البدايات الرّوائيّة النِّسويّة الإماراتية/ سارة الجروان

14 مارس

المؤلف: د. سمر روحي الفيصل (سوريا)

تطرح بداية الجروان الرّوائيّة أمرين؛ أمر الاسم، وأمر الحكاية الرّوائيّة. ذلك أنّ النّصّ الرّوائيّ (شجن بنت القدر الحزين) نُشِر عام 1992 في دار الثّقافة العربيّة في الشّارقة باسم (حصة جمعة الكعبي). ولكنّ سارة الجروان قالتْ في مقابلة لها في صحيفة (الخليج)، بعد ثماني عشرة سنة، إنّها صاحبة هذه الرّواية. ولا أحتفظ بنصّ المقابلة، ولكنّني أذكر أنّني عرفتُ آنذاك، من المقابلة ذاتها أو من مقابلة أخرى، أنّ اسم سارة الجروان هو (حصة خلف الجروان الكعبي). وقد ذكر محمد الجزائري عام 2009 في مقدّمته لرواية (طروس إلى مولاي السلطان، الكتاب الأول: الحَدَال) الاسم الكامل نفسه. وذكرت سارة الجروان في بداية الرّواية نفسها أنّ اسمها الكامل هو: (حصّة خلف بن جميع أحمد الجروان الكعبي).

     هذا كلّه يعني أنّ اسم (سارة الجروان) مستعار استقرّت عليه صاحبته، واعتمدته في إنتاجها الرّوائيّ الذي تلا روايتها الأولى. وأنّ الاسم الذي نشرت به رواية (شجن بنت القدر الحزين) كان مزيجاً من الاسم الحقيقيّ والمستعار. فهو يملك من الاسم الحقيقيّ الاسم الأوّل (حصّة) واسم القبيلة (الكعبي)، ويملك من الاسم المستعار اسم (جمعة). والواضح أنّها تخلّت في اسمها المستعار الثّاني عن المزيج الأوّل، وراحت تستعمل مزيجاً آخر، يملك من اسمها الحقيقيّ الكامل اسماً  هو (الجروان)، واسماً آخر مستعاراً هو (سارة). أي أنّها انتقلتْ من اسم مستعار مزيج إلى اسم مستعار مزيج، مخلِّفة وراءها اسمها الحقيقيّ الكامل. وكان علينا أن ننتظر طباعة (طروس إلى مولاي السلطان) لنعرف المسوّغ الذي دفعها إلى هذا العمل. إذ ذكرتْ في (كلمة بدء) التي استهلّت بها روايتها كلاماً واضحاً، هو أنّها أحبّت اسم (حصّة) ورأته (من أجمل الأسماء النّسائيّة في الخليج إن لم يكن أجملها على الإطلاق. ولعلّ مردّ ذلك إلى أنّي حرصتُ على ألا أطلع أحداً مسبقاً على اسمي هذا في حداثة سنّي. وقد وجدتُ له خصوصيّة حالت دون ظهوري به في أعمالي السابقة. الأمر الآخر أنّي أحببتُ كذلك اسم (سارة)، ووجدتُ فيه ضالّتي، وهكذا سار بي نحو دروب الأمان والأريحيّة التي كنتُ أنشد وأتمنّى). أي أنّها أحبّت الاسمين: حصّة وسارة، ولكنّها ضنّت بحصّة وأعلنتْ سارة. وهذا أمر لا تقوله الرّواية الأولى المنشورة باسم (حصّة).

