البدايات الروائية النسوية الإماراتية/ باسمة يونس

14 مارس

المؤلف: د. سمر روحي الفيصل (سوريا)

دخلت باسمة يونس عالم الرّواية عام 1990 برواية (ملائكة وشياطين) بعد ثلاث مجموعات قصصيّة أصدرتها في النّصف الثّاني من تسعينيّات القرن العشرين. وثمّة اعتقاد شخصيّ أنّها كتبت هذه الرّواية وهي متأثِّرة برحيلَيْن؛ الرّحيل الفلسطينيّ، والرّحيل الخليجيّ الذي انتشرت فكرته نتيجة حرب الخليج آنذاك. وليس هناك ما يؤكِّد هذا الاعتقاد الذي حفز باسمة يونس إلى كتابة هذه الرّواية. بيد أنّ الواضح هو أنّ المضمون الفكريّ للرّواية يناهض فكرة الرّحيل العربيّ إلى بلاد الغرب، ويدعو الإنسان العربيّ إلى البقاء في بلده إذا أراد أن يحافظ على كرامته وحياته وعاداته. والواضح، أيضاً، أنّ نصّ الرّواية قدَّم بوساطة فكرة الرّحيل وما نتج عنها من آثار سلبيّة فكرة أخرى، هي لقاء الشَّرق بالغرب، وجهد نصُّ الرّواية في أن يجمع بين الفكرتين؛ ليخلص إلى أمر وسط بين مقولة الشاعر البريطاني (كبلنغ): (الشّرق شرق والغرب غرب) ولن يلتقيا، ومقولة أديب فرحات التي ترى أنّهما (قد يلتقيان). وعلى الرّغم من أنّ نصّ الرّواية تشبَّث بمقولة كبلنغ، ومال في أخرياته، استناداً إلى موضوع الابنة التي ولدتها السّاردة في بلد الاغتراب، إلى مقولة أديب فرحات، في محاولةٍ للجمع بين المقولتين، فإنّني أعتقد أنّ الموضوع الأساسي في رواية (ملائكة وشياطين) يبقى موضوعاً فلسفيّاً خاصّاً بفكرة (الرّحيل) نفسها، وإنْ جسَّدتْه باسمة يونس في رحيل أسرة عربيّة.

= الرّحيل الفلسفيّ:

     شكَّلتْ فكرة (الرّحيل) بؤرة رواية (ملائكة وشياطين)، والمحرِّك الأساسيّ لحوادثها. وقد تجلَّت هذه الفكرة في نزوح أسرة عربيّة من ديارها مرغمة، شأنها في ذلك شأن الأسر الأخرى في بيئتها. وتعرَّضت هذه الأسرة إلى مصاعب ومنغِّصات في أثناء نزوحها الإجباريّ إلى بلد غربيّ. لكنّ هذه المصاعب والمنغِّصات لا تداني ما واجهته في غربتها من شؤون وشجون. فقد ماتت الأمّ التي أُجْبِرت على النّزوح مع زوجها وأولادها؛ لأنّها لم تستطع قبول الحياة التّاعسة الجديدة وهي الآتية من حياة هائنة. ثمّ مات الأب من حسرته على زوجته، ومن ندمه على إجبارها على الرّحيل، ومن ضعف حيلته في إعالة أسرته. وأدمن الأخ الكبير المخدِّرات، ومات نتيجة ذلك، وانحرفت البنت الصغرى فقتلها أخوها، وأدركت البنت الكبرى (السّاردة) أنّ الطّبيب الذي حاول الاعتداء عليها هو السّبب في انحراف أخيها وأختها، فقتلته، وأُوْدِعت السّجن، بعد زواجها من ابن عمّتها، حبيبها القديم، وإنجابها منه ابنة جميلة.

