البدايات الروائية النسوية الإماراتية/ هدى سرور

26 مارس

المؤلف: د. سمر روحي الفيصل (سوريا)

     رواية (الياه) هي الرّواية الأولى لهدى سرور، وهي بداية إنتاجها الأدبيّ الذي أتوقَّع له النّجاح والسَّيرورة؛ لأسباب سأذكرها بعدُ، مور سأذكرها أمور سأذكرها  ولكنّ هذه البداية التي قدَّمتْها هدى سرور ليست نقيّة صافية، إنّما هي مَعْرِض ضمّ حسنات البدايات الرّوائيّة النِّسويّة الإماراتيّة وسيِّئاتها. ويمكنني القول، بتعبير آخر،، إنّ رواية (الياه) جمعت كلَّ ما لاحظتُه في البدايات الرّوائيّة النِّسويّة الإماراتيّة، سواء أكان إيجابيّاً أم سلبيّاً. وتوضيح هذا الحُكْم يحتاج إلى تحليل رواية (الياه) نفسها من جانبي الحسنات والسّيِّئات. وعلى الرّغم من أنّ إجراءات التّحليل ستتقيَّد بذلك، فإنّني أعتقد أنّ مَنْ يقرأ رواية (الياه) التي بلغت اثنتين وخمسين وأربعمائة صفحة سيكتشف أموراً أخرى، رأيتُ من المفيد الإشارة إليها في خاتمة التّحليل.  

1.حسنات البدايات:

     هناك حسنات كثيرة في رواية (الياه)، تنم كلّها على شيء واحد، هو توافر القدرة الإبداعيّة التّخييليّة لدى هدى سرور، وهي قدرة تؤهِّلها للسَّيْر في طريق الرّواية الشّائك، وتسمح لها بالتَّقدُّم درجات فيها. وليس من الهيِّن الإحاطة بهذه القدرة الإبداعيّة التّخييليّة، ولكنّني أعتقد أنّ هناك نوعين من الحسنات الرّوائيّة؛ نوعاً ثابتاً مستمرّاً لا يتغيَّر بين رواية وأخرى، ونوعاً خاصّاً برواية (الياه) وربّما تكرَّر في رواية أخرى.

أ.الحسنات الرّوائيّة الثّابتة:

     أعتقد أنّ هدى سرور تملك حسنات روائيّة ثابتة تُعينها على الاستمرار في الكتابة الرّوائيّة، وتساعدها على التّفوُّق فيها. وهذه الحسنات هي مكوِّنات قدرتها الإبداعيّة في الحقل الرّوائيّ، وإن لم تكن المكوِّنات الوحيدة فيها، وهي:

·       إتقان الحُبْكة الرّوائيّة:

     انطلقتْ رواية (الياه) مكانيّاً من الفجيرة، ثمّ انتقلت إلى دبي، ومن دبي انطلقت إلى مومباي فحيدر آباد، ثم عادت إلى دبي. وتكرَّرت دائرة الرّحلة المكانيّة نفسها تقريباً ما عدا حيدر آباد التي لم ترجع الحوادث الرّوائيّة إليها ثانية. أمّا الزّمن الرّوائيّ فغير محدَّد بدقّة في الرّواية، لكنّه لا يغادر مرحلة ما قبل الاتّحاد بين الإمارات. وقد جرت حوادث رواية (الياه) لهدى سرور في هذا الزّمن الغائم، وفي تلك الأمكنة المتعدِّدة، وهي حكاية طويلة متشّعبة إلى حكايات، أرى من المفيد للحديث عن إتقان الحُبْكة تلخيص خيوطها الرّئيسة على النّحو الآتي:

     الرّواية هي حكاية (منصور ونيلوفر). فقد تزوّج منصور (مريم) التي يحبها، ولكنّها ماتت، فعاف مباهج الدّنيا. ثمّ استقامت أموره، فعمل في حرس الحدود، وسافر مع صديقيه علي وسعيد إلى حيدر آباد في الهند، حيث تزوّج (نيلوفر) التي رآها وحيدة مظلومة جميلة. عاد منصور بنيلوفر إلى دبي، وكان يسكن منطقة منعزلة قريبة من مكان عمله، ونيلوفر لا تعرف العربيّة، لكنّها ذكيّة توّاقة إلى التَّعلُّم، وترغب في أن تُصبح طبيبة. تعطف على قطّ طرق باب منْزلها فتطعمه، فإذا هو جنّيّ قزم يُطلعها على عوالم جميلة، ويُسلّيها. وحين يعود زوجها يختفي. وعندما حملت أطعمها فواكه مسمومة لتُجهض وتبقى منصرفة إلى اللّهو معه، وتكرَّر الأمر نفسه في حملها الثّاني، وعرفتْ سبب إجهاضها في حملها ثالث مرّة، وقبل أن تقطع علاقتها بالجنيّ القزم، طلب منها السَّماح، وأعرب عن ندمه في أن ينفرد بحبّها، وأهدى لها حجراً من الألماس الخامّ تعبيراً عن ندمه، وأخبرها بأنّ هذا الحجر سيعوِّضها عن إساءته إليها، ثمّ مات. استمرّت الحكاية، فإذا نيلوفر الطموح تتعلّم، وتبحث عن أسرة والدها الانكليزيّ، فتتعرّفها، وتزور لندن، وتحصل على إرث والدها، وتدرس الطبّ، وتنجب ولدين. أمّا زوجها منصور فتتحسّن تجارته، وتقوى شركته بعد شرائه حصّتي شريكيه الانكليزيّين بمال نيلوفر الذي ورثته من أبيها، وبقي شريكاً وفياً لسيف السنيدي الذي كان له فضل قبوله شريكاً معه أوّل الأمر. ولكنّ شريكه سيف السنيديّ يموت بعد أن يوصيه بزوجته وأولاده خيراً، فتستميله زوجة شريكه، فيتزوّجها، ويترك نيلوفر دون أن يُطلِّقها، كما يتركها خادمها مفتاح وزوجته سنونة بعد أ، يسرقا مجوهراتها. تذهب نيلوفر مع ولديها إلى لندن بعد معاناتها من شظف العيش في أثناء التَّعلُّم وتربية الولدين، وتعيش هناك وتُكمل تعليمها ودراستها الطب. وعندما تسمع بحادث سيّارة جرى لمنصور تعود إلى دبي، وتداويه على حسابها، وتصحبه للعلاج في لندن، حتّى يستعيد عافيته، وتعود الأسرة إلى حالها السّابقة، ويكبر الأولاد ويتزوّجون وينجبون. 

     يشير التّلخيص السّابق إلى حوادث كثيرة متداخلة في رواية (الياه)، ولكنّ إنعام النّظر يقودنا إلى أنّ هناك حكاية واحدة، هي حكاية منصور ونيلوفر، تتفرَّع منها ستُّ حكايات، هي:

-       حكاية منصور ومريم.

-       حكاية منصور ونيلوفر

-       حكاية جهل نيلوفر وسعيها إلى التّعلُّم.

-       حكاية أمّ نيلوفر وأبيها وأسرة أبيها.

-       حكاية نيلوفر والجنيّ القزم.

-       حكاية الخادمين مفتاح وزوجته سنونة.

