البدايات الروائية النسوية الإماراتية/ مريم الغفلي

26 مارس

المؤلف: د. سمر روحي الفيصل (سوريا)

لفتت رواية (طوي بخيتة) لمريم الغفلي، حين صدرت أوّل مرّة عام 2007، الانتباه لمخالفتها توقُّع المتلقّي من أنّها مجرَّد تسجيل لحكاية شعبيّة متداولة. إذ تبيَّن أنّها نشيد رومانسيّ أصيل قادر على عَرْض طبيعة الحياة الإماراتيّة القديمة القاسية في ظلّ الحِلِّ والتَّرْحال، وضمن المفهومات الاجتماعيّة القديمة. حتّى إنّه يمكن النَّظر إلى هذه الرّواية على أنّها رواية تاريخيّة عن الحياة الاجتماعيّة قبل ظهور النِّفط، ودخول المنطقة طوراً من الحضارة مغايراً لما عرضته الرّواية، دون أن نبتعد في الوقت نفسه عن النَّظر إليها على أنّها نموذج للموقف النِّسويّ الرّومانسيّ من المفهومات الاجتماعيّة السّائدة.

أ. رومانسيّة شكل الرّحلة:

     اعتمدت مريم الغفلي شكل الرّحلة الرّوائيّة، وهو شكل متداول في الرّواية العربيّة، وقبلها في التّراث الحكائيّ العربيّ القديم، وخصوصاً ألف ليلة وليلة. وهذا الشّكل يستند إلى انتقال الشّخصيّات من مكان إلى آخر، وبروز الحوادث في أثناء انتقالها، وتفاعلها معها، والانتهاء منها بانتهاء الرّحلة نفسها. وهذا بعض ما تضمّه رواية (طوي بخيتة). إذ إنّها رحلة أسرة سلطان من الصّحراء إلى السّاحل هرباً من الجفاف، ورغبةً في الحفاظ على الحياة، ورحلة عودته مع أسرته الصّغيرة إلى موطنه الأوّل، وطَعْنه في أثناء عودته ابنته بخيتة ورميها في الطّوي (البئر)، ومتابعته رحلة العودة. وليس من المفيد تلخيص رحلة الذَّهاب والإياب، لكنّ المفيد في أثناء قراءة الرّواية ملاحظة انصراف مريم الغفلي، في رحلة الذَّهاب، إلى تقديم صور الرّحلة وتفصيلاتها ومصاعبها ومخاطرها في الصّحراء وبين الجبال حتّى وصول الرّاحلين إلى السّاحل واستقرارهم فيه طَوَال الصّيف، دون أن يتشكّل الحدث الرّوائيّ. فرحلة الذّهاب، لولا بعض البذور الحدثيّة، مجرَّد تعريف بطبيعة الرّحلة البدويّة القديمة ومشاقّها. لا شيء في رحلة الذَّهاب غير التّعريف بعادات الرّحلة ومصاعبها في الماضي، وطَرْح الشّخصيّات الخاصّة بالحدث الرّوائيّ؛ لأنّ الرّحلة نفسها، على غير المألوف فثي شكل الرّحلة الرّوائيّة، ليست الحدث، إنّما هي وسيلة لتقديم صورة عن الحياة البدويّة مملوءة بالأخبار عن الأماكن والعادات في أثناء الحِلّ والتَّرْحال. ومن ثَمَّ لم يكن هناك غير اختراق الشّخصيّات الأماكن المتبدِّلة في أثناء الرّحلة، ووصفها بوساطة السّارد العالِم المسيطر على الرّوائية كلّها، دون أن يتغيَّر شيء في الشّخصيّات التي اخترقت هذه الأمكنة. ولولا البذور الأولى للحدث، الخاصّة ببخيتة وعنايتها بعبيد انصياعاً لوصيّة والدته قبل وفاتها بعد ولادته، ولولا تسمية الشّخصيّات،  لما اختلف النّصّ عن أيّة رحلة جغرافيّة.

     لقد استغرقت رحلة الذّهاب ثلثي الرّواية، وامتلأت بمعارف السّارد وتفصيلاته عن إجراءت الرّحلة وأساليبها وعادات الرّجال والنّساء في أثنائها، من قيادة سلطان أبي بخيتة لها لخبرته في الطّرق، إلى عادات الرّجال والنِّساء في أثناء السَّيْر والتَّوقُّف والنّوم والطّعام. واللافت للنّظر في التّفصيلات كلّها شيء واحد، هو التّركيز على العنصر النّسويّ، وخصوصاً بخيتة وأختها شما وأمّها عائشة (عويش) وعمّتها طريفة. أمّا شخصيّات الرّجال فليس لها في رحلة الذّهاب حضور روائيّ لافت للنّظر. والواضح أنّ الرّواية اكتفت بالإشارة إلى سلطان أبي بخيتة ووصفته بصفتين: الخبرة بالطّرق التي أهّلته لأن يكون قائداً لرحلة الذّهاب، والحنان الأبويّ الذي كان يُقابل به ابنته الصّغيرة شمّا، خصوصاً. كما أشارت الرّواية إلى شخصيّة مصبّح، وجعلته الزَّوج المخلص لزوجته اليازية التي أحبّته وتوفيت بعد ولادتها (عبيد)، وحزنه عليها، وموافقته على أن تعتني (بخيتة) بابنه (عبيد) تنفيذاً لوصيّة اليازية. ويبق القول إنّ الرِّعاية التي قدَّمتْها بخيتة لعبيد، وتعلّقها به، طَوَال رحلة الذّهاب، هما بذرة الحدث الوحيدة إذا استثنينا الإشارة إلى الشّخصيّات ذات العلاقة بهذه البذرة.