     من المفيد أن نلاحظ أنّ باسمة يونس طرحت فكرة (الرّحيل) طرحاً فلسفيّاً وإنْ كانت الفكرة مجسَّدة في أسرة عربيّة. ذلك أنّها جرَّدت مكوِّنات الحكاية الرّوائيّة التي أشرتُ إليها من أيّ شيء يربطها بواقع ماديّ ملموس. فليس هناك، في الرّواية، أيّ تحديد لسبب الرّحيل. وكلّ ما يعرفه القارئ المتلقّي أنّ النّاس في بلد الأسرة سمعوا شائعة مؤكَّدة تُجبرهم على الرّحيل من بلدهم العربيّ، وكان نصيب أسرة (السّاردة) الحلول في بلد أجنبيّ، دون أن يكون هناك تحديد لاسم البلد العربيّ والبلد الأجنبيّ. وليس هناك أيضاً تحديد لأسماء الشّخصيّات الرّوائيّة، إنّما هناك تسميات باسم الجنس، كالأب والأمّ والشقيق الأكبر والشّقيق الأصغر والبنت الصّغيرة وابن العمّة، فضلاً عن عدم تحديد اسم السّاردة، وهي الشّخصيّة التي تولّت وحدَها تقديم الحكاية الرّوائيّة من بدايتها إلى نهايتها. ويصدق عدم التّحديد على شخصيّات الرّواية الأخرى في بلد الاغتراب، كشخصيّة الطّبيب، وصاحب الفرن، وغيرها من الشّخصيّات. وليس هناك، أخيراً، أيّ تحديد لزمن الرّحيل وما يرتبط به من إيحاءات. ولا يخالجني شكٌّ، نتيجة ذلك كلّه، في أنّ خلوّ الرّواية من التّحديد الزّمانيّ والمكانيّ وأسماء الشّخصيّات العربيّة والأجنبيّة، هو الذي وسم الفكرة الرّوائيّة بالتّجريد الدّالّ على أنّ الحكاية التي جسَّدت الفكرة يمكن أن تحدث في أيّ زمان، وفي أيّ مكان، ويمكن أن ترتبط بأيّة أسرة عربيّة أو غير عربيّة. ولهذا السّبب انتقلت فكرة الرّحيل في رواية (ملائكة وشياطين) من الواقع المادّيّ الملموس المرتبط بزمان معيَّن، ومكان محدَّد، إلى فكرة فلسفيّة مجرَّدة صالحة لكلّ زمان ومكان.

     لا يجانب المرء الصّواب حين يقول إنّ فكرة الرّحيل المجرَّدة في دلالتها الفلسفيّة غير المرتبطة بزمان ومكان محدَّدَيْن، هي الهدف الرّوائيّ الذي سعت باسمة يونس إلى تقديمه في بدايتها الرّوائيّة. وكأنّها رغبت في تنفير القارئ من الفكرة نفسها. ولم تخرج عن هذا الهدف حين جعلت القائم بالرّحيل أسرة عربيّة غير منسوبة إلى دولة محدَّدةً. ذلك أنّها رغبتْ، في حدود تأويلي الخاصّ، في توجيه روايتها إلى العرب كلّهم، ولم ترغب في أن تُوجِّهها إلى أبناء دولة عربيّة معيَّنة. ويُخيَّل إليَّ أنّ باسمة يونس لم تطرح فكرة (لقاء الشّرق بالغرب) في الرّواية على أنّها هدف من أهداف المعالجة الرّوائيّة، كما فعل شكيب الجابري وسهيل إدريس وغيرهما من الذين جعلوا هذه الفكرة هدفاً لرواياتهم، إنّما طرحتها على أنّها سبب للأثر السّلبيّ المنفِّر من (الرّحيل)، أو قُلْ إنّها طرحت لقاء الشرق بالغرب ضمن مبدأ (انكسار الأحلام)؛ أحلام الذين يعتقدون أنّ الحياة في الغرب هي الحياة الفضلى التي يتطلّعون إليها ويحلمون بها، دون أن يعرفوا طبيعة نظرة الغرب الدّونيّة للعرب، ودون أن يعلموا شيئاً عن صعوبات الحياة في البلاد الغربيّة، ودون أن يدركوا اختلاف العادات والتّقاليد بين العرب والغربيّين. وقد تكفّلت رواية (ملائكة وشياطين) بتوضيح هذا كلّه من خلال توضيحها ما جرى لأسرة السّاردة بعد حلولها في بلد من هذه البلدان الغربيّة. لعلّها بهذا التّوضيح تكسر أحلام العرب التّوّاقين للهجرة إلى الغرب. وإلا فليس هناك سبب روائيّ مُقْنِع لتنفير القارئ من فكرة الرّحيل نفسها.        