     كلّ حكاية من الحكايات السّابقة فيها شخصيّات وأمكنة وزمان ومكان ومآل وارتباط بالحكاية الأساسيّة؛ حكاية منصور ونيلوفر التي شكَّلت بؤرة الرّواية. ليس هذا فحسب، إنّما هناك خطوط أفقيّة تتقاطع مع الحكايات الفرعيّة السّابقة، كخطّ العيادة والدّكتورة سروج، وخطّ التّعليم والدّكتور أيوب، وخطّ المنْزل المنعزل والتّسلية فيه مع الجنيّ القزم، وخطّ الزّواج من هنديّات وحكاية علي وسعيد ومنصور. كما أنّ هناك خطّين أفقيّين في الرّواية هما:

-       خطّ التّراجع الخاصّ بمنصور، إذ بدأ محبّاً عطوفاً مكافحاً، ثم تراجع بعد غناه فتخلّى عن زوجته نيلوفر التي أحبّته وساعدته ماليّاً، وتزوّج غيرها، وبقي كذلك حتّى استعادته نيلوفر إثر حادث السّيّارة.

-       وخطّ التّقدُّم الخاصّ بنيلوفر التي بدأت جاهلة وحيدة مظلومة جميلة، واستمرّت في تقدُّمها، فتعلّمت حتّى أُصبحت طبيبة، وتزوّجت مَنْ أحسن إليها وبقيت وفيّة له، وبحثت عن أسرة أهلها، واتّصلت بها، وحصلت على إرث أبيها، فتحسَّنت أحوالها المادّيّة. وبقيت تتقدَّم، فساعدت زوجها الذي تخلّى عنها، وداوته حتّى شُفي، ونجحت أخيراً في المحافظة على  أسرتها سعيدة؛ حتّى تزوّج أبناؤها وأنجبوا.

     إنّ الحكاية المركزيّة في رواية (الياه)؛ حكاية منصور ونيلوفر، تفرَّعتْ إلى حكايات، وتقاطعتْ مع خطوط أفقيّة عدّة، فكثرت الشّخصيّات في الحكاية الرّوائيّة، وتعدَّدت الحوادث، وامتدّت الأمكنة والأزمنة. وهذا كلّه أمر مربك للرّوائيّ، بل هو أمر يدفع الرّواية إلى التّفكك وفقدان الصِّلة بين الحوادث والشّخصيّات والأزمنة والأمكنة فيها. ولكنّ هدى سرور استطاعت تقديم حُبْكة روائيّة ضبطت ذلك كلّه، وربطته بخيط واحد شائق، لم يفلت منه غير شيء قليل، هو خطّ العلاقة الزّوجيّة بين الرّجل العربيّ والفتاة الأجنبيّة. ومن ثَمَّ قدَّمت هدى سرور رواية طويلة شائقة، لا يتركها القارئ قبل فراغه من قراءتها. فكيف أجادت هدى سرور بناء هذه الحُبكة؟.

    الحُبْكة هي ترتيب الحوادث في الرّواية، بحيث تُصبح الرّواية نسيجاً يقوى أو يضعف بحسب قدرة الرّوائيّ على تمتين النَّسْج، وتوفير التّشويق. وهذا ما جعل بعضهم يقول إنّ الحبكة هي الرّواية؛ وهو يقصد أنّ قوّة الرّواية تكمن في قوّة حبكتها. وقوله صحيح هنا؛ لأنّ قوّة رواية (الياه) نابعة من قوّة حبكتها، بحيث إنّني لا أشكّ في أنّ هدى سرور استندت، بعد توافر الموهبة لديها، إلى أمور صناعة الحُبْكة، وأبرزها لديها: المخيِّلة النَّشطة، والذّاكرة الرّوايّة، والرَّبط المحْكَم بين الحوادث، والقدرة الوصفيّة، والموضوعيّة الرّوائيّة، وغزارة المعلومات. وسأتحدَّث، بعدُ، عن بعض هذه الأمور حديثاً خاصّاً، وأكتفي هنا بالأمور الثّلاثة الآتية؛ لأنّها أكثرها قُرباً من الحبكة وأشدّها تأثيراً فيها.

-       المخيِّلة النَّشِطة:

     تتمتَّع هدى سرور بمخيِّلة نشطة، سمحت لها بابتداع حكاية الجنّيّ القَزَم الذي أحبّ نيلوفر؛ لأنّها عطفت عليه حين ظنّته قطّاً، فأدخلته منْزلها وأطعمته. بدأت حكاية نيلوفر مع الجنّيّ بأن خبّأتْ عن زوجها أمره؛ لاعتقادها أنّ الأمر كلّه لا يجاوز التّسلية. إذ كانت تشعر بالوحدة في المنّزل بعد ذهاب منصور إلى عمله، فأتى الجنّيّ يسلّيها، ويجعلها ترى أماكن جميلة لم ترها من قبلُ. أمّا الجنّيّ فقد أحبّ نيلوفر كحبّه أمّه، وراح يعمل على تسليتها، وحين عرف أنّها ستنجب، وسيكون ولدها محلَّ رعايتها بدلاً منه أطعمها فاكهة مسمومة فأجهضتْ، وكرَّر عمله عندما حملتْ ثانيةً. ولما حملتْ نيلوفر ثالثةً أدركت أنّ سبب إجهاضها هو الجنّيّ، فغضبت منه، وانفصلت عنه، وحين التقته آخر مرّة كان في النَّزع الأخير من حياته، يبكي ندماً، ويرجو من نيلوفر المغفرة. وقد أهدى إليها حجراً كبيراً من الألماس الخام، تعويضاً لها عمّا فعله بها. وقد أفادتْ نيلوفر من هذا الحجر حين تحطَّم منصور بحادث السّيّارة، إذ كانت في حاجة إلى مال وافر من أجل علاجه، فباعت الحجر، وداوت منصور بثمنه. أي أنّ الجنّيّ وفى بوعده، فأنقد بقيمة الحجر الألماسيّ زوج نيلوفر تعويضاً لها عن ابنيها.

     بدأت حكاية نيلوفر والجنّيّ وانتهت في الرّواية دون أن يعلم أحد بها، ولكنّ هذه الحكاية خيال محض، جاءت بها مخيِّلة هدى سرور إلى الرّواية وتركتها فيها بعيدة عن عِلْم منصور وغيره؛ لأنّ أثرها سيظهر لاحقاً في الرّواية، وكأنّ مخيِّلة هدى سرور النَّشِطة هي التي قادتها إلى ابتداع حدث خياليّ، وإلى إبقاء هذا الحدث سرّاً بين الجنّيّ ونيلوفر؛ لأنّ له عملاً يؤدّيه في مستقبل الرّواية. ولو كُشِف أمر الجنّيّ لما كان للحكاية الخاصّة به أيّ تأثير إيجابيّ في الرّواية. وهذا يعني أنّ مخيِّلة هدى سرور لم تبتدع حكاية خياليّة فحسب، إنّما زجّت بها في الحدث الرّوائيّ، وسمحت لها بشيء آخر، هو مخالفة توقُّع القارئ. إذ إنّ القارئ كان يتوقَّع لهذه العلاقة السِّرّيّة أن تنتهي بكارثة تنهال على رأس نيلوفر نتيجة علاقتها بالجنّيّ. غير أنّ مخيِّلة هدى سرور النّشطة جعلتها تُبقي العلاقة سرّيّة، وتُبقي الجنّيّ أليفاً يحبّ صادقاً ويبكي نادماً، يُخطئ ويُعوِّض عن خطئه. ومن ثَمَّ خالفت حكاية نيلوفر والجنّيّ توقُّعات القارئ، وبقيت متّصلة بالحدث الرّوائيّ، عاملة على تغذية حبكته بأسباب القوّة؛ لقدرتها على تمتين النَّسيج الرّوائيّ، وتوفير قَدْر من التّشويق فيه، فضلاً عن أنّها حكاية خياليّة تستجيب لنوازع القارئ التّوَّاق إلى التّحليق فوق الواقع.