      يبدو شكل رحلة الإياب مختلفاً عن شكل رحلة الذَّهاب. فليس هناك تعدّدٌ في الأمكنة، ولا اختراق الشّخصيّات لها، ولا الحديث عن مصاعب الطّريق ومشاقّه وعادات الرّحلة وشؤون قيادتها. ذلك أنّ (طريفة) الغيور العاقر الغاضبة المتدخِّلة في شؤون أسرة أخيها سلطان، أخبرت أخاها بشيء عن ابنته بخيتة لم تذكره الرّواية. وهذا الشّيء جعله يلغي إقامته في السّاحل، ويُقرِّر العودة مع أسرته الصغيرة؛ زوجته وابنتيه بخيتة وشما، إلى المضارب التي انطلق منها. وقد قاد سلطان أسرته في طريق غير طريق القوافل المعهود، وتوقَّف قرب بئر مهجورة، وطعن ابنته بخيتة بالسّكّين ليلاً، ورماها في الطَّويّ، وأكمل رحلته عائداً إلى الصّحراء. هذا هو الحدث الرّوائيّ. أب طعن ابنته ورماها في الطّوي، وامرأته نائمة، وابنته شما صُدمت حين رأته يفعل ذلك، فلم تعد قادرة على الكلام والتّكيُّف مع أسرتها. ولقد رغبت مريم الغفلي في تقديم حُبْكة (بوليسيّة) لهذا الحدث، فلجأت إلى الغموض؛ غموض السّبب الذي دفع سلطان إلى طَعْن ابنته، وغموض مصير سلطان وأسرته بعد استئناف الرّحلة، وغموض مآل بخيتة بعد رميها في الطّوي. والواضح أنّ مريم الغفلي استندت في الغموض الذي جعلته لبوساً للحدث في حكاية بخيتة إلى قاعدة رومانسيّة أصيلة ذات تاريخ مألوف معروف في الرّوايات والأشرطة السّينمائيّة، أبرز أركانه: المصادفة والقَدَر والبكاء والعفو والحبّ والنّهاية السّعيدة.

= أمّا المصادفة، وهي مصادفة قدريّة في النّصوص الرّومانسيّة غالباً، فقد قادت رجلاً طيِّباً، اسمه (علي)، إلى المرور في أثناء عودته إلى قريته الجبليّة، بأسرة سلطان في بداية استئنافها رحلة العودة، وشعوره بالغرابة؛ لأنّ أحداً من الأسرة لم يستوقفه أو يُحدِّثه؛ ولأنّ هذه الأسرة تمرّ في طريق خطرة غير طريق القوافل المعهودة. وعندما اقترب من الطّوي، وهذه هي المصادفة الثّانية، قادته قدماه إلى فوّهة هذه البئر على الرّغم أنّها مهجورة لا ماء فيها. ويُقال في مثل هذه الحال، في الرّوايات الرّومانسيّة، إنّ القَدَر هو الذي ساقه إلى الطّوي، وجعله يصغي وينعم النّظر، فإذا أنين يصله من أسفل الطّوي، فربط نفسه بحبل، ونزل البئر، وعاد ببخيتة. والمصادفة الثّالثة، وهي قدريّة أيضاً، جعلته يعرف امرأة من ذوات الخبرة بالطّبّ الشّعبيّ، اسمها (خصيبة)، وهي كالعادة الرّومانسيّة في وصف المنقذين، امرأة طيِّبة القلب مثل عليّ، لا أسرة لها مثله، حنون مثله، تداوي جراح بخيتة التي لم تكن قاتلة، يعينها (عليّ)، ويحرص مثلها على أن يُبْقي الخبر  طيَّ الكتمان، بعيداً عن (أمّ ناصر) المرأة الثّرثارة التي ليس لها في الرّواية غير نَقْل الأخبار والشّائعات.

