قضيّة الاحتجاج النِّسويّ في الرواية الإماراتية

26 مارس

المؤلف: د. سمر روحي الفيصل (سوريا)

هناك أمر يخدمني في أثناء الحديث عن الاحتجاج النّسويّ الإماراتيّ، هو اهتمام الكاتبات الإماراتيّات بالرّواية، وحِرْصهنَّ على أن تكون لهنَّ يدٌ طُوْلى فيها. فقد أصدرن في عشرين عاماً ونيِّفٍ (بين 1990- 2013) أكثر من ثلاثين رواية، في حين أصدر الرّوائيّون الإماراتيّون في أربعين سنة (بين 1971- 2013) تسعاً وأربعين رواية، ثلاث عشرة رواية منها لروائيّ واحد، هو علي أبو الرّيش. وعلى الرّغم من أنّ الأرقام السّابقة تشير إلى غلبة الاهتمام النّسويّ في الحقل الرّوائيّ، فإنّ أمرين بدأا يؤثِّران في الإقبال على الرّواية النّسويّة الإماراتيّة، هما التّأثُّر الأدبيّ العامّ بزمن الرّواية، وشيوع الظّاهرة الأدبيّة العربيّة القاضية بوجوب الانتقال إلى حقل الرّواية حتّى يُسْتَكمَل الوجود في السّاحة الأدبيّة. إذ إنّ الاعتقاد السّائد هو أنّ حياة القاصّ تبقى ناقصة في الحياة الأدبيّة ما لم يُصبح روائيّاً. وهذان الأمران كفيلان في العقد القابل بتجسيد الغلبة النِّسويّة الرّوائيّة على القصّة النِّسويّة القصيرة التي تبدو الآن أكثر ازدهاراً في الأدب الإماراتيّ.

     هناك أمر ثالث يخصّ الرّواية النِّسويّة الإماراتيّة، هو حداثة عهدها بمعالجة القضيّة النِّسويّة. إذ إنّها، كما أشرتُ في القسم الأوّل من هذا الكتاب، بدأت متأخِّرة قياساً إلى الرّواية النّسويّة العربيّة التي بدأت على استحياء في نهايات القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين، واتّضح أمرها في نهايات أربعينيّات القرن العشرين عند وداد سكاكينيّ ومليحة إسحق، وفي بدايات خمسينيّاته عند ليلى بعلبكي وكوليت خوري. والواضح أنّ هناك عوامل شجَّعت على البداية الأولى في الإمارات، أبرزها: انتشار تعليم المرأة، والاهتمام الرّسميّ والخاصّ بأحوالها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأُسَريّة والصّحيّة، فضلاً عن انفتاح المجتمع الإماراتيّ الذي ساعد المرأة على ارتياد آفاق العمل والعلاقات الاجتماعيّة. ولعلّ انفتاح المجتمع الإماراتيّ على الثّقافات الأخرى العربيّة والأجنبيّة قدَّم للمرأة الإماراتيّة خدمة أخرى إيجابيّة ذات شأن في حياتها، إذ جعلها تقارن نفسها في العِلْم والعمل والعلاقات العامّة بالمرأة العربيّة والأجنبيّة، وترى من واجبها السّعي إلى الوقوف بنديّة إلى جانب نساء لا يختلفن عنها في شيء غير الثّقافة التي نهلْنَ منها في بلدانهنَّ.

     وكان للعقد الأوّل من الألفيّة الثّالثة فضل تعزيز الرّوافد الثّقافيّة النِّسويّة المباشرة وغير المباشرة. إذ اتَّسع فيه التّعليم النِّسويّ الجامعيّ، وتنوَّعت اختصاصاته، وكثر عدد خرِّيجاته، وزاد ارتباطه بحاجات العمل في المجتمع الإماراتيّ. كما اتَّضح في هذا العقد التّفاعل النِّسويّ مع التّقنيّات الحديثة، وخصوصاً الإنترنت ومواقع التّواصل الاجتماعيّ. واتّضح، في الوقت نفسه، أثر الجمعيّات النّسويّة والاتّحادات ودوائر الثّقافة والمسلسلات والمجلاّت والبرامج التّلفازيّة، في أن تنظر المرأة الإماراتيّة إلى نفسها نظرة جديدة، وأن تطرح على نفسها أسئلة لم تدر في خَلَدها قبل سنوات قليلة. ويُخيَّل إليَّ أنّ هذا الوعي الجديد بالذّات النّسويّة ارتبط بالانفتاح الاجتماعيّ، فضعفت حاجته إلى الثّورة على الثّقافة الذّكوريّة التي ورثها المجتمع الإماراتيّ، كما ورثتها المجتمعات العربيّة الأخرى. ولم يبق من هذا الوعي الجديد غيرُ رؤيا نسويّة احتجاجيّة بعيدة نسبيّاً عن التّمرُّد. وهذا توضيح لطبيعة هذا الاحتجاج في الرّواية النّسويّة الإماراتيّة.