     إنّ مخيِّلة هدى سرور النّشطة التي حلَّقت فوق الواقع، فأبدعتْ علاقة خاصّة غير ضارّة بين امرأة وجنّيّ، لم تجنح بالحكاية إلى الخرافة، إنّما أبقتها مرتبطة بالواقع، عاملةً على أن تكون حلاً من حلول مشكلاته، وسبباً من أسباب التّشويق فيه. وهذا ما جعل هذه العلاقة جزءاً من التّخييل الرّوائيّ، وإنْ جرت العادة الرّوائيّة أن تبقى علاقات الشّخصيّات الرّوائيّة ضمن العلاقات التّخييليّة الواقعيّة المنطقيّة.

-       الذّاكرة الرّوائيّة:

     للذّاكرة الرّوائيّة أثر واضح في حبكة الرّواية؛ لأنّها تعني الثِّقة بأنّ القارئ يتابع بدقّة سياق الحوادث، وينتظر تجسيد ما وعد به السّارد، أو ما ذكرته الشّخصيّة، أو ما مرَّ طرف منه وبقيت أطراف يجب الإتيان بها. أي أنّ الذّاكرة تخدم الحبكة الرّوائيّة، فإذا كانت ضعيفة ضعف نسيج الرّواية، وإذا كانت قويّة أصبح سياق الحوادث متيناً. والواضح أنّ ذاكرة رواية (الياه) كانت قويّة لم تنس شيئاً، فما قدَّمته في حكاية نيلوفر والجنّيّ كان له ارتباط بالحوادث التي وردت بعد ذلك في حادث السّيّارة الخاصّ بمنصور. وما ذكرته عن جهل نيلوفر بالقراءة والكتابة، وتوقها إلى التَّعلُّم، ورغبتها في أن تُصبح طبيبة، تحقَّق في الحوادث والحكايات الفرعيّة اللاحقة، على الرّغم من أنّ السّياق كان يترك كثيراً منها ثمّ يعود إليه ليتابع ما انقطع منه، أو يصل ما وردت أطراف منه، دون أن ينسى شيئاً، ودون أن يغفل عن ربط ماضي الحوادث بالحكاية الرّوائيّة الأساسيّة. قُلْ مثل ذلك بالنِّسبة إلى الرّسالة التي تركتها أمّ نيلوفر، ومعها صورتها مع أبي نيلوفر، وما نتج عنها من بحث نيلوفر عن أهل أبيها، واهتدائها إليهم، واتّصالها بهم، وتبدُّل حياتها المادّيّة والعلميّة نتيجة ذلك. ولا أعدِّد ما نثرته هدى سرور في السّياق الرّوائيّ ثمّ استثمرته بعد ذلك، فهناك أشياء غير قليلة مرَّت في الحكايات الفرعيّة، كان لها ارتباط واضح بالحوادث اللاحقة، وهذا هو الدّليل الرّوائيّ على حيويّة الذّاكرة الرّوائيّة، وأثرها الإيجابيّ في حبكة الرّواية.

-       الرَّبْط المحكم بين الحوادث: 

     لعلّ الرّبط المحْكَم بين الحوادث الفرعيّة نتيجة بدهيّة للمخيِّلة النّشطة والذّاكرة الرّوائيّة القويّة في رواية (الياه). بيد أنّ إحكام الرَّبْط بين حوادث الحكايات الفرعيّة الكثيرة والحكاية الأساسيّة دليل على أنّ هدى سرور كانت تُعيد القراءة مرّة بعد مرّة لتربط بين الحوادث، فلا يشذّ عنها إلا القليل، كنسيانها مصير مفتاح وسنونة بعد سرقتهما مجوهرات نيلوفر، ومصير شيخة زوجة شريك منصور التي تزوّجها منصور وأهمل زوجته وأولاده من أجلها، ومصير الشّركة التي كانت سبباً في انتقال منصور من المحبّ الوفيّ الأصيل إلى العاشق الولهان الذي يستجيب لإغراء امرأة متزوّجة. على أنّ ما ندَّ عن ذاكرة الرّواية لم يكن من الكثرة بحيث يؤثِّر تأثيراً سلبيّاً في الرّبط بين الحوادث. ذلك أنّ التّدقيق في العلاقات بين الحوادث الرّوائيّة في الحكايات الفرعيّة، والحرص على أن يكون لكلّ حدث فرعيّ أو أساسيّ أثر ما في السّياق، وارتباط بالدّلالة العامّة، وعلاقة بتمتين حبكة الرّواية، واهتمام بالذّاكرة الرّوائيّة. وهذا ما قاد إلى الرّبط المحكم بين الحوادث، وكان يعني في الوقت نفسه أنّ الرّبط المحكم بين الحوادث نتيجة وسبب؛ فهو نتيجة الذّاكرة والمخيِّلة الرّوائيّة، وسبب رئيس من أسباب الإتقان في الحبكة الرّوائيّة.          

·       المخيِّلة التّصويريّة:

     أعتقد أنّ مخيِّلة هدى منصور النّشِطة تضمّ جانباً آخر يمكن الحديث عنه وحدَه، هو القدرة التّصويريّة. والمراد بهذه القدرة تقديم الشّخصيّات والمشاهد والأمكنة في صور بوساطة الوصف التّصويريّ، بحيث يرى القارئ في أثناء القراءة ما رسمته اللّغة من مشاهد وصفيّة تصويريّة. وهذا ما يساعده على أن يُلمّ بتفصيلات الأمكنة الموصوفة، والشّخصيّات، والمشاهد، وكأنّها لوحات مرئيّة. ومن المفيد قبل الإشارة إلى أمثلة الوصف التّصويريّ في رواية (الياه) القول إنّ هدى سرور ذات ولوع واضح بهذا النّوع من الوصف، بحيث تلجأ إليه كلّما واجهت شخصيّة أو شيئاً مرتبطاً بهذه الشّخصيّة، أو رأت مكاناً، أو غير ذلك مما يمرّ في الرّواية.