= أمّا القدر، وهو أثير في النًصوص الرّومانسيّة، فلم يكتف بدفع (علي) إلى مكان الطّوي لإنقاذ بخيتة، وجَعَله يعرف (خصيفة) الطّبيبة الشّعبيّة، ويتّصف بالطِّيبة وكتمان السّرّ مثلها، بحيث نجحا معاً في إنقاذ بخيتة من الكارثة وأعادها سليمة معافاة لا تعرف سبباً لما فعله أبوها فيها. أقول إنّ مريم الغفلي التي منحت حدثها اللَّبوس الرّومانسيّ أحبّت استعمال وسيلة (القَدَر) الرّوائيّة الأثيرة في هذا اللّبوس. ولهذا السّبب تركته يُكمل عمله، فينتقل إلى أسرة سلطان وقد استقرّت في مضاربها، ويبتدع مجموعة من اللّصوص تهاجم المضارب للاستيلاء على (الحلال)، ويترك سلطان يموت بطلق ناريّ إثر محاولته منع هؤلاء اللّصوص عن نَيْل مرادهم. وتركته مريم الغفلي يُبقي  (شما) على حال الصَّدمة الأولى، ويعلن رغبة أمّها في مداواتها على الرّغم من مرور سنة على الحادث الذي سوَّغه سلطان بأنّه وفاة بخيتة في الطّريق في أثناء عودة الأسرة. أمّا العمل غير الأخير للقدر فهو تصريح مصبّح بحبّه بخيتة، ورغبته في الزّواج منها بعد عودة أسرتها إلى المضارب، وكان سبقها إليها إثر مغاضبة (طريفة) له، وإهانته أمام عمّته عائشة. بيد أنّ هناك تدخُّلاً قدريّاً آخر مهَّد لإنهاء الحكاية، هو رغبة (علي) بعد سنة من الحادث، وبعد شفاء بخيتة، وإعلانها جهلها السّبب الذي دفع أباها إلى طعنها، وبقائها تعيش في كنف خصيفة، الذّهاب إلى مضارب أسرة بخيتة ليبيع ويشتري كعادة البدو، وهو الذي لم يفعل ذلك طوال سنة. وهذا التّدخُّل القدريّ ضروريّ لإنهاء حكاية بخيتة، وإزالة الغموضين الآخرين عنها. وقد ترجم الحدث هذا التّدخُّل القدريّ. إذ كلَّفت بخيتة عليّاً بالسّؤال عن الرّضيع عبيد الذي أحبّته وأرضعته، وعن والده مصبّح، ولم تكلِّفه بالسّؤال عن أسرتها. وقد فعل (عليّ) ما طلبته بخيتة منه، وجاءها بالنّبأ السّار عن سلامتهما. ولكنّ التّدخُّل القدريّ لم ينته هنا، إذ سأل أحد الفتيان عليّاً عن طبيب بارع يداوي (شما)، فدلّه على (خصيفة). وكان التّدخّل القدريّ الأخير بداية إنهاء الخدمات التي قدَّمها القدر لرومانسيّة الرّواية، وسيكون لتدخُّله الأخير أثر إيجابيّ واضح خاصّ بالنّهاية السّعيدة للحكاية بعد لقاء بخيتة بأسرتها.     

= أمّا النّهاية السّعيدة وما يطيف بها من سمات رومانسيّة، كالبكاء والعفو والحبّ، فهي ضروريّة للخواتيم الرّوائيّة عند الرّومانسيّين الذي يُشْغَلون طَوَال النّصّ بطَرْح الفواجع والكوارث والمصائب، ولكنّهم يحرصون غالباً على النّهايات السّعيدة التي تُرضي القرّاء، وتزيل ما علق في نفوسهم من آثار سلبيّة. وهذا ما أجادته مريم الغفلي. إذ إنّها تركت أمّها تأتي إلى خصيفة ومعها شما ومصبح. وبهذا القدوم انتهى الغموض الأوّل الخاصّ بمصير بخيتة، وبدأ الغموضان الثّاني والثّالث يزولان شيئلً فشيئاً بقدوم عائشة أمّ بخيتة ومعها شما. أمّا غموض المآل فقد زال بإعلام القارئ بنبأ وفاة سلطان إثر هجوم اللّصوص، ويُضاف إلى موته نبأ آخر، هو شعوره بالنّدم لما فعله ببخيتة. والرّواية الرّومانسيّة لا بدَّ لها من أن تُنهي حياة القاتل الذي سبَّب الموت، أو تجعلة نهايته فاجعة؛ حتّى تُجسِّد النّهاية السّعيدة. ولذلك استمر كشف الغموض عن مآل الأسرة، فإذا خصيفة قد هدَّها المرض والنّدم على ما جنته يداها، وإذا مصبّح يشعر بحبّ بخيتة، ويقرِّر خطبتها بعد عودة أسرتها إلى مضاربها، ولما أخبروه بموتها في الطّريق أسف لذلك، وعدَّ الأمر متابعة لحظّه السَّيِّئ. وأمّا كشف الغموض الثّالث الخاصّ بالسّبب الذي دفع أبا بخيتة إلى طعن ابنته، فقد أزالته شما حين علمت ببقاء أختها حيّة. إذ إنّها استعادت عافيتها لما رأت أختها، كما هي الحال في الأشرطة السّينمائيّة الرّومانسيّة، وراحت تُخبر الآخرين بأنّها كانت ترى بخيتة تُرضع (عبيد)، وأنّ بعضاً من حليب الرّضاعة سال على ثوبها، فرأته عمّتها طريفة، وظنّته نتيجة علاقة بخيتة الآثمة بمصبح. وقد أخبرت أخاها (سلطان) بذلك، وطلبت منه الإسراع في غسل العار، ففعل. ولا شكَّ في أنّ المألوف في الرّوايات الرّومانسيّة هو تقديم النّهاية السّعيدة بعد إزالة الغموض، ولا بدّ قبل ذلك، أو بعده، من مبادرة بخيتة إلى العفو عن عمّتها وأبيها، وإلى مسامحتها أمّها التي لم تتدخَّل في أمر طعنها، مكتفية بالبكاء الذي لازمها وكان وسيلتها لاستنكار ما فعله زوجها بابنتها. ههنا تأتي النهاية السّعيدة، فيلتئم شَمْل الأسرة من جديد، ويتزوّج مصبّح بخيتة، ويعود عبيد إلى حضنها، وتُسمَّى (أمّ عبيد)، ثمّ يكبر ويتزوّج وينجب، ويُسدل السِّتار على الجانب الرّومانسيّ الذي وسم بداية مريم الغفلي الرّوائيّة بميسمه، ومهَّد الطّريق للحديث عن بناء الرّواية.