     طُبِعتْ رواية (شجن بنت القدر الحزين) عام 1992، لكاتبة غير معروفة آنذاك، هي حصّة جمعة الكعبيّ، اتّضح بعد ثماني عشرة سنة أنّها (سارة الجروان). ويهمّني، هنا، القول إنّ هذه الرّواية الرّائدة في الأدب النِّسويّ الإماراتيّ فتحت باب الاحتجاج النّسويّ على مصراعيه، وسمحت للرّوائيّات اللّواتي دخلن ساحته الواسعة بتنويع نغماته، وتبديل مظاهره، دون الخروج عليه في الغالب الأعمّ.

     لقد فتحت رواية (شجن بنت القدر الحزين) باب الاحتجاج على المفهوم الذّكوريّ التّقليديّ السّائد للمرأة. فهي، ضمن هذا المفهوم، عقل ناقص وجسد فاضح. فما إنْ تبلغ الفتاة مبلغ النّساء حتّى يُسرع أبوها إلى التّخلُّص منها بنقل مِلْكيّتها إلى الزَّوج الذي يعي سلطانه عليها، ويعمل بوحي منه. ولهذا المفهوم الذّكوريّ التّقليديّ تفصيلات أخرى كثيرة، عرضتها الرّواية النّسويّة الإماراتيّة بشيء من التّصريح وكثير من التّلميح. فقد أجبر أبو عائشة ابنته، وهي طالبة تستعدّ للامتحان، على الزّواج من (مبارك). وهذا الإجبار تجسيد لرغبة أبي عائشة في التّخلُّص من عبء ابنته. وهو معزَّز في الرّواية بمسوِّغ مقبول في المجتمع الذّكوريّ، هو غنى (مبارك) وفقر أبي عائشة. ولا أهمّيّة بعد ذلك لرفض عائشة، وصِغَر سنّها، ورغبتها في الاستمرار في تلقّي العِلْم. ولا يُقلِّل من شأن (مبارك) معرفة أبي عائشة وأسرته كلّها بسوء أخلاق (مبارك) ومعاقرته الخمرة؛ لأنّ الرّجل، ضمن المفهوم التّقليديّ، لا يعيبه شيء، أمّا المرأة فيعيبها كلُّ شيء. وهذا نفسه حدث لليلى في رواية (تثاؤب الأنامل) لرحاب الكيلاني. فقد زوَّجها أهلها صغيرة من (منصور) الظّالم الغارق في ملذّاته ومغامراته. والفارق بين عائشة وليلى في الرّوايتين هو بقاء عائشة رافضة ورضوخ ليلى. ذلك أنّ عائشة عبَّرت من (ليلة الدُّخْلة) عن رفضها (مبارك) الذي رغب في أن تشاركه زوجته معاقرة الخمرة. وبقيت ترفضه وهو يزداد سوءاً إلى انتهى الاحتجاج اللّفظيّ وبدأ الاحتجاج المادّيّ. إذ إنّ عائشة تركت بيت زوجها عائدة إلى بيت أهلها. أي أنّ احتجاجها المادّيّ تجلّى في إعادة جسدها إلى المكان الذي انطلق منه. ويبدو أنّها غفلت عن أنّ هذه العودة ممنوعة في المفهوم التّقليديّ؛ ولذلك غضب أبوها، فقادها إلى بيت زوجها، وتركها أمام باب البيت وحيدة. وهذا يعني أنّه أعاد الملكيّة إلى صاحبها الجديد، بعد تهديد ابنته بألا تعود إلى ذلك ثانيةً، بل إنّها مطالبة بالصَّبر على زوجها، كما صبرت ليلى في (تثاؤب الأنامل) على زوجها السَّيِّئ، دون أيّ تغيير. ولما عاد زوج عائشة إلى سيِّئاته، وزادها سوءاً بأن سمح لأصدقائه السّكارى بأن يحاولوا اقتحام غرفة زوجته، بلغ السَّيل الزُّبى، فساعد عبد الله أخو عائشة أخته على الطّلاق من (مبارك)؛ لأنّه يعرف أنّ هذا الاعتداء غير مقبول في المفهوم التّقليديّ.