     = أتت الخادم ماجدولينا إلى نيلوفر وأخبرتها بأنّ جدتها بيتي تنتظرها، فبدلاً من أن تستعمل هدى سرور جملة سرديّة خبريّة تقول فيها: (ارتدت نيلوفر ثيابها، وذهبت إلى جدّتها بيتي التي تنتظرها)، راحت تُقدِّم الوصف التّصويريّ الآتي لثياب نيلوفر وحليها وحذائها وجواربها وشعرها وأحمر شفاهها: (استحمـت نيلوفر سريعاً، وارتدت رداء من الجورجيت زهري اللون يصل حتى أسفل الركبة، وارتدت الجوارب المصنوعة من الكتاّن المطّاط بنفس اللّون. رفعت شعرها الطويل لتلفه في مؤخرة رأسها كالكرة الصغيرة، وثبتته بشبكة الشعر والتي هي بنفس لون شعرها. وارتدت بعض من الحلي التي أهدتها إياها جدتها، قلادة اللؤلؤ الأبيض ذو الحبيبات الصغيرة حول رقبتها، وقرطين في أذنيها وحول معصمها. ارتدت إسوارة الألماس الخفيفة وخاتمي ألماس من الذهب الأبيض أحدهما تتوسطه ثلاثة قطع ألماس متوسطة الحجم، والآخر تتوسطه قطعة ألماس بشكل الدمعة، وارتدت حذاء متوسط الكعب بلون الكريمة، ووضعت القليل من حمرة الشفاه باللون الزهري الفاتح، ثم نزلت إلى جدتها). هذا الوصف التّصويريّ الذي لا تُجيده غير امرأة روائيّة حريص على أن يُقدِّم للقارئ لوحة لثياب نيلوفر وشعرها وحذائها وحليها، بحيث يرى لونها ونوعها وتفصيلاتها وأشكالها وأحجامها، فضلاً عن اكتسابه معلومات عن زينة المرأة، وانتباهه إلى أمور في هذه الزّينة لا تلتفت إليها غير امرأة، ولا تعرف قيمتها غير امرأة، ولا تُقدِّر دقّتها غير امرأة. وقد قدَّمت هدى سرور هذا الوصف التّصويريّ كلّه بدلاً من أن تُقدِّم جملة سرديّة خبريّة واحدة في ثماني كلمات. وقبل قليل من هذا الوصف التّصويريّ ورد وصف تصويريّ آخر لثياب نيلوفر، يضمّ التّفصيلات نفسها، وليست هناك حاجة إلى إيراده، أو إيراد أشباهه ونظائره، فما ذكرتُه من وصف تصويريّ للثّياب والزّينة كاف في الدّلالة على طبيعة وصفهما عند هدى سرور. 

     = دخلت نيلوفر المطبخ، فإذا الخادم مفتاح قد جلب (سمك التونا)، وإذا سنوتة قد وضعت الأرز في الماء. وبدلاً من أن تُقدِّم هدى سرور جملة خبريّة سرديّة تقول فيها إن نيلوفر طبخت الطّعام، ذكرت الوصف التّصويريّ الطّويل الآتي: (نظفت السمكة وأفرغت ما ببطنها وغسلتها جيداً، ثم قطعت الثوم والبصل والكزبرة إلى قطع صغيرة، وفصلت نصف البصل عن باقي ما قطعت وعزلته، ومزجت الخضروات بالملح والبهارات، وحشت به بطن السمكة، ثم قامت بخياطته لتلحمه من جديد، وملحت السمكة جيداً من الخارج، رصت السمكة في مقلاة كبيرة وغطتها بغطاء بإحكام ثم وضعت المقلاة على النار، وصفت فوق غطاء المقلاة قطع الجمر الملتهبة لكي تنضج السمكة من جميع الجهات ولا تحتاج إلى تقليبها لتتأكد من نضجها. سخنت الماء في القدر الكبير وملحته وأضافت الأرز المنقوع، وقامت بقلي باقي البصل نصف تقلية بالزيت وأضافت إليه مسحوق الكركم، ورفعته عن النار ، وما أن استوى الأرز حتى صفته من الماء وبسطت البصل بمسحوق الكركم في قعر القدر وأعادت الأرز فوقه وتركته فوق النار بعد أن وضعت قطعة حديد سميكة فاصلة تحت القدر لكي لا يتعرض القدر للنار مباشرة ويحترق البصل والأرز. زادت كمية الأخشاب في موقد النار، كما زادت من الجمرات فوق غطاء مقلاة السمك). هذا الوصف التّصويريّ كفيل بتقديم مشهد الطّبخ بتفصيلاته كلّها، ومراحله كافّة، وكأنّ الرّوائيّة هدى سرور في برنامج طبخٍ تلفازيّ تشرح للمشاهدين طريقة طبخ الأرز وقلي السّمك. والفارق الوحيد أنّ الرّواية لا تفيد من هذا الوصف التّصويريّ البارع الذي يدلّ على قدرة هدى سرور التّصويريّة، ولكنّه لا يخدم الرّواية ما لم يُوظَّف فيها، كما هي الحال في الوصف التّصويريّ لمنْزل جيرالد.

     = تخيّلت نيلوفر منْزل عمّها جيرالد على النّحو الآتي: (بيت كبير مبني من الطوب الأحمر، له نوافذ طويلة، يحيط بها سور منفصل حديدي، وخلف السور زرعت أشجار ورود الجاردينيا البيضاء والتي هي عكس جميع أشجار الجاردينيا في العالم تطرح ورودها في جميع فصول السنة حتى في فصل الشتاء، ومن البوابة وحتى المدخل الرئيسي فناء كبير رصت أرضيته بأحجار الجرانيت رملي اللون، أما الباب فهو باب خشبي مصنوع من خشب شجر السنديان وله مطرقة قرع على الباب على شكل رأس تنين كبير). هذا المشهد التّفصيليّ لمنْزل جيرالد نموذج آخر للوصف التّصويريّ للأمكنة، يشبه ما سبقه في الحرص على تقديم تفصيلات الشّيء الموصوف؛ حتّى يتمكَّن القارئ من رؤيته من خلال القراءة، كما هي حاله بالنِّسبة إلى المكان الذي جرى فيه العرس وما ارتدته العروس فيه. 

     إنّ المخيِّلة التّصويريّة النّشطة عند هدى سرور قدَّمت غير مرّة أوصافاً تصويريّة للأمكنة والشّخصيّات، تضمّ حرصاً واضحاً على التّفصيلات، وكأنّ هذا الوصف التّصويريّ لوحة تتكامل جزئيّاتها كلّما أوغل السّارد في الحدث الرّوائيّ. ولكنّ هذه المخيِّلة الشّائقة لم تخدم الرّواية دائماً؛ لأنّها وردت أحياناً في أمكنة لا حاجة لها بها، وإن كانت صاحبتها قادرة على توظيفها توظيفاً سليماً في روايات أخرى.   

·       القدرة الوصفيّة:

     القدرة الوصفيّة شيء واضح في القدرة الإبداعيّة عند هدى سرور. ولا أقصد هنا الوصف التّصويريّ الذي تحدَّثتُ عنه في الفقرة السّابقة، إنّما أقصد الولوع بالصِّفات المفردة والمركَّبة التي تمنح الموصوفات قدراً من العمق والإيحاء، من نحو الصّفات في الأمثلة الآتية: (غطاء الرأس الأخضر المهترئ، أنف ناعم صغير، شفاه صغيرة مكتنِزة). فغطاء الرّأس أخضر مهترئ، والأنف ناعم صغير، والشِّفاه صغيرة مكتنِزة. كلّ موصوف له صفتان، تضفيان عليه الوضوح، وتجعلانه محدّداً في أثناء القراءة، فضلاً عن أنّ هذه الصِّفات بنوعيها المفرد والمركَّب تنبئ عن ولوع هدى سرور بنوع جديد من الوصف، يُضاف إلى الوصف التّصويريّ، وينتمي مثله إلى المخيِّلة النَّشِطة لديها.  