ب.بناء الرّواية:

     إذا كانت رومانسيّة شكل الرّحلة كشف لنا الاعتماد على المصادفات القَدَريّة والنّهاية السّعيدة والقدرة على الصَّفْح عن الإساءة، وقليل من البكاء والحبّ، فإنّ بناء الرّواية تأثَّر بهذه الرّومانسيّة من خلال الهيام بالطّبيعة وصفاً واختراقاً للأمكنة الرّوائيّة المتبدِّلة، ومن خلال المشاعر الرّقيقة للشّخصيّات، والابتعاد عن العنف، والالتزام ببساطة العلاقات الاجتماعيّة وإنسانيّتها. ولعلّ النّقاط الآتية تُقدِّم فكرة عن بناء رواية (طوي بخيتة) ضمن رومانسيّة شكل الرّحلة.

= الفضاء الرّوائيّ:  

     أعتقد أنّ الفضاء الرّوائيّ أبرز الأشياء الإيجابيّة في بناء رواية (طوي بخيتة). ذلك أنّ شكل الرِّحلة أساس بناء الرّواية، وقد سمح هذا الشّكل بالانتقال من مكان إلى آخر، ابتداء من الصحراء والجبال والوديان، وانتهاءً بالسّاحل. وقد تشكّل من هذه الأمكنة فضاء روائيّ ماتع عماده القاعدة الآتية: كلّما دخلت الشّخصيّات مكاناً أحيته، وجعلته معروفاً للقارئ بوساطة وصفه وتحديد علاقات الشّخصيّات وطبائعها داخله. بيد أنّ السّارد العالِم كان ينهض بهذه المهمّة نيابة عن الشّخصيّات وإنْ قدَّمها بعيونها، وخصوصاً عيون (شما) البنت الصّغيرة المرحة التي تعجب من كلّ شيء تراه، تفرح حين تشاهد موجودات الطّبيعة وكأنّها تراها أوّل مرّة، وتخاف من موجودات الطّبيعة وكأنّها مُقدِمة على مَهْمَهٍ واسع لا تعرف أوّله من آخره. ولكنّ السّارد الذي كان ينوب عنها كما ناب عن غيرها لم يكن يغفل عن وصف هذه الأمكنة، سواء أكانت قاسية كالمهمه أم كانت جميلة كالوديان والجداول والأشجار والنّسيم، أم كانت بين ذلك كالسّاحل. وقد سمح شكل الرّحلة بتشكُّل هذا الفضاء الرّوائي، وبوصفه كلّما دخل الرّاحلون مكاناً من الأمكنة. من ذلك ما قدَّمه السّارد نيابة عن شما حين وصلت الرّحلة إلى شِعْب فيه واد، ورغبت في النّزول إلى هذا الوادي:

     (تختار طريقاً تبدأ من تحت شجرة سدر ضخمة، تنحدر للأسفل متكئة على جذع الشجرة، تمسك بحواف المنحدر، كلها لهفة وهي تلمح انعكاس الماء في الأسفل. كان المنظر يستعجلها، فأخذا تسرع الخطى، تختار أماكن وضع قدميها بحذر تجنباً للسقوط، غير عابئة بالأحجار المتدافعة تحت قدميها. تجيل نظراتها في المكان حولها وكأنها ترغب في اختزان كل المناظر التي تراها بمخيلتها التي لم يسبق لها رؤية شيء كهذا سوى الصحراء، بانبساطها وندرة كل شيء فيها، جفاف الصحراء جفف حتى مخيلتها. يجذبها صوت خرير الماء، تلمح شجيرات الدفلى على ضفة الوادي بأزهارها البيضاء والحمراء، مستكشفة من بعيد تجاويف الكهوف الصغيرة وتلك الكائنات التي تلمحها تتراكض عبرها. الصخر المرتفع أعلى الوادي شكل مصاطب ما بين الماء والجبل، كل تفصيل بالمكان يبث سحراً وخصوصية تميزه).