= الرّحيل الرّومانسيّ:

     أعتقد أنّ إعادة رواية (ملائكة وشياطين) إلى بؤرة الرحيل الفلسفيّة يخدم المحلِّل في تفسير أمر آخر أساسيّ في بداية باسمة يونس الرّوائيّة، هو طبيعة الرّحيل الرّومانسيّة. فمن السّهولة أن يلاحظ القارئ هيمنة الاتّجاه الرّومانسيّ على فكرة الرّحيل الفلسفيّة. فقد أُجْبِرت الأسرة على ترك بيتها الجميل وحياتها الهانئة، وراحت المصائب تتوالى عليها من مغادرتها منزلها إلى نهاية الرّواية. إذ سكنت في مغتربها بيتاً رطباً غير صحّيّ، وعانت من الفقر والجوع، فماتت الأمّ فالأب فالأخ فالأخت، وسُجنت السّاردة، وضاعت الأحلام، وتفككت الأسرة. وليس وراء ذلك  كلّه سبب في الرّواية غير القَدَر الذي كُتِب على هذه الأسرة الطَّيِّبة. والقدر صديق الرّومانسيّين الصّدوق، استندوا إليه في رواياتهم، واستمدّوا منه الحلول لحبكاتها. وهو خادم مطيع في رواية (ملائكة وشياطين)، قدَّم للأسرة المرض وموت الأعزّة والمخدِّرات والانحراف والفقر والجوع والحسرة والحياة التّاعسة، كما قدَّم من خلال الطّبيب الطَّمع في فتيات الأسرة، والسّعي إلى تهديمها؛ لسبب واحد هو رَفْض السّاردة مجامعته، وهي له رافضة غير محبّة. هذا القدر يكيل ضرباته لأفراد الأسرة الطيّبين المتحابّين البسطاء الفقراء المغتربين، ويقف لهم بالمرصاد. لا ينجيهم من الفقر والجوع والطَّمع، ويحرص على أن يمنحهم المصائب المتوالية. حتّى إذا غفل يوماً عن السّاردة، فأعاد إليها ابن عمّتها، وهو حبيبها القديم، وسمح لها بالزّواج منه، وإنجاب ابنة جميلة يمكن أن تنال جنسيّة البلد وتتخلَّص من المعاناة التي مرّت بها أسرة أمّها، رماها بتهديد جديد من الطّبيب في منزلها، فقتلته ودخلت السّجن لتكتمل مأساتها.

     غير أنّ الأفعال القَدَريّة ليست السّمة الرّومانسيّة الوحيدة في رواية (ملائكة وشياطين)، فهناك سمات رومانسيّة ملازمة لها، كالفقر والمرض والبؤس والانحراف والموت وغير ذلك من السّمات الرّومانسيّة التي جعلت السّياق الرّوائيّ أسود كالحاً لا ضوء فيه. وقد رغبت باسمة يونس في تعزيز هذا السّواد، فأبعدت خاتمة الرّواية عن البهجة والسّعادة حين زجّت بالسّاردة في السّجن، وكأنّها راغبة في القول إنّ نهاية الرّحيل ليست أفضل من بدايته. وهي، بهذه الخاتمة، مخلصة لهيمنة الرّومانسيّة القدريّة على روايتها. كما عكست، من جانب آخر، طبيعتها الرّومانسيّة الرّافضة لفكرة (الرّحيل)، الرّاغبة في تجريدها وعدم تحديد أسبابها. قد يكون للنّصف الثّاني من ثمانينيّات القرن العشرين، زمن كتابة الرّواية، أثر في ذلك. إذ بدأت الرّومانسيّة في تلك الفترة تستيقظ من جديد في الأدب العربيّ، وتحفز الرّوائيّين والرّوائيّات إلى الاهتمام بها بعد تضخُّم أحاسيسهم بالهزائم العربيّة، وشعورهم بشيء من ضياع الأنا في المعالجات الرّوائيّة الواقعيّة لقضايا المجتمع العربيّ.           

= السَّرد الذّاتيّ:

     تجلّت فكرة الرّحيل الفلسفيّة الرّومانسيّة في شكل سرديّ ذاتيّ شبيه بالسّرد المعروف في السّيرة الرّوائيّة. إذ حملت (السّاردة)، وهي الابنة الكبرى في الأسرة، عبء تقديم حكاية أسرتها، من بدايتها إلى نهايتها، دون أن يكون لهذه السّاردة اسم محدَّد في الرّواية، شأنها في ذلك شأن بقية شخصيّات الرّواية. وهي، في هذه الرّواية، ساردة ممثَّلة تختفي وراءها مؤلِّفة الرّواية. وكلّ ما يعرفه القارئ عن الشّخصيّات الرّوائيّة الأخرى مُقدَّم من خلالها وحدَها، سواء أكانت الشّخصيّات قريبة منها أم بعيدة عنها، فهي تظهر من خلالها، وليس لها وجود مستقلّ عنها. وقد قدَّمت هذه السّاردة الحكاية الرّوائيّة انطلاقاً من ذاتها ومعرفتها الخاصّة وعلاقتها بالحوادث المحيطة بها. وإذا كانت هناك حاجة لتقديم دليل على ذاتيّة السّرد عندها، فالأمور الثّلاثة الآتية يمكن أن تصلح دليلاً على ذاتيّة هذا السّرد عندها.