     لعلّ هناك تفسيراً آخر محتملاً، يمكن اختصاره بالقول إنّ ظاهرة الأسماء (المستعارة) شائعة في الحقل الأدبيّ النِّسويّ العربيّ. وعلى الرّغم من ذلك فإنّ مضمون رواية (شجن بنت القدر الحزين)، في حدود ما أرى، حفز الكاتبة إلى إخفاء اسمها الحقيقيّ الكامل، وإلى استعمال اسم مزيج من المستعار والحقيقيّ؛ لئلا تتعرَّض للمساءلة الاجتماعيّة في مجتمعٍ لم يكن، في عام طباعة الرّواية عام 1992، يقبل تمرُّد الأنثى على أسرتها، وهربها من المصير الذي رسمته لها. فإذا جاءت كاتبة تطرح هذا الأمر وتؤيّده، لقيتْ من مجتمعها ما لا تُحمد عقباه. وإذا كان هناك شيء يُعزِّز هذا التّفسير، ويدفع الكاتبة إلى اللّجوء إلى الاسم المستعار، فهو عدم توافر سابقة نسويّة روائيّة في الأدب الإماراتيّ غير رواية باسمة يونس (ملائكة وشياطين) التي صدرت عام 1990، وعبَّرت عن موضوع التّأثُّر بحرب الخليج تعبيراً غير مباشر، بوساطة الحديث عن الرّحيل، ومصير الرّاحلين العرب من الخليج إلى بلاد الغرب خشية ويلات الحرب. أي أنّ سارة الجروان قدَّمتْ في بدايتها الرّوائيّة موضوعاً اجتماعيّاً (حسّاساً)، مُفاده التّمرُّد على تحكُّم الأسرة بمصير بناتها، والتّطلُّع إلى الزّواج النّابع من الحبّ، بدلاً من زواج الإكراه والمصلحة. وإنّي أعتقد أنّ خالد محمّد القاسمي الذي قدَّم لرواية (شجن بنت القدر الحزين) وضع يده على التّفسير نفسه حين قال إنّ (شجن في خيارها هذا نراها تخاطب والدها كما تخاطب المتشبّث بالتقاليد والعادات) فثمّة (عادات وتقاليد سائدة تسير بنا إلى بحر الخطايا. أليس قتلاً للإنسانيّة أن تُكْرَه فتاةٌ على الزّواج من إنسان لا تريده؟). والواضح أنّ خالد محمّد القاسمي لم يكن مدركاً أهمّيّة الكشف الرّوائيّ عن إحدى العلل الاجتماعيّة فحسب، وإنّما كان يملك من الحماسة لهذه الرّواية مقداراً دفعه إلى اقتراح إخراجها شريطاً (سينمائيّاً)، انطلاقاً من أنّها (تجربة إنسانيّة).

     هذا هو التّفسير الذي أراه حافزاً إلى استعمال الاسم المستعار. أمّا واقع التّغيير في هذا الاسم المستعار، فهو أمر تاريخي لا نستطيع تغييره وتبديله، وإن كنتُ أقترح على الدّارسين والنّقّاد استعمال الاسم المستعار الأوّل (حصّة جمعة الكعبي) إلى جانب الاسم المستعار الثّاني (سارة الجروان) في أيّ حديث عن رواية (شجن بنت القدر الحزين) تلافياً للبس، وإحقاقاً للحقّ الأدبيّ الذي تملكه الطّبعة الأولى من هذه الرّواية.  

     أمّا الأمر الثّاني في البداية الرّوائيّة لسارة الجروان فهو بناء الرّواية استناداً إلى الحكاية. ذلك أنّ (الحكاية) مجموعة من الحوادث المتخيَّلة التي يسردها سارد أو راو متخيَّل. ولكلّ حكاية مضمونٌ أو أفكار تُعبِّر عنها حوادث معيَّنة، وفعلُ سردٍ يُنتج هذه الحوادث. ولكنّني لن أُحلِّل هنا الحدث المسرود داخل الحكاية الرّوائيّة، وإنّما سأُحلِّل فِعْلَ السّرد نفسه، وأنظر إليه على أنّه خطاب ذو علاقتين: الأولى بين الخطاب والفِعْل الذي يُنتجه، والثّانية بين الخطاب والحوادث التي يسردها. وقد نبع اختياري الخطاب السّرديّ، أو خطاب الحكاية، موضوعاً للتّحليل من أنّ رواية (شجن بنت القدر الحزين) اصطنعت سارداً، ووكلتْ إليه مهمّة الفعل السّرديّ، وجعلته وحدَه مسؤولاً عنه، دون أن تُشْرك فيه أيّاً من الشّخصيّات الرّوائيّة. ولئلا يلتبس الأمر أقول: إنّ السّارد الذي سأتحدَّث عنه هو السّارد الذي يُسمَّى: (السّارد الممثَّل)؛ لأنّه التزم بإحدى شخصيّات الرّواية، وتماهى بها، وقصر عِلْمَه عليها. بيد أنّه هنا عنصرٌ من عناصر الحكاية الرّوائيّة، وبعضٌ من شبكة علاقاتها، وعاملٌ من عوامل بنائها. فإذا سَرَدَ أموراً تخصُّه وحدَه فإنّه سَرْعان ما يهملها أو يُوظِّفها لصالح الحكاية الرّوائيّة. ولهذا السّبب جعلتُ الحكاية الرّوائيّة، بما في ذلك علاقة الرّوائيّ بالسّارد الممثَّل وعلاقة السّارد بالمسرود، هدفاً للتّحليل. أمّا السّارد الممثَّل الذي يسرد أموره الخاصّة، ويُشكِّل منها عالم الرّواية، ويهمل الحكاية الرّوائيّة بما فيها من حوادث وشخصيّات وزمـان ومكان وحُبْكة، بغية التّفرُّغ للفيض أو التّداعي السّرديّ، فهو السّارد الذي ينتج السّرد الذّاتيّ ليس غير.  