     هذا الوصفُ الذي قدَّمه السّارد النّائب عن مريم الغفلي داخل الرّواية وصفٌ لمكانٍ رأته شما أوّل مرّة، فبدت به معجبة؛ لأنّها ابنة الصّحراء القاسية التي جففت مخيّلتها كما نصّ السّارد في أثناء الوصف، فتحوَّلت هذه المخيِّلة إلى دهش واضح دائم، كل شيء جديد بالنِّسبة إليها. ولذلك لم يكن الوصف موجزاً، إنّما كان مفصَّلاً، يُعْنَى بالجزئيّات الصّغيرة، ويحرص على تقديم المكان من أعلى إلى أدنى، فتبدو الأشياء صغيرة أوّل الأمر ثمّ تتّضح كلّما اقتربت عينا (شما) منها. وليس الغرض هنا تقديم مثال على وصف المكان، فمثيل المثال السّابق كثير في رواية (طوي بخيتة)، سواء أكان الوصف خاصاً بالشِّعْب الذي اخترقه الرّاحلون أم كان خاصّاً بالصحراء التي انطلقوا منها أم كان بالسّاحل الذي استقرّوا فيه، أم بالأمكنة الأخرى  التي حلّوا فيها، كالعريش وغيره، إنّما الغرض بيان ولوع السّارد العالِم، ووراءه مريم الغفلي، ببناء الفضاء الرّوائيّ الذي تشكّل من أمكنة عدّة متبدِّلة في أثناء الرّحلة. والظّنّ أنّ أجمل ما قدَّمته مريم الغفلي في هذه الرّواية هو بناء هذا الفضاء الرّوائيّ الآخاذّ، ومن أسفٍ أن تخونها القدرة على دمجه في بناء الرّواية كما هي حال الفضاء الرّوائيّ عادةً. ذلك أنّ هذا الفضاء الجميل بقي فضاءً سرديّاً لم يصنع حدثاً روائيّاً، ولم يُسهم في نموّ شيء في الشّخصيات، ولم يُضف قَدْراً ولو ضئيلاً إلى أثر المكان في الحوادث والشّخصيّات والزّمن، ولم يكن جزءاً من عقدة حُبْكة الرّواية وحوادثها وبناء شخصيّاتها، إنّما كان مجرَّد لوحات جميلة متعاقبة قاد إليها تبدُّل الأمكنة واختلافها نتيجة شكل الرّحلة الذي اعتمدته مريم الغفلي.

     لا أشكّ في أنّ الفضاء الرّوائيّ عند مريم الغفلي في (طوي بخيتة) كان الابن البارّ للرّومانسيّة التي تهيم بالطّبيعة حبّاً، وتراها الأمكنة الأليفة التي تتحرَّك الشّخصيّات فيها، تضحك وتحب وتلعب وتفرح وتحزن. وهي هنا، في طوي بخيتة، فرحة ليس غير، مندمجة في الطّبيعة، تتحرَّك فيها حين تأكل وتنام وتسير وتستريح، تحنو عليها، وتحافظ على نظافتها، وتُغرم بتفصيلاتها الصّغيرة، ومنحدراتها وأشجارها وخرير مياهها إذا كانت أمكنة خضراء، وتتكيَّف مع قسوتها إذا كانت أمكنة رمليّة جافّة. ترصد، في الحالات كلّها، امتداد الفضاء ووصفه وعمقه ومحتوياته، دون أن يغيب شيء عن فضائها. وهذا كلّه هو الذي صنع جمال الفضاء الرّوائيّ في (طوي بخيتة)، وجعله قريباً من التّصوير الحيّ بدلاً من الوصف الجامد.

= الشّخصيّات:

