قضيّة السِّيرة الرّوائيّة النِّسويّة الإماراتية

26 مارس

المؤلف: د. سمر روحي الفيصل (سوريا)

تحتاج السّيرة الرّوائيّة إلى تحليل فنّيّ يتّسم بالرَّيث والأناة، فضلاً عن المنهجيّة. فهي نوع روائيٌّ ماتع إنْ أُحْسِنتْ كتابتها، ونوعٌ روائيّ رديء إنْ سعتْ إلى المطابقة مع السّيرة الغيريّة أو السّيرة الذّاتيّة. ذلك لأنّ (السّيرة)، وهي كتابة أحداث الحياة الخاصّة، عنصر مشترك بين ثلاثة فنون، هي: فنّ السّيرة الغيريّة أو التّرجمة، وفنّ السّيرة الذّاتيّة، وفنّ السّيرة الرّوائيّة. بيد أنّ طبيعة هذا العنصر المشترك مختلفة بين الفنون الثّلاثة. ولا يرجع الاختلاف إلى أنّ كاتب السّيرة الغيريّة يتحدَّث عن حياة شخص آخر، وكاتب السّيرة الذّاتيّة يتحدَّث عن حياته الخاصّة، وكاتب السّيرة الرّوائيّة يتحدَّث عن حياة شخصيّة متخيَّلة، وإنّما يرجع الاختلاف في طبيعة العنصر المشترك إلى أمور أخرى أكثر عمقاً وتنوُّعاً وقدرةً على أن تجعل من كلّ فنّ من الفنون الثّلاثة نوعاً مستقلاً، يملك عناصر بنائه الخاصّة به وحدَه، وإنْ ضمَّ في الوقت نفسه إطاراً عامّاً، هو الحديث عن حياة إنسان ما.

     لقد تحدَّث أندريه موروا في كتابه (فنّ التّراجم والسِّيَر الذّاتيّة) ببساطة ووضوح عن أمر ذي بال من هذه الأمور، هو انتماء (السّيرة) إلى (العِلْم) بما يعنيه العِلْم من حرصٍ على الحقيقة التّاريخيّة للشّخصيّة التي نكتب سيرتها، في حين تنتمي (السّيرة الذّاتيّة) إلى الفنّ، بما يعنيه الفنّ من إبداع في حديث الكاتب عن حياته. وتساءل أندريه موروا عمّا إذا كان تحقيق المطلبين، العِلْم والفنّ، ممكناً في وقت واحد؛ لأنّ قلق الحقيقة ومتعة الجمال حاجتان متعارضتان، ولكنّهما قابلتان لقدر من (الصُّلح) إنْ أُحْسِنتْ كتابة كلٍّ منهما. وأظنّ أنّ الرّواية هي فنّ (الصُّلح) في هذه الحال؛ لأنّها تُقدِّم لنا إبداعاً فنّيّاً ماتعاً مؤثِّراً يُجسِّد الحقيقة التّاريخيّة بوساطة الحديث عن شخصيّة متخيَّلة.

     ثمّ إنّ السّيرة الرّوائيّة تمتاز من (السّيرة الغيريّة) و(السّيرة الذّاتيّة) بأمر آخر ذي أهمّيّة، هو أنّ السّيرة الغيريّة لا تجاوز، مهما تكن مبدعة، الحديث عن الأحداث الخارجيّة الكبرى التي مرَّتْ بالمترجَم له. و(السّيرة الذّاتيّة) لا تجاوز، مهما تكن مبدعة، الحديث عن المعالم الكبرى في حياة صاحبها؛ لأنّها غير قادرة على الجمع بين الإحاطة بالأحداث العامّة والإحاطة بالأحداث الخاصّة. أمّا الرّواية فهي قادرة على تجسيد الأمرين معاً؛ لأنّها ترصد الحياة الدّاخليّة للشّخصيّة المتخيَّلة، وترصد في الوقت نفسه علاقاتها بالأحداث في المجتمع الرّوائيّ. ولعلّ هذا الأمر هو المعيار الفنّيّ لنجاح السّيرة الرّوائيّة أو إخفاقها. فإذا قَدَّمت الشّخصيّة بصدق فنّيّ حياتها الخاصّة وارتباطها بالحياة المحيطة بها نجحت في تقديم سيرة روائيّة، وإلا فإنّ إخفاقها يُقاس بجنوحها إلى المباشرة بدلاً من الفنّ الذي يوفِّر لها الصّدق الفنّيّ، أو بفقدانها الارتباط بالمجتمع المحيط بها في الرّواية، أو بالاثنين معاً.