·       الموضوعيّة الرّوائيّة:

     من حسنات سارد رواية (الياه)، ومن خلاله هدى سرور، الموضوعيّة في تقديم الحوادث والشّخصيّات والمواقف، بحيث كان السّارد يُقدِّمها بمعزل عن عواطفه وأحاسيسه منها. فقد سرق مفتاح وزوجته سنوتة مجوهرات نيلوفر فلم يكن في السّياق أيُّ توهين لهما، أو تسفيه لعملهما، إنّما كان هناك تقديم حياديّ لعملهما، وهذا التّقديم كاف للقارئ كي يكوِّن بنفسه موقفاً أخلاقيّاً أو غير أخلاقيّ من عمل مفتاح وزوجته سنوتة. قل مثل ذلك في ظلم زوجة جدّ نيلوفر لها، وانقلاب منصور على زوجته التي ساعدته، وتركها نهباً للصّعوبات والحاجات المعيشيّة، وحادث السّيّارة الذي جرى لمنصور وتخلّي شيخة عنه كما توحي الرواية، وسعي نيلوفر إلى مساعدته. أمور كثيرة في الرّواية، سلبيّة وإيجابيّة، قدَّمها السّارد دون أن ينحاز إليها أو يُعبِّر عن جودتها أو رداءتها، حرصاً على الموضوعيّة الرّوائيّة التي تسمح للقارئ بأن يتّخذ منها الموقف الذي يراه ملائماً له.

ب.الحسنات الرّوائيّة الخاصّة:

     هناك حسنات في رواية (الياه) قد تتكرَّر في رواية أخرى، وربّما اقتصرت على هذه الرّواية وحدَها، ولكنّني أعتقد أنّها خاصّة برواية (الياه)، ومن العسير تكرارها في رواية أخرى، وهي أربع حسنات، أكتفي بالإيجاز الآتي لها:

·       غزارة المعلومات:

      تتّسم رواية (الياه) بغزارة المعلومات عن البلدان والعادات والألبسة وغيرها، بحيث تبدو الرّواية مناسبة للقارئ للتَّزوُّد بمعلومات لا يعثر عليها بسهولة في مكان آخر غير هذه الرّواية. من ذلك المعلومات الغزيرة عن الأمور الآتية:

-       أسلوب السَّفر من دبي إلى مومباي وحيدر آباد قبل سيادة وسائل النّقل الحديثة وتطوُّرها، وما يرافق هذا الأسلوب من توافر أناس ينهضون بمهمّة التّحضير للسَّفر، وللاتّفاق مع المسؤولين المحلّيّين في حيدر آباد على شروط زواج الفتيات الهنديّات من الشّبّان العرب، ومراحل الخطبة والزّواج، والاستعدادات للزّواج، وعادات الاحتفال بالزّواج، والمهر والهدايا المرافقة لذلك كلّه. وقد كانت المعارف، في أثناء ذلك، تترى عن العادات والتّقاليد والأمكنة والفتيات والأحوال الاجتماعيّة وأساليب عرض الفتيات على الشُّبّان، بحيث يعجب القارئ من المعرفة الدّقيقة عند هدى سرور، فهي معرفة لا تتوافر للمرء عادة إذا لم يكن مهتمّاً بالكتب القليلة التي تحدَّثت عنها، أو لم يكن سمعها من أناس عاشوا مناخاتها، ومرّوا بتجاربها، أو عرفوها عن قُرْب.   

-       المعلومات الغزيرة عن الطّبخ والثّياب والحلي، وهي معلومات تتوافر للمتابع من الرّجال والنِّساء، ولكنّ طبيعتها في رواية (الياه) تشير إلى أنّ هذه المعرفة نسويّة ليس غير.

-       المعلومات الغزيرة عن طريقة السّفر إلى بريطانيا انطلاقاً من دبي فمومباي، وما يحتاج السَّفر إليه من تأشيرات واستعدادات، وما يرافقه من معرفة بالأمكنة البريطانيّة في لندن خصوصاً. وهذه المعلومات قد تتوافر في كتب وأدلّة سياحيّة، ولكنّ التّدقيق فيها على النّحو الذي مرَّ في الرّواية، يحتاج إلى متابعة شخصيّة.

-       المعلومات الغزيرة عن أساليب التّعليم القديمة في دبي في أيّام الاحتلال البريطانيّ، وصلتها بالتّعليم في بريطانيا، وإمكانية الطّالب على متابعة تعليمه في لندن إذا تخرّج في دبي.  

     تبدو غزارة المعلومات سمة من سمات رواية (الياه)، وهي سمة محمودة، يحسن توفيرها في الرّواية، ولذلك عددتُها من حسنات رواية (الياه)، واعتقدتُ أنّ هدى سرور بذلتْ جهداً كبيراً في الحصول عليها، وجمعها من مظانّها المباشرة وغير المباشرة؛ لأنّها معلومات متنوِّعة، لا تهمل جانباً من جوانب الرّواية، وخصوصاً الأمكنة والشّخصيّات والعادات والألبسة والأطعمة.

·       البطولة النِّسويّة:

     رواية (الياه) رواية نسويّة من أيّ جانب جئتَها. فهي نسويّة من جهة كاتبتها هدى سرور. ونسويّة من جهة المعلومات الخاصّة بزينة النِّساء وثيابهنّ ومهاراتهنّ في صُنْع الطّعام. ونسويّة من جهة أخرى أكثر بروزاً، هي البطولة النِّسويّة. فنيلوفر هي بطلة الرّواية، لا ينازعها في هذا الأمر شيء في الرّواية. وعلى الرّغم من أنّ الحكاية الرّوائيّة الأساسيّة هي منصور ونيلوفر، لكنّ شخصيّة نيلوفر هي الشّخصيّة السّائدة في هذه الحكاية الأساسيّة. فهي الفتاة الهنديّة اليتيمة التي يتزوّجها منصور في حيدر آباد، وهي الفتاة غير المتعلِّمة التي تسعى إلى تغيير حالها، وترنو إلى أن تُصبح طبيبة، وتُحقِّق ما رغبت فيه. وهي الفتاة الجميلة الرّقيقة التي يُعجَب الجنّيّ القزم بها، ويصاحبها، ويقضي على ولدين منها ليبقى إلى جانبها، وحين تتركه يندم ويعطيها حجراً من الألماس تعويضاً لها عمّا فعله فيها. وهي الفتاة التي بحثت عن جذورها حتّى وصلتْ إليها، واتّصلتْ بها، وأفادت منها. وقبل ذلك كلّه بدت نيلوفر مثالاً نسويّاً لتعدُّد الأعراق في مجتمع الرّواية الإماراتيّ، فهي هندية الأمّ، انكليزيّة الأب، إماراتيّة الزّوج. وهي، أيضاً، مثال للوفاء للزّوج والأهل والأصدقاء والخدم، ومثال للإصرار على المحافظة على الأسرة، وعلى الانتماء للإمارات، وعلى الكفاح من أجل عون الزّوج ورعايته. ويمكنني القول استناداً إلى ما سبق إنّ رواية (الياه) رواية ذات بطولة نسويّة مطلقة.    