     عانت الشّخصيّات في رواية (طوي بخيتة) من ضعفٍ جعلها غير فاعلة في الرّواية. ذلك أنّ  السّارد العالِم سيطر على الحكاية الرّوائيّة، وراح يُقدِّم كلَّ شيء يتعلَّق بالشّخصيّات فيها: صفاتها وأفعالها وعلاقاتها وأعمالها. إذا رأت الشّخصيّات شيئاً قال إنّها رأته، وإذا شعرتْ بشيء قال إنّها شعرت بكذا وكذا، حتّى إنّه أصبح بديلاً منها طَوَال الرّواية. ولهذا السّبب ضمرت الشّخصيّات، وبقيت مجرَّد أسماء، لا تبتدع حدثاً، ولا تُعبِّر عن تفاعلها مع حدث ابتدعه غيرها؛ لأنّ السّارد نهض بهذه المهمّة نيابة عنها، ولم يسمح لها بالمشاركة فيها بنفسها. وأصبح من البديهيّ ألا تظهر صفات الشّخصيّات من خلال علاقاتها الرّوائيّة واختراقها الأمكنة، إنّما أصبحت تظهر من خلال ما قدَّمه السّارد عنها. فطريفة أخت سلطان شكّاكة، حقود، سريعة الغضب، تحبّ السّيطرة، دون سبب يدفعها إلى ذلك. وما ذكرته مريم الغفلي على لسان السّارد من أنّها تزوّجت ولم تنجب ليس سبباً روائيّاً كافياً لوضعها بين الأشرار. وبخيتة طيِّبة متسامحة، لا تنطق بغير جمل قليلة في الرّواية، وتجهل السّبب الذي دفع أباها إلى طعنها، وتتشبَّث بالرّضيع عبيد، دون أسباب روائيّة، ودون أن تسعى إلى معرفة ما يدور حولها، أو تحقد على أبيها، أو تسأل عن مصير أمّها وأختها شما. وليس لديها تعليل مقنع لاحتضان عبيد غير وصية أمّه لها، وهي صديقتها، بالعناية به. وسلطان أبو بخيتة ينتقل دون مسوّغ مقبول من الحنان إلى الوحشيّة، فيطعن ابنته استناداً إلى جملة قالتها له أخته، ثمّ يرميها في بئر مهجورة، ويتابع سيره وكأنّ شيئاً لم يكن. صحيح أنّ المجتمع الرّوائيّ مجتمع بدويّ، لكنّ مريم الغفلي لم تُصوّره متخلِّفاً جاهلاً معادياً المرأة، إنّما صوَّرته منسجماً، متعاوناً، بسيطاً، متسامحاً، لا أثر للخلافات فيه. ولا علاقة لنا هنا بمفهوم المجتمع نفسه في الواقع الخارجيّ الحقيقيّ قديماً؛ لأنّ الرّواية ليست نسخاً له، إنّما هي واقع فنّيّ، أرادت مريم الغفلي له أن يكون إعادة إنتاج له، انطلاقاً من المفهوم الرّومانسيّ البعيد عن العنف، القريب من الطبيعة، المنحلّي بالعفو، المتَّسم بالعلاقات البسيطة.

     من المفيد القول إنّ العلّة هنا لا تكمن في اختيار السّارد العالم، فقد اختاره روائيّون كثر، وقدَّموا من خلاله روايات جميلة ماتعة. ولكنّهم، في الغالب الأعمّ، لم يسمحوا له بالسّيطرة الكلّيّة على الشّخصيّات، فيعرف ما تفكِّر فيه، وما تشعر به، وما تتمنّاه، وما تخاف منه. ولم يلغوا أفعال هذه الشّخصيّات ليجعلوه مقدَّماً عليها، إنّما لجؤوا إليه جزئيّاً، وجعلوه تنويعاً روائيّاً وليس سيِّداً وحيداً مطاعاً.

     المشكلة، في المآل الأخير، تكمن في مريم الغفلي التي ضغطت كثيراً على رقبة هذه الشّخصيّات بوساطة السّارد النّائب عنها داخل الرّواية، وراحت تسرح وتمرح وحدَها في السّياق الرّوائيّ، وسنلاحظ، بعدُ، أنّها تملك اللّغة التي أعانتها على أن تتحدَّث وحدها عن كلّ شيء، فخسرت الرّواية وربحت جماليّة النّصّ، أو هي، في حدود ما أرى، قدَّمت قصّة قصيرة في الثلث الأخير من النّص، وجعلت الثّلثين الأوّلين مقدّمة لها، وسياحة في الطّبيعة؛ قبل أن تخلص إلى القول إنّ المجتمع البدوي القديم كان قاسياً، يأخذ المرأة بالشّبهة، ولا يتّصف بالأناة في أي شيء يتعلّق بالشَّرَف. وسأشير إلى أمور أخرى ساعدت على أن يُصبح نصُّ (طوي بخيتة) قصّة (ممطوطة) ليس غير.

= الزّمن الرّوائيّ:

     في رواية (طوي بخيتة) نوعان من الزّمن: زمن الطّبيعة، وزمن الأيّام والشّهور والسّنوات. والواضح أنّه لم تكن هناك أيّة عناية بنوعي هذا الزّمن الرّوائيّ. فاللّيل والنّهار، وهما زمن الطّبيعة، كانا يكرّان في الرّحلة الرّوائيّة دون أن يرافقهما، أو ينبع منهما، الحدث الرّوائيّ. وبقي الأمر على هذه الحال إلى القسم الأخير من النّصّ، حيث القسم التّصويريّ الذي طُرِح فيه الحدث وانتهى نهاية سعيدة. كان اللّيل والنّهار شكلين من أشكال الزّمن الرّوائيّ ولم يكونا فعلين من أفعاله. وحين تخلّت مريم الغفلي عن هذين الشَّكلين لجأت إلى زمن الأيّام والشّهور، فقفزت سنة؛ لتتحدَّث عما آل إليه أمر بخيتة، فخسرت أثر هذه السّنة . الرّوائيّ في الحوادث والشّخصيّات، على الرّغم من أهمّيّة الزّمن في أيّ عمل روائيّ. ولعلّ هناك أمراً آخر نتج عن إهمال العناية بالزّمن، هو جنوح النّصّ إلى القصّة القصيرة بدلاً من الرّواية؛ لأنّ الزّمن مرتبط بالشّخصيّات عادةً، وأساسيّ في نموّ الحوادث، فإذا خلا النّصّ الرّوائيّ منه ومن الشّخصيّات ومن الحوادث المركَّبة، ابتعد عن الرّواية، واتّجه بناؤه الفنّيّ إلى القصّة القصيرة.    