     أعتقد، استناداً إلى ذلك، أنّ فاطمة المزروعيّ سعت في روايتها الأولى (زاوية حادّة) إلى كتابة هذه السّيرة الرّوائيّة، ولكنّها قدّمت في روايتها الثّانية (كمائن العتمة) سيرة روائيّة أكثر جمالاً وارتباطاً بالمعيار الفنّيّ. ووضعت، في الرّوايتين معاً، لبنة في صرح السّيرة الرّوائيّة العربيّة عموماً، والسّيرة الرّوائيّة النِّسويّة الخليجيّة خصوصاً. ذلك أنّ الرّواية العربيّة تشهد الآن نوعاً من الارتداد عن الرّواية الغيريّة التي تعالج قضايا المجتمع، كالمرأة والقهر والفقر والتّفاوت الاجتماعيّ، تبعاً للشّعور العامّ بأنّ الأحلام العربيّة قد انكسرتْ، وأنّ الهزائم حلّتْ محلّ الانتصارات. وقد عزَّز الانفتاح على العالم، نتيجة العولمة وتقنيّات الاتّصال الحديثة، هذا الشّعور العامّ، فلجأ الرّوائيّون إلى (الذّات)، وراحوا يبحثون عن مشاعرها وأفكارها ونوازعها، وكأنّها وحدَها هي العالَم الرّوائيّ. ويُخيَّل إليَّ أنّ الرّواية النِّسويّة الخليجيّة فرحت بهذا الاتّجاه إلى (سرد الذّات)؛ لأنّه يسمح لها بالتّعبير عن الموقف الفرديّ من النّوازع النِّسويّة. ويهمّني، هنا، القول إنّ الرّواية النّسويّة الإماراتيّة لم تكن بعيدة عن هذا الاتّجاه العامّ إلى كتابة (السّيرة الرّوائيّة)، وإنّما كانت حريصة عليه كما تشير إلى ذلك روايات صالحة غابش ورحاب الكيلانيّ وفتحيّة النّمر وفاطمة المزروعيّ. ولعلّ الحديث عن (السّيرة الرّوائيّة) عند فاطمة المزروعيّ يخدمنا في الاطّلاع على لون من ألوان السّيرة الرّوائيّة النِّسويّة الإماراتيّة يختلف عن اللّون الخاصّ بتمرُّد الزّوجات، وهو اللّون الذي قدَّمتْه رحاب الكيلانيّ في (تثاؤب الأنامل)، وفتحيّة النّمر في روايتيها (السّقوط إلى أعلى) و(للقمر وجه آخر).  

أوّلاً: من زاوية حادّة إلى كمائن العتمة

     لا يشكُّ قارئ روايتي (زاوية حادّة) و(كمائن العتمة) في أنّ هاتين السّيرتين الرّوائيّتين تقودان إلى رؤيا واحدة، هي بقاء الأفق مسدوداً أمام الفتاة مادامت تربيتها الأُسريّة تقليديّة، لا تؤمن بالرّغبات الفرديّة، ولا تمنح الحرّيّة، ولا تقضي على التّناقض في السّلوك، وإنّما تُرغِم الفتاة على أن تكون نسخة من والديها. وقد اختزلت فاطمة المزروعيّ هذه الرّؤيا في مقولة (الواقع المعتم) الذي تعيش فيه الفتاة. ثمّ جسَّدت هذه المقولة في سيرتين لفتاتين تبدوان مختلفتين أوّل وهلة؛ لأنّ الأولى تعيش في أسرة ممتدَّة صارمة، والثّانية تعيش في أسرة ممتدَّة غير صارمة ولكنّها تتّصف بالتمييز بين أولادها. بيد أنّ إنعام النّظر في هاتين السّيرتين الرّوائيّتين يقود القارئ إلى أنّ فاطمة المزروعيّ رغبت في أن تجعل التّباين الأُسَريّ يؤدّي إلى نتيجة واحدة مادام تقليديّاً. ومن ثَمَّ كانت لدينا سيرتان متقابلتان، قدَّمت الأولى منهما، وهي (زاوية حادّة)، سيرة الطّفولة والبدايات الأولى للمراهقة، وقدَّمت الثّانية، وهي (كمائن العتمة)، سيرة المراهقة ومرحلة الشّباب الأولى، وكأنّ السّيرتين المتقابلتين سيرة واحدة، تبدأ الثّانية من حيث انتهت الأولى، أو تتابع الثّانية حياة الأولى لتُقدِّم للمتلقّي رؤيا واحدة دلَّ عليها (الواقع المعتم) الذي عاشت الفتاتان فيه.