·       توظيف اللامعقولّ:

     سبق القول إنّ حكاية نيلوفر والجنّيّ القزم إحدى الحكايات الفرعيّة في رواية (الياه)، ولا أرغب، هنا، في إعادة شيء مما ذكرتُه عنها، ولكنّني أشير إليها ثانيةً لأنّها دليل على توظيف اللامعقول في الحكاية الرّوائيّة الأساسيّة. فالرّواية واقعيّة، ذات شخصيّات وحوادث ومصائر واضحة كما هي الحال دائماً في الرّواية الواقعيّة، ولكنّ حكاية نيلوفر والقزم خروج من المعقول الواقعيّ إلى اللامعقول الرّوائيّ. إذ إنّ هدى سرور زجّت بحكاية نيلوفر والقزم لتوظِّفها في مستقبل الحكاية الأساسيّة، وقد حقَّقت ما وعدت به، فباعت الحجر الألماس الذي قدَّمه لها الجنّيّ لتداوي بثمنه زوجها منصور إثر حادث السّيّارة الذي تعرَّض له. ربّما أفادت هدى سرور من المعتقدات الشّعبيّة التي كانت سائدة في الإمارات قبل الاتحاد، فاستمدَّت حكاية نيلوفر والجنّيّ من هذه المعتقدات انسجاماً مع المكان والزّمان الرّوائيّين. ولكنّ الثّابت بالنّسبة إليَّ أنّ هدى سرور نجحت في نقل الواقع الرّوائيّ إلى اللامعقول الرّوائيّ، فمزجت بين المعقول واللامعقول، وبين الواقعي والسِّحريّ، وبين المألوف والغريب، دون أن تتخلّى عن موضوعيّتها التي تترك القارئ يكوِّن وحدَه موقفه من المسرود.  

·       تأريخ الماضي:

     تجري حوادث رواية (الياه) قبل اتّحاد الإمارات، وقبل ظهور النّفط، وتسعى ما وسعها الجهد إلى إدراج سلوكات تلك الفترة وعاداتها وأساليب حياتها في الطّعام والشّراب واللّباس والزّواج في الحلّ والتّرحال، من خلال حكاية منصور ونيلوفر. ومن ثَمَّ كانت رواية (الياه) نوعاً من التّأريخ الاجتماعيّ للماضي، دون أن تُصبح رواية تاريخيّة. بل إنّ التّدقيق في الرّواية يشير إلى أنّها أرّخت روائيّاً جانباً من الحياة التي غادرت القديم ولم تدخل الحديث، فهي بين بين، في العادات والتّقاليد، وأساليب الإقامة والسَّفر والزّواج والمفاهيم. ولعلّ بعضاً من نكهة (الياه) ولا معقوليّتها الرّوائيّة، ينبع من قدرتها على تصوير تلك البيئة الزّاحفة إلى المجتمع الحديث. 

2.سيِّئات البدايات:

    من أسفٍ أن تجاور السّيّئات التي سأشير إليها الحسنات التي ذكرتُها، وحرصتُ على أن أبدأ بها. ولكنّ احترام الجهد الذي قدَّمته هدى سرور يفرض على المرء التّنبيه على السّيئات التي يجب التّخلُّص منها، وأبرزها السّيّئات الآتية:

·       عدم التّدقيق اللّغويّ:

     أعتقد أنّ لغة رواية (الياه) تحتاج إلى تدقيق لغويّ ونَحْويّ إذا أُعيدت طباعتها ثانيةً، وقد يفيد التّنبيه على ضرورة التّدقيق اللّغويّ، هنا، في مراجعة أيّة رواية جديدة تكتبها هدى سرور. ذلك أنّ لغة الرّواية هي الحامل للأفكار والمواقف والدّلالات والمعاني، فلا ترتقي الرّواية ما لم تكن لغتها راقية قادرة على التّعبير عن شكل المضمون. ولو كانت هناك بضعة أخطاء في رواية (الياه) لما كان الأمر يستحقّ عناء التّنبيه، ولكنّ الأخطاء كثيرة، أكتفي بما ورد منها في الصّفحتين الأوليين من الرّواية، هما الصّفحتان التّاسعة والعاشرة؛ لأنّ إحصاء الأخطاء في الرّواية يحتاج إلى صفحات غير قليلة:

-       بعض الأخطاء في هاتين الصّفحتين نَحْويّ، كالأخطاء الآتية: ذو الثامنة عشر عاماً، سبعة ليالي، على ظهر عشرون حماراً، بعد إدّخار سنين العمل الطّويلة، أربعة شياه.

-       وبعضها لغويّ كالأخطاء الآتية: وفير، استبدلت بموائد مليئة غيرها.

-       وبعضها إملائيّ كالأخطاء الآتية: بعض أجزاءه، إعتزل البحر، إدخار، إتّجه. 

     إنّ تصويب الأخطاء في رواية (الياه) ليس عسيراً، ومن ثَمَّ يجب النّهوض به كي تبقى الرّواية أكثر دقّة في شكل التّعبير عن شكل المضمون، فضلاً عن أن نقاء اللّغة يؤثِّر في دقّة إيصال المعاني والأفكار، وهو قبل ذلك وبعده واجب لا يحتاج الالتزام به إلى تعليل. 

·       سيطرة السّارد على الشّخصيّات:

     تحتاج هدى سرور إلى إنعام النّظر في قضيّة (السّارد) في الرّواية. فقد اختارت السّارد العالم بكلّ شيء، وتركته حرّاً يصول ويجول على هواه، فيعرف ما تفكِّر فيه الشّخصيّات، وما تشعر به، وما تتمنّاه، كما يعرف حركتها في المكان، وتطوّراتها الفكريّة والعاطفيّة عبر الزّمان. ولا عجب في ذلك فهو عالِم بكلّ شيء في الحاضر والماضي الرّوائيّين. وهو في رواية (الياه) لم يترك صغيرة ولا كبيرة دون أن يمدّ رأسه إليها ليُقدِّمها للقارئ، سواء أكانت تتعلّق بالشّخصيّات على اختلافها وتنوّعها وتعدُّد أمكنتها، أم كانت تتعلّق بالحوادث التي جرت في الماضي البعيد، وفي الحاضر القريب، وغير ذلك من أشكال السّيطرة التي حجبت عن الشّخصيّات الحديث عن نفسها، والتّعبير عن اختلاف مواقفها وآرائها من الحوادث الأساسيّة والفرعيّة. وباختصار فإنّ سيطرة السّارد حجبت حسَّ الحياة عن الشّخصيّات، فبدت دُمَى يُحرِّكها السّارد، ويكاد يخنقها. وهذا ما جعل الرّواية تئن من سيطرة السّارد العالم بكلّ شيء، وتطلب التّحرُّر سيطرته. ولا يعني هذا الكلام عدم استعمال السّارد العالم بكلّ شيء، فهو تقنية روائيّة حياديّة يُعين استعمالها على تنويع أشكال تقديم الحوادث والشّخصيّات، إنّما يعني التّخفيف من سيطرته على شؤون النّصّ الرّوائيّ كلّها، بحيث يبقى وسيلة معينة على تقديم ما تعجز الشّخصيّة عن تقديمه بنفسها.