     لا أشكّ في أنّ علاقة الخطاب السّرديّ بالفعل الذي يُنتجه هذا الخطاب، وبالحوادث التي يسردها، هما اللّتان سمحتا لي بتحليل (الحكاية الرّوائيّة) بادئ الأمر، ثمّ تحليل العلاقة بين (الرّوائيّ والسّارد)؛ لأخلص بعد ذلك إلى تحليل العلاقة بين (السّارد والمسرود). فالرّواية في المنظور المنهجيّ لخطاب الحكاية نصٌّ سرديّ أنتج فعلاً تخييليّاً، وليستْ محتوى أو مضموناً صالحاً للتّلخيص والتّفسير. ولا تختلف رواية (شجن بنت القدر الحزين) عن ذلك، ولكنّني جعلتُ تحليلها يُركِّز على الحكاية الرّوائيّة ذات البناء المتخيَّل والمضمون الاجتماعيّ الرّومانسيّ الخاصّ بمجتمع الخليج العربيّ. إذ يمكننا أن نلاحظ أنّ العناصر المكوِّنة للحكاية الرّوائيّة تفعل فِعْلها على نحو أكثر تكثيفاً وقدرة على توفير التّوتُّر الدّراميّ. فالسّارد في رواية سارة الجروان كالسّارد العالِم في الرّوايات العربيّة الأخرى يستعمل ضمير الغائب، ويروح يُقدِّم الشّخصيّات وخصوصاً شخصيّتي خالد وشجن، ويلاحق حركة هذه الشّخصيّات وردود أفعالها الدّاخليّة.

     يعجب المحلِّل، أوّل وهلة، من سلامة اللّغة في رواية (شجن بنت القدر الحزين)، وسلاستها، ودقّتها في التّعبير عن المراد سرداً وحواراً. لكنّ هذا العجب سَرْعان ما يتضخّم، إذ يلاحظ المحلّل جرأة سارة الجروان في الإقدام على بناء مجتمع متخيَّل استناداً إلى حكاية رومانسيّة كاد الأدب الرّوائيّ العربيّ ينسى خارطتها، ويبتعد عن مثيلاتها، لاعتقاده أنّ الرّومانسيّة مرحلة من مراحل المجتمع والأدب العربيّين انتهتْ بحُلوها ومُرّها، مخلِّفة وراءها ذكرى جميلة عن العلاقة بين الرّجل والمرأة في مواجهة القيود الأسريّة. بيد أنّ سارة الجروان كانت من الجرأة بحيث قالت لنا: إنّ المجتمع الخليجيّ لم يتغيّر بعدُ، فما زالت البنت تابعة لوالدها، سواء أكانت راضية بمصيرها أم لم تكن. وكلّ مَنْ تحاول التّمرُّد على ذلك، كما فعلت شجن، سيكون نصيبها الموت. لذلك ملأتْ آذاننا صيحة الألم التي دوّى صداها في المستشفى حين قتل عبد الله أخته شجناً، وانحنى خالد يريد إيقاظها (ولكنْ هيهات). لقد قُتلت شجنٌ لأنّها تمرّدت على قَدَرها الرّوائيّ الحزين، وسَعَتْ إلى بناء قَدَر جديد سعيد لنفسها، دون أن تدري أنّ الحياة السّعيدة للمرأة العربيّة، في الرّواية العربيّة عموماً، لا تتحقّق في حياة صاحبتها.