    ما الواقع المعتم الذي عاشت الفتاتان فيه؟. إنّه، ببساطة، الواقع الدّاخليّ الذي صنعته التّجربة الفرديّة في الأسرة التّقليديّة،؛ واقع الأسئلة التي تطرحها الحياة على الفتاة ابتداءً من طفولتها وانتهاءً بشبابها، دون أن يُعينها الواقع الخارجيّ المحدود الذي تتحرَّك فيه على الإجابة عنها، سواء أكان هذا الواقع الخارجيّ ضاغطاً كما هي الحال في (زاوية حادّة)، أم غير ضاغط كما هي الحال في (كمائن العتمة). فأمُّ السّاردة في الرّواية الأولى مريضة تضرب ابنتها وتُعذِّبها وتُهينها، فتدفعها إلى التّقوقع داخل ذاتها، وإلى العزلة عن الآخرين. وأمُّ السّاردة (سارة) في الرّواية الثّانية متديِّنة حنون معجبة بابنتها، ترعاها وتُشجِّعها وترغب في أن تُصبح داعية مثلها، ولكنّها تغفل عن أنّها تميّزها من أخواتها فتجعلهنَّ ينقمن عليها، كما تغفل عن نوازع المراهقة ورغباتها وأسئلتها، فتدفع ابنتها إلى إخفاء تجاربها مع الفتيات والفتيان، وتقودها إلى عقوبة الحبس داخل غرفتها حين علم والدها بعلاقتها بسعد، وهو الذي ظنَّ أنّها تسلك سلوك والدتها المتديِّن.

     لقد عزَّزت فاطمة المزروعيّ الواقع المعتم بالتّركيز على تجربة صاحبتي السّيرتين في الحياة، فجعلت التّجربة المحدودة حافزاً إلى هذا الواقع المعتم الذي جُسِّد في الرّوايتين بالعزلة والتّقوقع داخل الذّات. فالسّاردة في (زاوية حادّة) تنظر إلى الشّارع وما يجري فيه من خلال ثقب في باب (الكراج)، وسارة السّاردة في رواية (كمائن العتمة) تنظر إلى الشّارع والمنازل من خلال نافذة غرفتها. ويبدو الثَّقب والنّافذة رمزين لمحدوديّة تجربة السّاردتين، ولجهلهما بما يعتمل في الواقع الخارجيّ. ولهذا السّبب أصبح الواقع الخارجيّ مصدر الخوف عندهما؛ لأنّهما لا تُحسنان الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها عليهما. فلكلّ صديقة من صديقات المدرسة والجامعة قصّة وتجربة، هي قصّة البلوغ وتجربة العلاقة بالشُّبّان، وقصّة السّرقات من دكّان البقّال وتجربة (الجنس) والاعتداء والشّذوذ والخِتان، وغير ذلك من قصص وتجارب بقيت في دخيلة السّاردتين، وأسهمتْ في تشكيل واقعهما المعتم وعزلتهما وتناقض شخصيّتهما.