1.كان التّبئير (Focalisation) في الرّواية خارجيّاً، يدلُّ على أنّ السّاردة كانت تعلم عن نفسها كلَّ شيء، لكنّها لم تكن تعلم عن شخصيّات الرّواية الأخرى غير ما تُخبرها به هذه الشّخصيّات، كما هي حال عِلْمها بزيارة شقيقها الصّغير أخاه الكبير، أو قَتْله أخته الصُّغرى. ولأن التبئير هو زاوية نظر السّاردة، أو مجال رؤيتها الحوادث والشّخصيّات، فإنّ ذلك يعني أنّ اختيار باسمة يونس ساردة واحدة تنهض بمهمّة سرد ما تعرفه عن حوادث الرّواية، وتُقدِّم ما تراه وتسمعه من أحوال شخصيّاتها، هو الدّليل على أنّ السّرد ذاتيّ ليس غير في الرّواية. ولو سمحت باسمة يونس للشّخصيّات الأخرى بالتّعبير عن وجهات نظرها بنفسها لأصبح السّرد موضوعيّاً، لكنّها اكتفت بشخصيّة السّاردة وحدها.

2.أشار سياق الرّواية إلى نمط واحد، هو السّرد، ولم يكن لنمط الحوار أيّ أثر في حوادث الرّواية. وهذا يعني أنّ الرّواية اكتفت بالسّاردة التي كانت طَوَال الرّواية تسرد ما تعرفه وتحسّ به وتواجهه، أو يواجهه أفراد أسرتها، ولم تلتفت الرّواية إلى الحوار الذي ينقل آراء أفراد أسرتها ووجهات نظرهم، ما عدا مقاطع حواريّة قليلة لا يصحّ الاستناد إليها في القول إنّ الرّواية تضم نمط الحوار إلى جانب نمط السّرد. أي أنّ السّرد انفرد بالسّياق الرّوائيّ، وكان معبِّراً عن السّاردة وحدَها؛ ولهذا السّبب أصبح ذاتيّاً ليس غير. 

3.السّرد هو فِعْل إنتاج (الحكي)، وكلُّ حَكْيٍ يحتاج إلى ساردٍ يحكي، ومسرودٍ له يتلقّى الشّيء المحكيَّ. والواضح من سياق رواية (ملائكة وشياطين) أنّ السّاردة كانت طَوَال الرّواية تُحدِّث نفسها، وتُقدِّم ما يعتمل فيها، وما تراه من أحوال أسرتها. وهذا الأمر جعل ما سمّاه رولان بارت التَّواصل السّرديّ مع القارئ ذاتيّاً.

     إذا تذكَّرنا هنا الطَّرْح الرّومانسيّ لفكرة الرّحيل أدركنا أنّ السّرد كان سرداً ذاتيّاً رومانسيّاً. ومن ثَمَّ لم نعجب من هيمنة الأسلوب الرّومانسيّ على السّرد الذّاتي. فمضمون الرّواية مملوء ببكاء السّاردة وشكواها وأنينها. وقد عبَّر أسلوب الرّواية عن هذا المضمون، فكثرت فيه الألفاظ والتّراكيب الدّالّة على البكاء والشّكوى والأنين والضَّجر من الحياة التّاعسة، من نحو: البكاء المرير، وغيوم الحزن، وبراكين التّعاسة، وغير ذلك من تراكيب الإضافة الدّالة على حال السّاردة. بيد أنّ هناك شيئين آخرين برزا في السّرد الذّاتيّ، هما: العون الرّومانسيّ اللّغويّ، والسّرد المتزامن.