     لا أشكُّ، ثانيةً، في أنّ حكاية المرأة العربيّة الخليجيّة في الرّواية طويلة، متداخلة، ماتعة، لا يسمح منهج التّحليل البنيويّ بأكثر من الإشارات السّابقة إلى مضمونها في رواية سارة الجروان. ذلك أنّني معنيٌّ بالقول إنّ حكاية (شجن) في هذه الرّواية مسرودة من وجهة نظر سارد عالِم بكلّ شيء؛ أي أنّ موقع (اللاتبئير) أو التّبئير في درجة الصّفر، الذي احتلّه السّارد ونظر منه إلى الشّخصيّات هو الذي جعله يعرف أكثر ممّا تعرف الشّخصيّات الرّوائيّة كلّها. لكنّ هذا الرّاوي تمتّع بميزة لم يتمتّع بها إلا القليل من أمثاله العالِمين بكلّ شيء، المحتلِّين موقع اللاتبئير، هي أنّه سارد مراوغ، يصعب الإمساك به؛ ولذلك نجح في أن يُقدِّم لنا حكاية ماتعة، يبقى حدثها محافظاً على توتّره طَوَال الرّواية، فلا يفتر أو يترك المتلقّي يتلهّى عنه بشيء آخر.

     إنّ طريقة سرد الحدث في حكاية (شجن بنت القدر الحزين) هي التي دلّتنا على أنّ السّارد مراوغ. فقد قدَّم هذا السّارد شخصيّة (شجن) وهي متنكِّرة بزيّ رجل راغب في بيع مصاغ ذهبيّ عند الصّائغ، بعد أن تلثَّم فلم يبدُ منه شيءٌ غير عينيه. كما قدَّم السّارد في الوقت نفسه شخصيّة (خالد)، وجَعَلَه موجوداً بالمصادفة عند الصّائغ، ودَفَعه إلى أن يشكّ في أنّ هناك شيئاً غريباً في هذا الرّجل الخائف العجل الرّاغب في بيع المصاغ دون مساومة. فتبعه وعرض عليه إيصاله إلى المكان الذي يرغب فيه، ثمّ عرض عليه اصطحابه إلى منـزله ليبيت عنده دفعاً للأذى عنه وحماية له من أيّ مكروه. وقد اكتشف خالد بعد ذلك أنّ الفتى (فهد) هو فتاة متنكِّرة، فناداها باسم (شجن) بدلاً من اسمها الحقيقيّ (عائشة) الذي لم يكن يعرفه أوّل الأمر. ولقد مال إليها ومالت إليه، وبدأت الحكاية تتّسع وتمتدّ. إذ ساعدها خالد على السّفر إلى البحرين متنكِّرة بهيئة امرأة عجوز، وسعى إلى أن يؤمِّن لها هناك عملاً وسكناً. ثمّ ترك الإمارات في إجازة، ولحق بها، وقابلها، حتّى رسخ حبُّها في قلبه، وكاد يتزوّج منها لولا حادث في السّيّارة، نقلهما معاً إلى المستشفى، ودفع الشّرطة إلى معرفة أهلها، فأتى أبوها وأخوها عبد الله من الإمارات إلى البحرين، ونفَّذ أخوها فيها حكم الموت بطعنها بخنجره، ولاذ بالفرار. لكنّها لم تمت قبل أن تقابل خالداً، وتجعله يعطيها الخنجر، ويستدعي الشّرطة، لتعترف قبل موتها بأنّها هي التي طعنت نفسها. وكان منطلقها في ذلك إخلاصها لأسرتها ورغبتها في إنقاذ أخيها وإبعاد الأذى عنه وإن كان سبباً في موتها، دون أن تصل إلى حياتها الهانئة التي سعت إلى بنائها.