     بيد أنّ الطّلاق في المفهوم التّقليديّ الذّكوريّ عار اجتماعيّ، يشارك المجتمع كلّه في معاقبة صاحبته عليه ليجعلها تتمسَّك ببيتها مهما تكن حياتها فيه سيِّئة. ولهذا السّبب زوَّج أبو عائشة ابنته من أوّل رجل طلب يدها، على الرّغم من أنّ العريس عجوز ستّينيّ عنده زوجتان. فأبو عائشة يعرف أنّ الرّجل العزب، ضمن المفهوم التّقليديّ السّائد، لا يُقْبِل على الزّواج من مطلَّقة؛ لأنّه يعتقد أنّ الذِّكرى التي لا تُمْحَى هي للزّوج الأوّل وحدَه. وهذا أمر لا يسيغه الرّجل الشّرقيّ العزب، بل يقبله رجل مزواج أو عجوز أو مريض أو صاحب عاهة. وقد جسَّد أبو عائشة هذا الاعتقاد السّائد في قوله لابنته: (اسمعيني جيِّداً. أنتِ الآن مطلَّقة، كأنّك راجع. وهذا يعني أنّك لن تحظي بزوج يناسبك. فإمّا أن يكون كبيراً في السّنّ، وإمّا أن يكون قد سبق له الزّواج، وإمّا أن يكون ذا عاهة دائمة). وأضاف أبو عائشة: (لا بدَّ لكِ أن تتزوّجي، وإلا فسوف ينهش النّاس أعراضنا. يكفيني ما سبّبته لنا في زواجك الأوّل). وهدَّدها بأنّه لا يريد أن يخفق زواجها الثّاني وإلا فإنّه سوف يقتلها. ولكنّ الزّواج الثّاني أخفق أيضاً على الرّغم من أنّ عائشة سعت إلى إنجاحه، بل إنّها رضيت أن تعمل خادمة عند زوجتي زوجها العجوز بدلاً من الطّلاق، ولكنّ الزّوجتين رفضتا ضَرَّتهما، ونجحتا في تطليقها، فعادت مرغمة إلى بيت أهلها. وهذه العودة كارثة بالنِّسبة إلى أبيها؛ ولذلك حبسها (في غرفة مظلمة شديدة الحرارة والرّطوبة)، مدَّعياً أنّها مريضة. ولكنّ شجناً لم تصبر على هذا العقاب فهربت من محبسها، وساعدها (خالد) على أن تهرب بجسدها من الإمارات إلى البحرين.

     إذا كان الهرب من المنْزل نموّاً في درجة الاحتجاج، يُعبِّر عن عدم قبول الظّلم، فإنّه ليس حلاً للقهر النِّسويّ في رواية (شجن بنت القدر الحزين)، وإنْ جعلته رحاب الكيلاني في (تثاؤب الأنامل) حلاً لليلى التي لم تستطع صبراً على زوجها فتركتْ منْزلها، واختفت دون أن تظهر في الرّواية ثانية. وكأنّ رحاب الكيلاني عجزت فنّيّاً عن أن تجد حلاً للقهر النِّسويّ غير الهرب منه. أمّا حصّة جمعة الكعبي فتابعت حياة (عائشة) التي أصبح اسمها (شجناً) بعد هربها من منْزل أهلها، وعزمها على أن تصنع لنفسها قدراً سعيداً بدلاً من قدرها الحزين. بيد أنّ رؤيا الرّواية رأت الهرب طريقاً مسدودة وإنْ تغيَّر المجتمع. ولهذا السّبب عاقبت شجناً ثلاث عقوبات:

     أوّلها عدم نجاح حبّها خالداً؛ لأنّ الحبّ نفسه ممنوع في المفهوم التّقليديّ، سواء أكانت الفتاة طالبة صغيرة السِّنّ أم كانت متعلِّمة تحمل شهادة الدّكتوراه كما هي حال (علياء) في رواية صالحة غابش (رائحة الزّنجبيل). إذ فكَّرت في حبّها (عبد الرّحمن) بعقلانيّة، وهو زميل دراستها في لندن، بل إنّها ساعدتْه ووقفتْ إلى جانبه أملاً في أن يكون زوجها في المستقبل. ولما أزف الوقت تزوَّج غيرها، وكان صريحاً معها حين قال إنّه لا يستطيع الزّواج من امرأة أكثر قوّة منه؛ لأنّ الطّبيعيّ في المفهوم الذّكوريّ الذي تغلغل في ثقافة (عبد الرّحمن) أن تكون شخصيّة الرّجل أقوى من شخصيّة المرأة. لقد أخفق حبّ (علياء) على الرّغم من أنّه حبّ عقلانيّ، وطرفاه متعلِّمان واعيان مثقَّفان، كما أخفق الحبّ بين (شجن وخالد) على الرّغم من اعتراف كلٍّ منهما بماضيه، ورغبته في أن يجاوزه إلى حياة سعيدة. ذلك أنّ رؤيا حصّة جمعة الكعبي هي أنّ المجتمع الذّكوريّ لا يعترف بالحبّ؛ ولذلك عاقبت شجناً بعدم نجاح حبّها خالداً. والواضح أنّ سارة الجروان التي كانت عام 1992 حصّة جمعة الكعبيّ احتفظتْ بالرّؤيا الرّوائيّة نفسها في روايتها (طروس إلى مولاي السّلطان)( فجعلت (جمعة) يُقصي ابنته (حصّة) من أسرته حين علم بأنّها تحبّ، فزوَّجها كما فعل أبو عائشة في (شجن بنت القدر الحزين) من رجل عجوز عنده زوجتان، فهربت (حصّة) كما هربت (عائشة) دون أن تتغيَّر العقوبة والنّتيجة على الرّغم من أنّ هناك سبعة عشر عاماً بين الرّؤيا الأولى والثّانية للرّوائيّة نفسها.

     أمّا العقوبة الثّانية فهي قدريّة على عادة الحلول الرّوائيّة العربيّة في خمسينيّات القرن العشرين. إذ اكتشف الأطباء بعد حادث السّيّارة أنّ شجناً مصابة بورم دماغيّ، ولن تعيش غير شهر. وهذه العقوبة القدريّة قصور فنّيّ في العثور على حلّ روائيّ مقنع، وهي في الوقت نفسه تعبير عن أنّ الرّؤيا الرّوائيّة عند حصة جمعة الكعبيّ ترغب في الإيحاء بأنّ هرب المرأة من مالكها يجب أن ينتهي بالموت؛ لأنّ هذا الهرب مساس بشرف أسرتها، وأيّ شكٍّ في المساس بالشّرف يجب أن تُعاقَب صاحبته بالموت دون تفكير عقلانيّ في صحّة موضوع الشَّكّ أو بطلانه. وهذا هو نفسه ما قدَّمتْه مريم الغفليّ في رواية (طوي بخيتة)(12). فعندما رأت العمّة (طريفة) نقاط الحليب على ثياب ابنة أخيها (بخيتة) شكّت في أنّها زنتْ، وبدلاً من أن تسألها عن الأمر ذهبت إلى أخيها أبي بخيتة، فحدَّثتْه بشكّها، فاستلَّ خنجره وطعن به ابنته، ورماها في البئر (الطّوي)، وغادر المكان دون أن تهتزّ فيه نأمة، أو يعترضه سؤال عن صحّة أو عدم صحّة الزِّنى، ودون أن يُخبر أحداً قبل إقدامه على غسل العار.