     أمّا العون الرّومانسي اللّغويّ فواضح من أنّ الطّبيعة، وهي صديق آخر من أصدقاء الرّومانسيّين، احتلّت مساحة لغويّة كبيرة في السّياق الرّوائيّ. وقد عبَّرت هذه الطّبيعة، طَوَال السّياق الرّوائيّ، عن تضامنها مع أحزان السّاردة والمصائب التي توالت عليها وعلى أسرتها. كانت هذه الطّبيعة جميلة في البلد الأصليّ للأسرة، لكنّها أصبحت كالحة حزينة في بلد الاغتراب. وقد برز هذا التّناقض بين الطّبيعتين في مضمون الرّواية، فدفع أفراد الأسرة إلى الإصرار على العودة إلى بلدهم الأصليّ. كما أثَّر في الأسلوب، فجعل الوصف فيه يتّسم بالتّناقض نفسه. كان البيت هناك (أشبه ببستان مترامي الأطراف، تنمو فيه كلّ أشجار الفاكهة الطّيِّبة). لكنّ البيت في ديار الاغتراب تحوَّل إلى بيت (زاخر بالعفونة المتكدِّسة بتأثيرات الفاقة والرّطوبة... حجرة واحدة هي الصّالحة للسُّكنى فيه، بينما تفنتقر الأخرى لكلّ مقوِّمات حُجَر بيتنا الذي ضاع منّا وتاهت معالمه). ويمكنني القول بإيجاز شديد إنّ أسلوب (ملائكة وشياطين) عَكَس أحزان السّاردة وأسرتها؛ ولذلك امتلأ السّياق الروائيّ بألفاظ وتراكيب مستَمَدَّة من الطّبيعة التي تعول وتبكي وتحزن لعويل الأسرة وفجائعها، في نوع من التّضامن الرّومانسيّ معها. 

     أمّا السّرد المتزامن فيعني أنّ السّاردة الحزينة حرصت في أثناء سَرْدها ما جرى لأسرتها على أن تتوالى الحوادث والفجائع تأريخيّاً منطقيّاً، من بدايتها إلى نهايتها، دون تقديم أو تأخير. وقد انعكس ذلك على الحكاية الرّوائيّة، فأصبحت مرتَّبة الحوادث، مكتفية بشيئين من العقدة، هما العَرْض والذّروة، دون أن تميل إلى حلّ روائيّ يتوقّعه القارئ وينتظره، لكنّ أفق انتظاره يخفق في النّهاية؛ لأنّ الحكاية بقيت حتّى نهايتها تكيل الفجائع على رؤوس أفراد الأسرة، وآخرهم السّاردة نفسها التي انتهت في السّجن. كما انعكست المحافظة على ترتيب الحوادث على السّرد نفسه فأصبح سرداً متزامناً، يرافق تقدُّم الحوادث إلى الأمام تقدُّماً منطقيّاً، من البداية إلى النّهاية، دون توضيح زمن هذا التَّقدُّم، ما عدا ثلاث مرّات قفزت السّاردة فيها مستخدمة عبارات مألوفة في القفز الزّمنيّ، هي: (ومرّت الأيّام)، و(لم أدر كيف دارت الأيّام)، و(استمرّت رحلة القطار يومين). ولم يكتف السّرد المتزامن بهذا التّرتيب التأريخيّ للحوادث الرّوائيّة، إنّما منح فصول الرّواية، وهي سبعة وعشرون فصلاً، عناوين دالّة على هذا التّرتيب للحوادث، من (الإشاعة) و(السَّفر) و(البيت) و(العلّة) إلى (الدّمار) و(الموت) و(الفجيعة). كلُّ عنوان يُعبِّر عن مضمون الفصل، كما يُعبِّر توالي عناوين الفصول عن توالي الحوادث وترتيبها.

     أخلص من الحديث السّابق إلى أنّ بداية باسمة يونس الرّوائيّة كانت نشيداً رومانسيّاً جميلاً ينعى رحيل العربيّ من بلاده، ويحفزه إلى البقاء فيها حفاظاً على كرامته وعاداته. وعلى الرّغم من أنّ هذه البداية تحتاج إلى التّدقيق اللّغويّ الذي يُخلِّصها من الهنات النّحويّة والإملائيّة التي ترافق البدايات عادة، وإلى التّحديدَيْن الزّمانيّ والمكانيّ اللّذين لا يؤثِّران في فكرة الرّحيل الرومانسيّة، وإلى العناية بالحوافز الرّوائيّة للأفعال التي تربط الأسباب بالنّتائج، فإنّها تبقى بداية ماتعة، مقروءة بعد عشرين سنة ونيِّف، قادرة على أن تُذكِّرنا بأنّ الرّواية تستطيع التّعبير عن الفكرة الفلسفيّة إذا كانت صاحبتها ماهرة في طريقة تقديمها إلى المتلقّي.  

شارك