     تلك خلاصة غير وافية للحكاية الرّوائيّة التي سردها سارد يمكن وصفه بالمراوغ؛ لأنّه لم يرضخ لمعرفته الكلّيّة، وإنّما راح يوظِّف هذه المعرفة في خلق المتعة الرّوائيّة. وكان (الغموض) سبيله إلى توظيف المعرفة وخلق المتعة. فقد طرح شخصيّة رجل ملثَّم يلفُّه الغموض، وراح شيئاً فشيئاً يُزيل هذا الغموض، فإذا الرّجل فتاة، وإذا الاسم الذي استعمله السّارد على لسان خالد لها هو (شجن). ثمّ، بعد زوال آخر طبقات الغموض، تبيّن أنّ الاسم الحقيقيّ لها هو (عائشة). على أنّني لم أصف سارد هذه الحكاية بالمراوغ؛ لأنّه طرح شخصيّة غامضة تنجلي أمورها كلّما أوغل المتلقّي في القراءة، وإنّما وصفتُه بهذه الصّفة لأنّه لم يُصرِّح بشيء من معرفته بحقيقة الغموض الذي يلفُّ شخصيّة (شجن)، وشرع يتظاهر بأنّ (شجناً) هي التي اختارت توضيح حكايتها وإزالة الغموض عن شخصيّتها على دفعات، بحيث يعلم بهذا التّوضيح ثلاث جهات في وقت واحد:

-       الجهة الأولى فنّيّة، داخل الحكاية. هي شخصيّة خالد الذي عرف الرّجل وآواه، ثمّ اكتشف أنّه فتاة.

-       الجهة الثّانية فنّيّة، داخل الحكاية، متحكِّمة بها. هي السّارد العالِم بكلّ شيء.

-       الجهة الثّالثة فنّيّة، خارج الرّواية، منفعلة بالحكاية. هي المتلقّي الذي يقرأ الحكاية وينفعل بها، ويُمتَّع بها إذا كانت ماتعة، ويقتنع بها إذا كانت مقنعة.

     نستطيع أن نلاحظ شيئاً فنّيّاً آخر قبل متابعة توضيح مراوغة السّارد، هو أنّ سارة الجروان أفرغت المجتمع الرّوائيّ من أيّة شخصيّة أخرى ضاغطة، أو يمكن لها أن تُشتِّت انتباه المتلقّي. فقد غيّبتْ أبا شجن وأخاها، وجعلتْ شخصيّة أبي محمّد هامشيّة لا تفعل شيئاً غير طرح السّؤال المؤذن بنهاية الرّواية، وهو السّؤال عن تردُّد خالد على مسكن المرأة العجوز التي تعمل لديه دون أن يدري أنّها شابة، وأنّ اسمها شجن، وأنّها هاربة من أسرتها في الإمارات. ليس في ساحة الرّواية، كما اختارت سارة الجروان بذكاء، مَنْ يلفت الانتباه غير خالد وشجن. أمّا خالد فلا قصّة له، ومسوّغ خروجه من البحرين وعمله في الإمارات، بسيط هو قصّة حبّ لم يُكلَّل بالزّواج، ولم يُخلِّف فيه أثراً يستحقُّ المتابعة في الرّواية. أو قُلْ إنّ ذكاء سارة الجروان تجلّى في دَفْعها خالداً وقصّته إلى ركن قصيٍّ من أركان الرّواية، بحيث يبتعد عن دائرة اهتمام المتلقّي، ويبقى مثله يترقَّب جلاء الغموض عن شجن.

