المؤلف: صفية الشحي

على ضفاف البحر وفي حضن الجبال تقبع الأسطورة الهرمزية، تلك التي لم يهزمها النسيان فعادت لنا من صفحات التاريخ، على شكل هذا العمل الذي تعددت فيه الوجوه والشخصيات، بدءاً بذلك المخلوق الخرافي ذي الجمال الوحشي، يقلقه المجد فيفكر به ويحمل تلك الرغبة الأبدية ليتطهر من الآثام ويستشعر الخلاص. بدرة هي فاتحة القصة، وخاتمتها في مكان آخر. وهي الاسم الذي تكرر كثيراً، حاملاً وجهاً من الفضول وأسئلة المعرفة، وغريزة البقاء والهرب أخيراً (شيء قد يفسره القارئ في النهاية على أنه خيانة).

تتساءل بدرة عن المجد: "ما الذي يصنعه؟ وكيف يبدأ؟ لكن محال أن يصنع مجده حيث يعيش، ألا يضيق المكان بصاحبه كلما كبر؟" بين الأرجوزات التي  يجيدها أهل هرمز القادمين من غور آخر حاملين الغاف في جيوبهم وعشقهم العفيف على كفوف، قدرهم الذي قرر أن يفتح عليهم طاقة الحرب والفقر والضياع والألم على آخرها، حتى يواجه كل منهم مصيرهم كما قدر منذ زمن الذر الأول. بعد بدرة يحكي أصل الرحلة الأولى وبدايتها، عبدالرحمن حجازي، صاحب السرداب المكتظ بزاد الأجساد والأرواح، والأخير تناثر في مخطوطات كثيرة حصل عليها بمشقة بالغة وهو القادم من أرض السؤال، هرباً من شبح الموت إلى حقيقة المعرفة، ومن التسليم إلى فضول النبش في علاقة هذا الإنسان بالله والوجود، والكون وأخيه الإنسان. هنا تقف عند القمة الحادة تنغزك في خاصرة إيمانك، فهل تتوه إلى غير رجعة تاركاً خلفك أفواهاً من التساؤلات الحائرة، أم  تستقر في دهريتك كشيخ طريقة يترجم الأشواق ولا يستسلم للقراءة الأولى بل يتبعها بقراءات وتأملات؟ 

ونعود إلى هرمز حيث "لا عراك مع الحياة أو مع المال، ولا همّ ولا مرض بل شفاء تامّ" في دوامة هرمز، في السراديب المظلمة القابعة في دورنا وأرواحنا، لا سبيل أمام الإنسان إلا ليفكر بخلاص ما، إلا أن يمارس خلاصه في الشعر. في هذا السرداب الذي أحمله أنا وأنت الملجأ والمعرفة، تلك التي تشفينا وتشقينا. أليس هذا بالضبط ما شعر به الملاح سلطان بن بحر الزين "اللقيط" وقد قست عليه الرواية وشخصياتها المستوحاة من الشجر والماء العذب والبحر لتناديه بالنغل. هذه الروح وجدت حريتها في دوامة البحر بعيداً عن لعنة الحياة تحملها في كل مكان إلا البحر. وهناك في عمل كهذا يقدس المعرفة، لا تستغرب إن كان شفاء شخصية سلطان كامن في مكتبة ابن تميم "التي ظلت تداويه من أمراض القهر ومعاناة التصنيف ليبدو في سلام". 

هكذا انتهى الفصل الأول ليبدأ فصل ثانٍ وثالث مع البرتغاليين عام ١٥٠٧، عام المواجهة مع جشع التوسع في أراضي الكفرة يمارسه حملة الدين، فيقيمون الحصون ويتقاطعون مع أنفاس الماء ويعيشون النرجسية والدموية. شخصية الجنرال الذي يغازل تعاليم الملك، ويكفر عن ذنبه بالطعام والصلاة. ألفونسو دي ألبوكيرك. الوجه الآخر الأمير علي بن معن الدين الزموري. الأول هدم بيت الله والبساتين على رؤوس أصحابها، مستمتعاً بوجبة شواء بشرية، في حين وقف قوم الثاني متسلحين بالسهام والسيوف والعجز، وقد كرهت هذا العجز واستشعرت بالأمير يعض تاريخه ندماً حين لم يقدر سوى المكوث قبل أن يستشرف نتيجة التمرد على جيش قادم على صهوة البحر. هكذا اشمأز الجنرال منهم وهو يهدم بيت الله "الذي لا يحتاج إلى بيت هنا، أليس له بيت في مكة يدعى كعبة!" تلك الكعبة التي يضعها في مخطط أحلام فتوحاته هذا الجنرال البائس. تكلم الموت إذن، وشتت الفتيات ذوات الضفائر العابقة بالطيب، وسحق الياسمينة المورقة، وكسر فناجين القهوة، وفرق أغنيات الزعفران. وفي هذه اللوحة الدامية التي أذاقت الصديق والعدو المرارة، تجد مقابلاً من زهر وحلم. ورغم أن العلاقة التي ولدت بين القبطان البرتغالي الصغير وبدرة بقصد الهدف الأول، اجترار المعرفة، وترجمة المخطوط، والبحث عن ثمر غياب تركه عبدالرحمن الحجازي في السرداب المعتم، لكن زهوراً ما تفتحت في زمن لا يبدو أنه زمن للعشق.

يستجدي النظرة من بدرة، وآخر ينطوي على غرابة وجرأة، وخيانة غير متوقعة، وكأن الكاتبة تريد أن تقول لك: لا تغتر، فالتاريخ ليس جميلاً! والقراءة فعل الأتقياء، تزرع فيك الجرأة لتهرب، وتحطم قيود أسرك الوهمية، اعتلاء لصخور ماضيك التي تجرح باطن قدميك، أو سباحة في بحر المجهول، يبلل شعرك وروحك". 

سلطنة هرمز لكاتبتها ريم الكمالي، الصادرة عن دار كتاب ٢٠١٣، رواية قد لا تشدك من البداية، لكنها تحمل شيئاً يجبرك على المتابعة، لتقرأ عن هرمز في الشخصيات المتناثرة، لتحلم معهم، وتجادلهم، وتحزن وتضحك، وتعشق... وإن كانت القراءة تقوى، فالكتابة مطهر.

شارك