= السّرد الرّوائيّ:

     لا أشكّ في أنّ مريم الغفلي ساردة ماهرة، وأنّ قدرتها السّرديّة ستنفعها كثيراً في نصوصها القابلة. ذلك أنّ قارئ (طوي بخيتة) سيعجب من قدرتها التّصويريّة في أثناء تقديمها الفضاء الرّوائيّ، ومن قدرتها التّصويريّة نفسها في أثناء تقديمها الحدث الخاصّ بطعن بخيتة ورميها في الطَّوي. ويمكن أن أضيف إلى قدرتها التّصويريّة ما فعلته في بناء الغموض (البوليسيّ) في القسم الأخير من النّصّ، سواء أكان هذا الغموض مسوَّغاً أم لم يكن. والمعروف أنّ هذه القدرة التّصويريّة عند مريم الغفلي هي قدرة لغويّة قبل أيّ شيء آخر، تجلّت لديها في تقديمها سرداً شائقاً قادراً على تقديم الموصوفات وكأنّ المتلقّي يراها أمامه، سواء أكانت متحرِّكة أم جامدة. وقد نبعت هذه القدرة اللّغويّة من محافظتها على صحّة اللّغة العربيّة، ودقّتها، ومراعاة سننها، ومرونتها في اختيار الألفاظ البسيطة الواضحة الملائمة للرّواية وصفاً وسرداً، حتّى إنّ الهنات التي وردت في النّصّ ترجع، في اعتقادي، إلى الطّباعة ليس غير.

     بيد أنّ قدرة مريم الغفلي التّصويريّة تحتاج إلى تجنُّب الأمرين الآتيين حتّى يكتمل جمالها، ويصحّ استعمالها في السّرد الرّوائيّ.

-       شرح الألفاظ:

     لجأت مريم الغفلي إلى شرح بعض الألفاظ التي اعتقدت أنّها ألفاظ محلّيّة إماراتيّة لا يعرف القارئ معانيها، ومن الواجب تقديم هذه المعاني له ليتمكّن من التّواصل مع الرّواية وفهم معاني كلماتها. وقد جسَّدت مريم الغفلي هذا الاعتقاد بشروح موجزة لكلمات تتعلّق بالطّعام والشّراب والأدوات والحَلْي والأمكنة وغيرها، من نحو: المحل والصّخام والبرميت والرّشاء والطّبلة... وهذا العمل غير سليم في الصِّناعة الرّوائيّة؛ لأنّ القارئ يجب أن يدرك معاني الكلمات من السّياق، ويجب على الرّوائيّ مساعدته على ذلك بجَعْل السّياق يوحي بهذه المعاني إذا كان فَهْمها مرتبطاً بشيء ضروريّ في الرّواية، وإلا فلا حاجة إلى هذه المساعدة. أمّا الاعتقاد بأنّ شرح معاني الكلمات في الهوامش مقبول، فهو اعتقاد غير صحيح، يجب تجنُّبه، والاعتماد على السّياق وحدَه في فهم معاني الكلمات.

     بيد أنّ المشكلة عند مريم الغفلي لا تكمن في شرح الألفاظ فحسب، إنّما تكمن في أنّها لا تملك منهجاً محدَّداً في شرح معاني الألفاظ:

- فهي تشرح اللّفظة مرّتين أحياناً، مرّة بشكل موجز، ومرّة بشكل مفصَّل. من ذلك ما فعلته في كلمة (الرّشاء). فقد شرحتها أوّل مرّة على أنّها (حبل مجدول من اللّيف تربط به الدّلو)، وشرحتها ثاني مرّة على أنّها (الحبل الذي يتم سحب المياه به من البئر حيث تربط الدلو في نهايته). ومن البديهيّ القول إنّ الشَّرْح الأول كاف، ولا حاجة إلى تكراره وإن تغيَّرت الألفاظ المكوِّنة لهذا الشَّرح ما دام المعنى واحداً. والذي يزيد الطّين بِلّة، ويُرسِّخ الحاجة إلى إهمال الشّرح الثّاني، هو وروده بعد صفحات قليلة من الشّرح الأوّل، كما هي الحال في لفظة (السّعن والشّنّ). 