     ثمّ إنّ العقوبة الثّالثة أكثر إيلاماً. إذ إنّ أسرة (شجن) علمت بمكان ابنتها في البحرين، فجاء الأب وابنه عبد الله إلى المستشفى، وبادر الابن بطعن أخته شجن بالسّكّين دون أن يتحرّى، كالعادة، حقيقة وجود أخته مع خالد في السّيّارة، وهو الأخ الذي تعلَّم في الغرب، وأنقذ أخته من زوجها الأوّل (مبارك). وكأنّ الرّؤيا الرّوائيّة التي قدَّمتْها حصّة الكعبيّ رغبتْ في ترسيخ ما قالته صالحة غابش في روايتها (رائحة الزّنجبيل) من أنّ الثّقافة عند رجال المجتمع الذّكوريّ تبقى قشرة خارجيّة، لا تنعكس في السّلوك، ولا تُعدِّل فيه شيئاً، ولا تُغيِّر من انصياع صاحبه لثقافة مجتمعه؛ ولذلك كان (عبد الرّحمن) في رواية غابش مثل (عبد الله) في رواية الكعبي، حين أعلن صراحةً أن (علياء) لا تصلح زوجة له في مجتمعه الذّكوريّ. وما هو أكثر إيلاماً في هذه العقوبة الثّالثة، هو إمساك شجن مقبض السّكّين لتظهر بصماتها عليها؛ لتبدو في أثناء التّحقيق أنّها انتحرتْ بعد اكتشاف أمرها. ورسّخت شجن قصدها حين توسّلت إلى خالد ألا يُخبر أحداً بأنّ عبد الله هو الذي طعنها؛ كي تُنقذ أخاها من الجريمة. وكأنّ شجناً قبلت أن تكون ضحيّة، أو أنّ رؤيا الرّواية بلغت الذّروة في احتجاجها على القهر حين جعلت المجتمع الذّكوريّ ينتصر وإنْ كانت المرأة المقهورة فيه مظلومة بريئة. ولعلّ الرّؤيا الرّوائيّة نفسها أوحتْ بأنّ المرأة في مثل هذا المجتمع الذّكوريّ تُصاب بنوعٍ من تبخيس الذّات بحيث تقبل القهر وترى نفسها تستحقّه، وترفض استناداً إليه أن يكشف الرّجل القاهر عن وجهه الدّميم. لعلّ رؤيا الرّواية ترى غير ذلك. لعلّها ترى شجناً غير ناقمة على أسرتها، بل محبّة لها، واحتجاجها وهربها لا يُغيِّران من إخلاصها لأخيها الذي سبق له إنقاذها، ولأبيها الذي اتّضحت له بعد ذلك براءة ابنته شجن، فغلبه النّدم على ما فعله بها. لعلّ الرّواية بهذا التّفسير الثّاني تؤيِّد ما ذهب إليه أحمد الزّعبي من أنّ إحساس المرأة بالظّلم والتّكبيل والتّنكيل يرجع إلى ظروف مختلفة ومفاهيم كثيرة، تنبع كلّها من الموروث الاجتماعيّ الذي احتجّت عليه الرّواية النّسويّة اٌلإماراتيّة، ورفعت صوتها الرّوائيّ مندِّدة به.

     وعلى الرّغم من أنّ هناك أموراً أخرى كانت موضع احتجاج الرّواية النّسويّة الإماراتيّة، فإنّ الحديث عنها لم يشغل الرّوائيّات الإماراتيّات كثيراً. من ذلك اعتقاد الرجل أنّ حياته الأُسَريّة لا تستقيم إذا لم تُنجب زوجته ذكراً يحمل اسمه، ويحافظ على نسبه. وقد أشارت آمنة المنصوريّ في رواية (عيناك يا حمدة) إلى هذا الأمر حين جعلت الأسرة تحلم بالولد الذَّكر بعد عدد من الإناث. ولكنّ المولود جاء أنثى، فعدَّها أبوها شؤماً على الأسرة، وسمَّاها (حمداً) مدَّعياً أنّ المولود ذكر. بيد أنّ هذه المشكلة لم تشغل الرّواية، إذ إنّ الأمّ أنجبت بعد ذلك مولوداً ذكراً، سمّاه أبوه (حمداً) ، وجعل اسم الأنثى السّابقة (حمدة). من ذلك أيضاً الخلل العاطفيّ الذي تشعر به الفتاة حين تُطلَّق أمُّها، وتبتعد عنها. وهذا ما انصرفت إليه رواية فاطمة السّويديّ (أوجه المرايا الأخرى)، حين جعلت (مهرة) تعيش في منْزل جدَّتها بعد طلاق أمّها من أبيها وزواجها من آخر منعها من اصطحاب ابنتها (مهرة) معها. بيد أنّ هذا الأمر لم يُخلِّف في (مهرة) أيّة صراعات عصابيّة، إذ إنّها عاشت في كنف جدّتها وعمّها (عمران)، وحظيت برعايتهما على الرّغم من غياب أبيها كثيراً عن المنْزل. ومن ثَمَّ لم تتحوَّل قضيّة شعور الفتاة بالحرمان العاطفيّ من أمّها إلى تدمير عاطفيّ لحياتها.