ثانياً: من السّيرة إلى الفنّ

     تثير السِّيَر الرّوائيّة، عادةً، سؤالاً تسهل الإجابة عنه، هو: هل السّيرة الرّوائيّة غطاء للسّيرة الذّاتيّة للرّوائيّ أو الرّوائيّة؟. المعروف أنّ تدوين كلمة (رواية) على الغلاف الخارجيّ يُلغي هذا السّؤال. فكلمة (رواية) ميثاق سرديّ يُعلنه الرّوائيّ، ويقول للمتلقّي والنّاقد بوساطته إنّ هذا الكتاب رواية وليس سيرة ذاتيّة، ومن الواجب الأدبيّ أن تنظر، أيُّها المتلقّي النّاقد، إلى السّيرة التي يُقدِّمها الكتاب على أنّها فنّ مُتخَيَّل وليست سرداً لحوادث حقيقيّة. قد تضمّ السّيرة الرّوائيّة بعضاً من حياة كاتبها، ولكنّ هذا الأمر يبقى احتمالاً ما دامت السّيرة الذّاتيّة للكاتب غير منشورة. ولو كانت كذلك لاستطاع النّاقد مقارنتها بالسّيرة الرّوائيّة، وتحديد الائتلاف والاختلاف بينهما. وهذا الأمر يصدق على روايتي فاطمة المزروعيّ. فقد صرَّحتْ بانتماء نصّيها إلى (الرّواية)، ولم تقل إنّهما سيرتان ذاتيّتان لها. ولا تنفع في تغيير هذا الحُكْم أيّة محاولة لالتقاط التّفصيلات الصّغيرة التي تكرَّر ذِكْرُها في النّصّين، من نحو الإشارات إلى أنانيّة السّاردتين، ولجوئهما إلى الحمّام، واختبائهما تحت اللّحاف، وخجلهما وعيشهما في قوقعة، وتصريحهما بأنّ عزلتهما هي عتمتهما، وغياب والديهما، وغير ذلك من التّفصيلات المشترَكَة التي يطالعها المتلقّي ويرغب في تفسير ورودها في السّيرتين على أنّه دليل على الأمور المستمَدَّة من الحياة الحقيقيّة لفاطمة المزروعيّ. وهذا غير دقيق وإنْ ثبتتْ صحّتُه. ذلك أنّ الرّواية الأولى لأيّ كاتب تضمّ بعضاً من التّفصيلات والحوادث التي مرَّ بها في حياته، ولكنّها، عادةً، لا تجتمع في شخصيّةً من شخصيّات روايته، وإنّما تتوزَّع بين الشّخصيّات، وتبقى هامشيّة بالقياس إلى الحوادث والتّفصيلات المتخيَّلة. والأمر نفسه أكثر وضوحاً في السّيرة الرّوائيّة. فقد تضمّ تفصيلات حقيقيّة وحوادث مرَّتْ بالرّوائيّ صاحب السّيرة الرّوائيّة، ولكنّها تبقى هامشيّة في حياة الشّخصيّة الرّوائيّة بالقياس إلى التّفصيلات والحوادث المتخيَّلة المسرودة عنها في السّيرة الرّوائيّة.

     هذا يعني أنّ فاطمة المزروعيّ قدَّمتْ روايتين في زمنين متقاربين (2009 و2012)، كانت فيهما راغبة في اللّجوء إلى فنّ السّيرة الرّوائيّة. ولعلّها أنهت الرّواية الأولى (زاوية حادّة) دون أن تشعر بأنّها عبَّرت تعبيراً شاملاً عن الرّؤيا التي رغبت في طَرْحها، فكتبتْ سيرة روائيّة أخرى أكثر تماسكاً وجمالاً وإنْ ضمَّتْ بعض التّفصيلات التي ذكرتْها في السّيرة الرّوائيّة الأولى. والمهمّ، قبل ذلك وبعده، أن نلاحظ التّعبير الفنّيّ عن السّيرتين؛ لأنّ هذا التّعبير هو الذي يجعل السّيرة مقروءة باقية ماتعة مؤثِّرة. ولعلّ النّقطتين الآتيتين تُوضِّحان أبرز ما يضمّه الجانب الفنّيّ في هاتين السّيرتين:

1.زمن السِّيرة الرّوائيّة:

     أعتقد أنّ (الزَّمن) أبرز الجوانب الفنّيّة في السّيرتين. ذلك أنّ فاطمة المزروعيّ لم تلجأ إلى (الزّمن التّاريخيّ) الممتدّ من ماضي السّاردتين إلى حاضرهما الرّوائيّ، وإنّما قدَّمت أنساقاً زمنيّة متداخلة، لا تجري على نظامٍ غيرِ نظام (الذّاكرة). فقد بدأتْ (كمائن العتمة) من الحاضر السِّيريّ؛ حاضر وجود السّاردة سارة حبيسة غرفتها، وانتهتْ بها وهي حبيسة غرفتها، وكأنّها في الهيكل الزّمنيّ العامّ لكمائن العتمة لجأتْ إلى الأسلوب الدّائريّ المعروف في القصّة والرّواية. ولكنّها راحتْ، بين البداية والنّهاية، تتلاعب بالزّمن فتروي ما حدث لها في المنْزل ثمّ تغادره إلى شيء حدث لها في الجامعة، ثمّ تنتقل من الجامعة إلى مرحلة دراستها المتوسِّطة، فالمراهقة. قد تعود إلى المنْزل بعد صفحات، وقد تبقى في الجامعة صفحات، ولكنّها في الحالات كلّها لا تسرد مراحل حياة السّاردة سارة سرداً مرتَّباً زمنيّاً من الماضي إلى الحاضر. ونلاحظ الأمر نفسه في رواية (زاوية حادّة). فالسّاردة تتحدَّث عن حياتها في المنْزل ثمّ تنتقل إلى المدرسة، فالشّارع، فأحاديث جدّها، ومرض والدتها، وصديقاتها، دون ترتيب، ودون أن تتابع حدثاً إلى نهايته، ثمّ تنتقل منه إلى حدث آخر. وهذا التّلاعب في الزّمن السِّيريّ بعثر الحوادث، وقدَّمها بحسب نظام الذّاكرة، ثمّ ترك المتلقّي يلهث وراءها ليعرف خواتيمها. ونتج عن هذا التّلاعب قَدْرٌ من التّشويق تفاوَتَ بين السّيرتين. إذ بدا في (زاوية حادّة) مقبولاً، ولكنّه ارتقى في (كمائن العتمة) فأصبح أكثر إمتاعاً وقدرة على حَفْز المتلقّي إلى متابعة القراءة.

     ولا أشكُّ في أنّ التّلاعب بالزّمن يحتاج إلى نظام مُقْنِع للمتلقّي؛ لأنّه ليس عشوائيّاً، ولا يمكن أن يكون كذلك ما دام منتمياً إلى الفنّ. ولقد أشرتُ، من قبل، إلى أنّ فاطمة المزروعيّ اعتمدت نظام (الذّاكرة) معياراً للتّلاعب بالزّمن السِّيريّ. ويستطيع المتلقّي التّدقيق في آثار هذا النّظام من تكرار الألفاظ الدّالّة عليه، سواء أكانت أفعالاً (أذكر، أتذكَّر) أم أسماء (الذّاكرة، ذاكرتي). ولكنّ المهمّ في أثناء التّدقيق الانتباه إلى أنّ الذّاكرة غير منطقيّة، فهي لا تستدعي الحوادث مرتبطةً بأسبابها، متسلسلة يأخذ بعضها برقاب بعض، مترابطة، وإنّما تستدعيها دون أن تكون مرتبطة بأسبابها، أو متسلسلة، أو مترابطة؛ أي أنّها تستدعيها وهي تفتقر دائماً إلى المنطق، وكأنّ اللامنطق في تقديم الحوادث هو منطق السّيرة. وهذا كلّه واضح من عدم التّرابط بين الحوادث المسرودة في السّيرتين، فالسّابق لا يقود إلى اللاحق، والبداية ترد في الوسط، والنّهاية تتقدَّم وتتجزّأ وتتداخل.

     وإذا كان اللامنطق منطقاً للتّلاعب بالزّمن السِّيريّ، فإنّ الاستناد إليه لا يعني عشوائيّة الفنّ السِّيريّ الرّوائيّ، وإنّما يعني الاحتكام إلى اللامنطق في تقديم حوادث منطقيّة دالّة. ومن هذا الجانب بدت (كمائن العتمة) أكثر جمالاً من (زاوية حادّة). فالتّكرار غير الدّالّ لبعض الحوادث في (زاوية حادّة)، كمرض أمّ السّاردة، وأحاديث الجدّ وحكاياته، والسّرقة من دكّان البقّال، لم يخدم التّشويق في سيرة السّاردة، ولا الإقناع في الحوادث، وإنّما دفع بهما إلى مراتب دنيا في السّيرة الرّوائيّة. والعكس صحيح في الرّواية الثّانية (كمائن العتمة). فالحوادث في السّيرة مبعثرة، ولكنّها متكاملة في الدّلالة. وهذا التّكامل أضفى على سيرة (سارة) التّماسك الذي ارتقى بالتّشويق إلى مراتب عليا.