·       عدم توظيف التّفصيلات:

     التّفصيلات التي قدَّمتها مخيِّلة هدى سرور بوساطة الوصف التّصويريّ خصوصاً، كثيرة جدّاً، لا حاجة إلى كثير منها في الغالب الأعم؛ لأنّها تفصيلات تدلّ على القدرة المعرفيّة لدى هدى سرور، لكنّ هدى نفسها لم تُوظِّف هذه التّفصيلات، فبدت زوائد لا تُنمّي حدثاً، ولا تخدم قارئاً في تعرُّف شخصيّة، ولا تساعد على فَهْم السّائد في المكان والزّمان. ومن ثَمَّ بدت البراعة في تقديم التّفصيلات مجرَّدة عن الارتباط بالحكاية الرّوائيّة. فغرام هدى سرور بتفصيلات ثياب نيلوفر لم تكن له أيّة علاقة بحوادث الرّواية. كذلك الأمر بالنِّسبة إلى تفصيلات الطّبخ والزّينة وغيرها.

·       عدم توظيف المعلومات:

     هناك غزارة في المعلومات عن الأمكنة والعادات والتّقاليد وأنواع اللّباس والحلي والطّعام، وهي غزارة محمودة لو خدمت الحكاية الرّوائيّة، لكنّها بقيت مستقلّة عنها، تُعبِّر عن معرفة هدى سرور، وتدلّ في الوقت نفسه على ضعف قدرتها على توظيف الكثرة الكاثرة منها. وما ذكرتُه عن التّفصيلات يمكن ذِكْرُه عن المعلومات. فالمعلومات في الرّواية تحتاج إلى تُصبح جزءاً من الحكاية، يخدمها ويُعمِّقها ويحفز القارئ إلى الإفادة منها. فإذا لم يكن هذا الجزء  كذلك بقي مجرَّد معلومات يمكن الاطّلاع عليها في أمكنة أخرى غير الرّواية. وإنّني ميّال إلى أنّ المعلومات التي يجب حذفها دون تردُّد هي شروح الكلمات؛ تلك الشّروح التي حوَّلت السّياق الرّوائيّ إلى معجم يُفسِّر للقارئ معاني الكلمات التي تستخدمها هدى سرور من اللّهجة المحلّيّة. صحيح أنّ التّذرُّع بحاجة القارئ إلى فهم معاني الكلمات حتّى يتمكَّن من متابعة السّرد وارد هنا، ولكنّ الصّحيح فنّيّاً هو أنّ هدى سرور تكتب بلغة فصيحة، وكانت ضمن هذا المنطق اللّغويّ السّليم قادرة على استعمال الكلمة الفصيحة بدلاً من المحلّيّة، أو كانت قادرة على الإبقاء على المحلّيّة دون شرح؛ لأنّ القارئ يفهمها من خلال السّياق، أو تكون لها جذور فصيحة يفهمها من خلالها. ولا بدَّ في الحالات كلّها من تجنُّب هذه الشّروح لئلا تتحوّل الرّواية إلى أسلوب الدّراسة الذي يشرح ويُعلّل. 

·       المصادفات والمبالغات:

     اعتمدت هدى سرور في رواية (الياه) على عدد من المصادفات والمبالغات التي يحسن تجنُّبها، منها:

- المصادفة في تعرُّف نيلوفر الدّكتورة سروج، وفي تعرُّفها الجنّيّ القزم، وفي حادث السّيّارة الذي جرى لمنصور، ولحادث وفاة شريك منصور، وفي معاناة نيلوفر وأولادها بعد إهمال منصور لها. هذه المصادفات تُضعف مصداقيّة الحوادث الرّوائيّة واقتناع القارئ بها، ومن ثَمَّ يحسن تجنًّبها في الرّواية.

- المبالغة في حكاية جهل نيلوفر ورغبتها في أن تُصبح طبيبة. فهذه المبالغة غير محمودة وغير مقبولة في منطق الرّواية الواقعيّ. صحيح أنّ فكرة التَّعلُّم والارتقاء من الجهل إلى العِلْم تبقى قيمة معرفيّة مقبولة في الرّواية، لكنّ المبالغة فيها تُصبح مذمومة. فنيلوفر التي لا تعرف شيئاً من العربيّة تنتقل في الرّواية بقفزات قدَّمها السّارد العالم بكلّ شيء من الجهل إلى التّعلُّم، ومن التّعلُّم إلى الدّراسة في لندن، وإلى التّخرُّج طبيبة. وهي في الوقت نفسه تراعي بيتها، وتربّي أولادها، وتعمل من أجل معيشتها بعد إهمال زوحها لها. أي أنّ تعلُّمها شابته مبالغة لم تكن الحكاية الرّوائيّة في حاجة إليها؛ لأنّها لم تخدمها في شيء غير إشارة سريعة إلى أنّها أشرفت على علاج زوجها في لندن. قُلْ مثل ذلك في المبالغات التي ذكرتها بعض العبارات في السِّياق الرّوائيّ، كقول السّارد: (بعض الأيام كانوا يجوعون ولا يجدون شيئاً ليطهوه). فقد ذكر السّارد هذه العبارة ليُعبِّر عن قسوة الحياة على نيلوفر بعد إهمال زوجها لها، دون أن يكون هذا السّياق في حاجة إليها في التّعبير عن معاناة نيلوفر.

·       عدم توظيف الزّمن:

     في رواية (الياه) إيحاء واضح بأنّ الزّمن الرّوائيّ الذي جرت فيه حوادث الرّواية هو العقد السّابق على قيام الاتحاد. وقد عزّزت هدى سرور هذا الاعتقاد بتحديد بعض السّنوات. فأوّل تحديد ورد في الرّواية بعد مرور مائتي صفحة تقريباً من بدايتها، وهو عام 1963. أمّا التّحديد الثّاني فورد قبل نهاية الرّواية بصفحات قليلة، وهو عام 1975. ووردت تحديدان زمنيّان آخران بين تاريخ البداية وتاريخ النّهاية، أوّلهما تاريخ وصول نيلوفر ومنصور وابنهما محمد إلى مومباي لرؤية كونور خال نيلوفر، وهو صباح الاثنين في الثلاثين من آذار/ مارس 1964. وثانيهما وصول نيلوفر ومنصور إلى ميناء دبي يوم الاثنين في الخامس عشر من حزيران/ يونيو 1964. وعموماً فقد جرت حوادث الرّواية، استناداً إلى التّحديدات السّابقة، في ستينيّات القرن العشرين، وإن امتدّت النّهايات قليلاً إلى بدايات السّبعينيّات (عام 1975 تحديداً). بيد أنّ التّحديدات المذكورة كلّها كانت مجرَّد إشارات زمنيّة لا معنى لها؛ لأنّها وحدها لا تصنع زمناً روائيّاً، وإنْ أوحت بأنّ حوادث رواية (الياه) جرت قبل قيام الاتّحاد، وكانت استناداً إلى هذا الإيحاء رواية تاريخيّة. ذلك أنّ الزّمن الرّوائيّ يظهر من خلال المفاهيم والعلاقات الرّوائيّة. وقد تجلّى جانب من المفاهيم والعلاقات في الحاجة إلى السّفر إلى الهند بحراً، وتطوُّر السّفر إلى لندن من دبي إلى مومباي فلندن، ثم من لندن إلى تركيا أو بيروت، فدبي. كما تجلّى من خلال استعمال (الروبية)، ومن خلال مفهوم (الخادم العبد)، ومن خلال تعليم كبار السّنّ، ومن خلال وجود الانكليز في دبي. وهذه كلّها إشارات زمنيّة جيِّدة، ولكنّها تحتاج إلى جهد آخر كي تُوظَّف لخدمة الدّلالات الرّوائيّة. ذلك أنّ هناك عناية واضحة بالمكان الرّوائيّ، ولكنّ العلاقة بالزّمن الرّوائيّ بقيت ضعيفة، ليس فيها غير إشارات إيجابيّة إلى وجود الانكليز، وإلى وجود الأطباء والمعلِّمين منهم أيضاً، وإلى مفاهيم الزّواج من الهنديات وغير ذلك، دون تعمُّق أو ربط بين المفاهيم والحوادث.     

·       عدم توازن الرّؤيا القيميّة:

     ثمة خلل في الرّؤيا القيميّة يشعر به القارئ العربيّ الذي تتوجَّه إليه الرّواية. ذلك أنّ الدّكتورة سروج الانكليزية تُجسِّد قيمة الإخلاص في العمل، وقيمة مساعدة نيلوفر في قضايا شخصيّة غير طبّيّة، ككتابة رسالة إلى أسرة أبي نيلوفر في بريطانيا، وإرشاد نيلوفر إلى الدّكتور أيوب لتتابع تعليمها عنده. كذلك الأمر بالنّسبة إلى الدّكتور محمد أيوب الهنديّ. فقد هبّ لمساعدة نيلوفر في تلقّي العلم، وفي توفير التّعليم الملائم لتكملة دراستها في لندن. كما تمتّعت أسرة أبي نيلوفر الانكليزيّة بالوفاء والتّرابط الأسريّ والأمانة والوداد. إذ بحث عمّ نيلوفر عن ابنة أخيه، وسهّل سفرها إلى لندن، واتّصالها بجدّتها التي احتفظت لها بإرث والدها. ونيلوفر نفسها ذات الأعراق الثّلاثة: الهندية والانكليزية والعربيّة، زوجة وفيّة، وأمّ صالحة، وحفيدة محبّة. هذه القيم الإيجابيّة الأصيلة قدَّمتها في الرّواية شخصيّات غير عربيّة، في حين عبَّر منصور العربيّ عن عدم وفائه لزوجته المحبّة المخلصة، فاستجاب لإغراء شيخة، ثمّ تزوّجها وأهمل نيلوفر التي ساعدته ماليّاً، وأحببّته وأخلصت له. وعبَّر الخادم مفتاح (العربيّ أيضاً) عن عدم وفائه لسيِّدته، فشجَّع زوجته سنوتة على سرقة مجوهرات نيلوفر. ومن ثَمّ قدَّمت الرّواية شيئاً من عدم التّوازن القيميّ من حيث قدَّرت أنّها تُقدِّم تعدُّد الأعراق في الإمارات قبل الاتّحاد، وظروف تشكُّلها، وطبيعة حياتها.  

3.أمور أخرى:

     هناك أمور أخرى غير مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحسنات والسَّيئات؛ لأنّها عامّة جدّاً، كالحياة النّسويّة الرّومانسيّة التي عبَّرت الرّواية عنها في أثناء حديثها الإيجابيّ عن ملابس نيلوفر وزينتها، وحبّها زوجها وأولادها، وإخلاصها لزوجها، وتوقها إلى تغيير واقعها، وتحلّيها بالتّسامح مع زوجة جدّها أبي أمّها التي ظلمتها وأهانتها، وعدم بحثها عن مفتاح وسنوتة اللّذين سرقا مجوهراتها، وسعيها إلى مداواة زوجها إثر حادث السّيارة على الرّغم من أنّه أهملها دون أن تجني شيئاً. هذه الأمور كلّها محكومة بالرّؤيا الرّومانسيّة للحياة الرّوائيّة التي عاشت نيلوفر فيها، وهي رومانسيّة نابعة من رؤيا هدى سرور نفسها، معبِّرة عنها مادام السّارد العالِم بكلّ شيء نائباً عنها في التّعبير عن هذه الحياة الرّمانسيّة.

     هناك أمر آخر هو الارتباط بالواقع الإماراتيّ، وهو أمر نابع من أنّ الرّواية تحدَّثت عن مرحلة تاريخيّة سابقة على قيام الاتّحاد، ومن المتوقَّع أن ترتبط ببيئة الإمارات في تلك المرحلة، وأن تكون تعبيراً فنّيّاً عنها. ولكنّ الرّواية عبَّرت من حيث تدري هدى سرور أو لا تدري عن تعدُّد الأعراق في الواقع الإماراتيّ قبل قيام الاتّحاد، حتّى إنّ عمّ نيلوفر قال عن ابن أخيه: (هذا الطفل ناتج خليط ثلاثة أعراق: انجليزي وهندي وعربي. حمل من عرقنا البياض والحمرة، أليس كذلك؟. هذا الطفل سيصبح رجلاً مميزاً في المستقبل). ولم تكتف الرّواية بذلك، إنّما راحت تمنح الانكليز والهنود القيم الإيجابيّة، وتمنح العرب القيم السّلبيّة. قد يكون التّعبير عن هذا الأمر نابعاً من القصد الفنّيّ للرّواية، وليس قصداً واعياً من هدى سرور. وهذا ما أرجِّحه وأميل إليه، ولكن الاهتمام بقضيّة أهل نيلوفر، وقضيّة الجنّيّ القزم، وقضيّة التّعليم، قاد الرّواية إلى شيء من ضعف الارتباط بالواقع الإماراتيّ، انطلاقاً من أن (نيلوفر) هندية انكليزيّة غير عربيّة. ويُعضِّد هذا الضَّعْف اهتمام الرّواية بالأمكنة غير الإماراتيّة بأكثر من اهتمامها بالأمكنة الإماراتيّة وصفاً وتحديداً.

     يمكنني القول في خواتيم الحديث عن رواية (الياه) إنّ هدى سرور تملك الإمكانات الفنّيّة الرّوائيّة، وتُجيد استعمال مخيِّلتها في ابتداع الشّخصيّات والحوادث، وسيكون لها شأن إذا حرصت على إتقان اللّغة العربيّة، وتنقية الرّواية من التّفصيلات التي لا تحتاج إليها، وتُقيِّد حركة السّارد العالم، وتتشبَّث بتوظيف المعلومات والقيم الإيجابيّة، وتتخلّى نهائيّاً عن شرح معاني الكلمات.

شارك