     وليس من الاحتجاج في شيء أن تعكس المرأة الأمور التي يتبنّاها المجتمع الذّكوريّ. فهذا المجتمع يجعل الرّجل يؤمن أنّ ملكيّة الفتاة تنتقل من أبيها وأخيها إليه بعد زواجه منها، وصيرورتها زوجته وأمّ أولاده. ولكنّ إيمان المرأة المقهورة أحياناً بأنّها أهل للقهر يدفع بعض المقهورات إلى الاعتقاد أنّ الزَّوج ملك للزّوجة وحدَها، لا يمكن لغيرها أن تشاركها فيه. وهذا ما عالجته ميسون القاسميّ في رواية (ريحانة)حين جعلت ريحانة ترجع من القاهرة إلى الشارقة لتنتقم من زوجها الذي تزوّج أخرى بعد غيابها عنه سنوات عدّة. ولا علاقة لهذا الأمر بالاحتجاج النّسويّ الرّوائيّ؛ لأنّ جوهر قضيّة المرأة يكمن في السّعي إلى المساواة بين الجنسين، وفي التَّحرُّر من مفهوم الملكيّة وما يرتبط به من شؤون وشجون.

     وليس من الرّواية النّسويّة الإماراتيّة في شيء أن تعالج الرّوائيّة موضوعاً عامّاً لا علاقة له بقضيّة المرأة. كما هي الحال في موضوع الهجرة من البلد العربيّ إلى بلد آخر أجنبيّ في رواية باسمة يونس (ملائكة وشياطين). فأسباب الهجرة ونتائجها الوخيمة على الأسرة في مغتربها، من إدمان الأخ، وانحراف الأخت إلى البغاء، وانتقام السّاردة من الطّبيب الذي حاول ابتزازها، أشياء مرتبطة داخل النّصّ الرّوائيّ بالآثار المدمِّرة للأسرة العربيّة حين تحلُّ في بلد أجنبيّ مغاير في عاداته وتقاليده لما استقرَّ عليه البلد العربيّ الذي جاءت منه. والأشياء نفسها، خارج النّصّ الرّوائيّ، مرتبطة بظروف موضوعيّة دفعت بعض الأسر الخليجيّة إلى الهجرة إلى البلاد الأجنبيّة في أثناء حرب الخليج الثّانية. وسواء أكان موضوع رواية (ملائكة وشياطين) مرتبطاً بالأسرة العربيّة داخل الوطن العربيّ أم كان مرتبطاً بهذه الأسرة خارج الوطن العربيّ، فإنّه في الحالين معاً موضوع عالجه الرّوائيّون كما عالجته الرّوائيّات، وليست له في الحالات كلّها علاقة بقضيّة المرأة في المجتمع العربيّ وإنْ كانت كاتبته امرأة.

     أخلص من الحديث السّابق إلى القول إنّ الرّواية النّسويّة الإماراتيّة حرصت على الاحتجاج على قضيّة رئيسة من قضايا المرأة الإماراتيّة، هي قضيّة الثّالوث الاجتماعيّ: الحبّ والزّواج والطّلاق، انطلاقاً من أنّ هذا الثّالوث مؤثِّر في المرأة الإماراتيّة، عامل على توجيه حياتها، فعّال في تنقية المجتمع الإماراتيّ من الأدواء التي تعوق حياته الاجتماعيّة الهانئة. والواضح أنّ الاحتجاج النّسويّ الرّوائيّ اتّسم بالسّمات الثّلاث الآتية:

1.السّلاسة:

     الاحتجاج في الرّواية النّسويّة الإماراتيّة سلس لطيف في تنويعاته كلّها. لم يبلغ مرتبة التَّمرُّد الذي يجعل المرأة تثور بوساطته على عادات المجتمع وتقاليده، وترفضها، وتنتقم منها. ولم يرتق الاحتجاج إلى مرتبة الانقلاب على المجتمع لنيل حرّيّة المرأة ، بحيث يبدو الأمر صراعاً بين المرأة والمجتمع، أو تمرُّداً ذا نزوع فلسفيّ بين المرأة المتحدّية والمجتمع القاهر الظّالم. بل بدا الاحتجاج لطيفاً، تُطالب المرأة فيه بحقّها في الحبّ واختيار الزّوج وتعديل العادات الاجتماعيّة الخاصّة بالطّلاق، دون أيّ انفصال عن ثقافة هذا المجتمع وعقيدته، ودون أيّ رفض لمفاهيمه الثّقافيّة المهيمنة، وخصوصاً سيادة الأب والأخ والزّوج. ولهذا السّبب اتّسم الاحتجاج بالسّلاسة والفرديّة والرّغبة الرّوائيّة في رفض الظّلم، والعيش باحترام داخل الأسرة، واستشارة الفتاة في زواجها وحياتها.