- وقد تشرح اللّفظة نفسها مرّتين أحياناً، ولكنّ هناك تبايناً في المعنى أو في التّحديد بينهما. فقد شرحت لفظة (العاروك) أوّل مرّة على أنّها (خرج من الجلد توضع فيه عدّة الأكل والمؤونة على ظهور الإبل)، وشرحتها ثاني مرّة على أنّها (خرج كبير من الخيش أو الصّوف تُوضَع فيه الأمتعة، ويحمل على ظهور الإبل في الرّحلات الطّويلة). ولا معنى لهذا التّباين في تحديد مادة (الخُرْج)؛ لأنّه قد يُصنع من الجلد أو الصّوف أو الخيش. ذلك أنّ الشّرح في مثل هذه الحال قد يحفز القارئ إلى عدم الثّقة في دقّة الشّروح. 

- وهي تشرح أحياناً لفظة متداولة جدّاً، قديماً وحديثاً، يعرفها القرّاء ولا يحتاج واحد منهم إلى معرفة معناها، كما هي حال لفظة (الشّيلة) التي شرحتها على أنّها (غطاء الرّأس للمرأة، ودائماً يكون أسود اللون). كذلك الأمر بالنّسبة إلى ألفاظ أخرى: (المدواخ)،  و(الحبارى والكروان).

- وهي تشرح  اللّفظة أحياناً بعد مرورها ثاني مرّة، وتُغفل شرحها عندما تمرّ أوّل مرّة. هذا ما فعلته في الألفاظ الآتية: (الصّرانيخ)، و(الرّاعبي)، و(الحابول)، على الرّغم من أنّ الفائدة من الشّرح، إن كان لها مسوّغ، تكمن في أثناء مرور اللّفظة أوّل مرّة.

- أخيراً، تركت مريم الغفلي ألفاظاً كثيرة دون شرح على الرّغم من أنّها لا تختلف في شيء عن الألفاظ التي شرحتها. من ذلك الألفاظ الآتية: البثيث واليقط والجدو والمطراش... ولعلّ الألفاظ المهملة دليل على عدم الحاجة إلى شرح الألفاظ في الرّواية، إذ إنّها مرّت دون أن تعوق القراءة والفهم، فضلاً عن إهمالها يدلّ على عدم توافر المنهج في تحديد الألفاظ التي يجب شرحها، وكيفيّة هذا الشّرح، وما إلى ذلك من أمور ليست الرّواية مكاناً ملائماً لها.

- أسلوب الدّراسة:

     الأمر الثّاني الواجب إهماله في الرّواية، هو أسلوب الدّراسة. فقد ذكرت مريم الغفلي في عدد من المواضع أبياتاً من الشّعر الشعبي على سبيل التّوظيف وتعميق الإيحاء بالبيئة المحلّيّة. وهذا أمر جيِّد مقبول في الرّواية؛ لأنّه شيء من تثقيف النّصّ وجماليّته. ولكنّ الخطأ هنا هو تحويل أسلوب هذا التّوظيف إلى أسلوب الدّراسة بالإشارة في الهوامش إلى اسم الشّاعر، وأحياناً الجزء والإحالة إلى المرجع السابق، كما هي الحال في الأمثلة الآتية:

-       (من شعر عبد الله بن سلطان بن سليم، من تراثنا الشعر الشعبي، جمع وتحقيق الشاعر حمد بو شهاب).

-       (من شعر خميس بن محمد المزروعي).

-       (من شعر الشاعر القديم العقيلي، من كتاب (تراثنا من الشعر الشعبي) الجزء الأول).

-       (الأبيات للشاعر عبد الله بن السيد أحمد).

-       (من شعر الشاعر المرحوم أحمد بن سليم).

     تشير الأمثلة السّابقة إلى قضايا التّوثيق التي يتقيَّد بها الدّارسون للتّعبير عن الأمانة العلميّة. فهم ينسبون ما يقتبسونه إلى أصحابه؛ لأنّ هذه النّسبة حقّ لهم، وواجب على الباحثين التّقيُّد بها. بيد أنّنا في رحاب الرّواية ولسنا في رحاب الدّراسة. وهذا التّوثيق بعضٌ من أسلوب الدّراسة، يجب الابتعاد عنه لئلا يتداخل أسلوب الرّواية بأسلوب الدّراسة. وإذا كان التّوثيق هاجساً لدى الرّوائيّ لجأ إلى التّوثيق بشكل غير مباشر في النّصّ، باستعماله حيلاً أسلوبيّة، يذكر بوساطتها اسم الشّاعر دون أن يلجأ إلى استعمال الهوامش.

     وبعد، فبداية مريم الغفلي دلّت على ولوعها بالرّومانسيّة، وعلى مرونة اللّغة وقدرتها التّصويريّة. وهذه أمور لا يُستَهاب بها في البدايات الرّوائيّة، على الرّغم من توافر بعض الأمور التي تحتاج إلى تعديل وتبديل، وسعي إلى وعي البناء الكلّيّ للرّواية.

شارك