2.منطق السّيرة الرّوائيّة:

     هناك منطق آخر في السّيرة الرّوائيّة غير المنطق الزّمنيّ، هو وعي الشّخصيّة السّاردة. ذلك أنّ حوادث السّيرة في (زاوية حادّة) انصرفت في الغالب الأعمّ إلى مرحلة الطّفولة. ولا بدَّ في هذه الحال من انسجام الحوادث المسرودة مع وعي الطّفولة. وقد كانت كذلك لولا بعض الهنات التي تكرَّرت في (كمائن العتمة) على الرّغم من أنّ هذه الرّواية انصرفت في الغالب الأعمّ إلى مرحلتي المراهقة والشَّباب. والمراد بوعي الشّخصيّة السّاردة أن يكون سَرْدُ الحوادث التي تقع للشّخصيّة نابعاً من مرحلتها، معبِّراً عنها. فإذا انصرف السّرد إلى الطّفولة فإنّه مطالب بأن تلتزم الحوادث المسرودة عن الشّخصيّة بمنطق الطّفولة ووعيها. ولكنّ فاطمة المزروعيّ أشارتْ، غير مرّة، إلى أنّها تسرد انطلاقاً من الحاضر، ولا تسرد حوادث الماضي انطلاقاً من وعي الماضي نفسه. فهي تقول في الصّفحة الأولى من السّيرة: (ما أذكره اليوم)، وبعد صفحات تُحدِّد عمرها بأنّه سبعة وعشرون عاماً. وإذا كانت إشارتها إلى فِعْل التَّذكُّر دليلاً شكليّاً على لجوئها إلى نظام الذّاكرة، وهو نظام ضروريّ في السّيرة الرّوائيّة، فإنّ إشارتها إلى العُمْر ليست كذلك؛ لأنّها دليل على أنّها سَرْدها حوادث الماضي جرى بوعي الحاضر، وحمل معه تقديم الحوادث الماضية بالوعي نفسه. ويمكن توضيح ذلك بالإشارة إلى علاقة السّاردة بسعاد في (زاوية حادّة). فالسّاردة لم تبلغ بعدُ مبلغ النِّساء، في حين بلغتْ سعاد وحاولت الاقتراب جنسيّاً من السّاردة، فقالت السّاردة: (كان المشهد أكبر من مخيّلتي في ذاك الوقت)، كما علَّقتْ بعد سؤالها عن غزارة معلوماتها قائلة: (كانت تجيب ببساطة متناهية وبعقليّة طفل). فالسّاردة في العبارة الأولى انطلقتْ من الحاضر حين حدَّدت زمن السّرد بأنّه (في ذاك الوقت)، وحين سردت الحوادث الماضية بوعي الحاضر استناداً إلى التّحديد نفسه. أمّا العبارة الثّانية فدلّتْ على أنّ كبيرة هي التي تحكم على إجابات سعاد، وهذا الأمر يجافي منطق الشّخصيّة التي لم تبلغ مبلغ النّساء بعد. قُلْ مثل ذلك في إشارات أخرى، من نحو: (التي ظهرت في الوقت الحالي)، و(تلك الحادثة مرّ عليها خمسة وعشرون عاماً). فهذه الإشارات يحسن حذفها؛ لأنّها قادتْ غالباً إلى سرد الماضي بمنطق الحاضر، وهذا النّوع من السّرد يجافي فنّ السّيرة المعتَمِد دائماً على إقناع المتلقّي بمنطق الشّخصيّة في مرحلتها العُمْريّة. ولعلّ لجوء السّاردة إلى الأسلوب الدّائريّ في (كمائن العتمة) هو الذي أنقذها من ارتباط الإشارات الزّمنيّة بمنطق الشّخصيّة، فأصبحت لفظة (الآن) التي تكرّرت كثيراً مقبولة لا تجافي منطق الشّخصيّة السّاردة، ولا وعيها في أثناء السّرد.

**

     لا أشكُّ في خواتيم الحديث عن السّيرة الرّوائيّة أنّ فاطمة المزروعيّ تملك أسلوباً سرديّاً تصويريّاً ماتعاً، يشدّ المتلقّي إليه، ويحفزه إلى متابعة القراءة. ولكنّني أعتقد أنّ هذا الأسلوب الجميل وُظِّف في دائرة السّيرة الرّوائيّة وحدَها، وهي دائرة ضيِّقة لا تسمح، كالرّواية الغيريّة، بتعدُّد الرؤى والشّخصيّات والمواقف والصّراعات.

شارك