2.المحدوديّة:

     ابتعدت الرّوائيّة الإماراتيّة عن الخوض في القضايا الاجتماعيّة والإنسانيّة الشّائكة، واكتفت بالمطالبة بقدر بسيط من الحرّيّة والاحترام، وقدر لطيف من رفض الظّلم. وهذا ما جعل الاحتجاج النّسويّ الرّوائيّ محدوداً، بعيداً عن أن يطرق باب العلاقات الجديدة والقديمة بين الرّجل والمرأة، فضلاً عن سكوته عن قضايا الحياة الجنسيّة، وعن العلاقات عبر الوسائط التّقنيّة، وعن سلوك المراهقات، وغير ذلك من أمور الحياة الاجتماعيّة العامّة والإنسانيّة الخاصّة في عصر العولمة.

3.رفض الدُّونيّة والرّضوخ:

     حرصت الرّوائيّة الإماراتيّة على التّعبير غير المباشر عن أنّ النّظرة الاجتماعيّة الدّونيّة للمرأة مرفوضة في المجتمع الإماراتيّ، ومرفوض أيضاً ما يرتبط بهذه النّظرة من (تهميش) و(رضوخ) لأوامر الرّجل وتقاليد المجتمع القديمة. وكأنّ الرّواية عند الرّوائيّة الإماراتيّة صرخة الاحتجاج التي حُجِبت نتيجة انفتاح المجتمع في الواقع الخارجيّ الحقيقيّ. إنّها صرخة الرّفض للقيم السّلبيّة، بغية بناء مجتمع إنسانيّ جديد خال من السّيطرة على المرأة، ومن الشّكّ في قدراتها ومشاعرها. هذه السّمة أبرز السّمات الإيجابيّة في الرّواية النّسويّة الإماراتيّة، ولعلّها السّمة التي سوَّغت البحث الرّوائيّ النّسويّ الإماراتيّ عن الذّات في روايتي أمنيات سالم (حلم كزرقة البحر)، وآمنة المنصوريّ (عيناك يا حمدة). بل هي نفسها السّمة الكامنة وراء السّؤال الرّوائيّ الصّعب الذي قدَّمته صالح غابش في (رائحة الزّنجبيل)، ومفاده: هل تختلف المرأة الإماراتيّة المتعلِّمة المثقَّفة عن الفتاة الإماراتيّة العاديّة في حقّ اختيار الرّجل في هذا المجتمع الآخذ بالحياة الحديثة؟.

     أحاول القول، في خواتيم الحديث عن قضيّة الاحتجاج النِّسويّ، إنّ المتغيِّرات الثّقافيّة والمادّيّة في المجتمع الإماراتيّ، أنتجت رؤيا جديدة للمرأة واجهت الرّؤيا الموروثة لها، ولكنّ هذه المواجهة بينهما لم تكن حادّة، بحيث تُنتج تمرُّداً نسويّاً، وانقلاباً على المفاهيم السّائدة، بل كانت مواجهة لطيفة، اكتفت بالاحتجاج على الظّلم والتّهميش والدّونيّة، ودعت بلطف إلى الحقوق الإنسانيّة للمرأة. صحيح أنّ هذه الرّؤيا الاحتجاجيّة تحتاج إلى مستوى فنّيّ أكثر رقيّاً، وإلى دراسات اجتماعيّة تُوضِّح الحال الحقيقيّة للمرأة في المجتمع الإماراتيّ، وتُبيِّن موقع الرّوايات منها، ولكنّ الصّحيح أيضاً أنّها رؤيا إيجابيّة، أنتجت في العقد الأوّل من الألفيّة الثّالثة غالبيّة الرّوايات النّسويّة، والأمل أن تُنتج قدراً آخر من الرّوايات النّسويّة التي تُرسِّخ الرّؤيا الإيجابيّة من خلال الفنّ الرّوائيّ.

شارك