     لقد تجلّت مراوغة السّارد في أنّه تظاهر بالجهل بتفصيلات الحكاية على الرّغم من أنّه كان، داخل المجتمع الرّوائيّ، ينتقل من شجن إلى خالد، ومن خالد إلى شجن، ويُقدِّم سلوكهما الخارجيّ  وردود أفعالهما الدّاخليةإلى المتلقّي. أي أنّه، تبعاً لطبيعته، كان عالماً بكلّ شيء يتعلّق بالشّخصيّتين الرّئيستين، لكنّه آثر ألا يُفضي بكلّ ما يعرفه كما يفعل أمثاله العالِمون بكلّ شيء، وأن يتظاهر بالجهل بحكاية شجن، وأن يجعل هذا الجهل مادّة لتشويق المتلقّي، ولإبقاء التّوتُّر الدّراميّ في الحكاية. ومن ثَمَّ بدا سارداً مراوغاً، وضع نفسه في مستوى جَهْل خالد (وهو عنصر فنّيّ في الحكاية)، وجَهْل المتلقّي (وهو عنصر خارج الرّواية). أمّا شجن فتركها السّارد تعرف وحدَها الحكاية، وتكشف عنها شيئاً فشيئاً. وسوَّغ ذلك للمتلقّي بخوفها من أن يُفْتَضَح أمرها، ويعلم أهلها بحكايتها فيأتي أحدهم ليعيدها إلى ما هربت منه. كما سوَّغ كشفها التّدريجيّ عن حكايتها باطمئنانها لخالد، وإيمانها بقدرته على مساعدتها، فضلاً عن تعلُّقها العاطفيّ به وتعلُّقه بها. 

     هذا يعني أنّ السّارد في رواية سارة الجروان لم يحاك الرّواة العالِمين بكلّ شيء محاكاة حَرْفيّة، إنّما اكتفى بموقع اللاتبئير الذي سمح له بالانتقال الحرّ داخل الرّواية بين الشّخصيّات والحوادث الرّوائيّة، واستعمال ضمير الغائب، وملاحقة ردود الأفعال الدّاخليّة على الحوادث. وبعد هذا الاشتراك راح ينفرد بالمراوغة، فتظاهر بالجهل التّامّ بالنّسبة إلى الحكاية التي تُشكِّل بنية الرّواية، ودَفَعَ بناء الرّواية إلى الارتباط بالكشف التّدريجيّ عن الحكاية الرّوائيّة، وحَفَزَ المتلقّي وخالداً إلى مشاركته معرفة ما تكشف عنه شجن. وهذا ما جعل الحكاية ماتعة شائقة، تحتفظ بمسافة كافية بين السّارد العالِم والحكاية، وبين السّارد نفسه والشّخصيّات الرّوائيّة. وتلك الميزات، ما هو مكتسب من الرّاوي العالِم، وما هو مستمدّ من المراوغة التي تظاهر بها، جعلت رواية (شجن بنت القدر الحزين) رواية جميلة، مقروءة، ماتعة، لا يتركها القارئ قبل الفراغ منها. ولا علاقة لهذا الأمر الإيجابيّ بمضمون الرّواية الرّومانسيّ، وبنظرتها الفكريّة إلى المرأة، وإلى الأسرة الخليجيّة، وإلى العلاقات الزّوجيّة وعلاقات الصّداقة بين الرّجل والمرأة. فهذه الأمور ذات علاقة بالمضمون الفكريّ للرّواية، وهو على أهمّيّته، سلباً وإيجاباً، بعيد عن أن يكون طرفاً في الحديث عن علاقة السّارد بالحكاية، وهي علاقة يهتمّ بها خطاب الحكاية في أيّ تحليل بنيويّ للرّواية. والظّنّ أنّ خطاب الحكاية سيلاحظ الدّعوة الرّوائيّة إلى أن تُقرِّر الفتاة مصيرها بنفسها، دون أن يعني ذلك تخلّيها عن أسرتها. أي أنّه سيلاحظ نوعاً من التّمرُّد العربيّ الذي يرغب في استقلاليّة الشّخصيّة النِّسويّة وفي بقائها مرتبطة بأسرتها في الوقت نفسه. وهذه المعادلة التي أدركت سارة الجروان أنّها غير ممكنة في واقع المجتمع الإماراتيّ في بدايات تسعينيّات القرن العشرين، قادتها إلى تغليب الارتباط الأسريّ على التّمرُّد، فرضيت بألا يُلام أخو شجن، وأن يموت التّمرُّد، ويخفق مشروع الحبّ. على أنّ هذه الخاتمة التي يدركها خطاب الحكاية لا تنفي مقولة التّمرُّد، وإنّما تعزِّزها بالنّهاية الفاجعة، وتعلن معها مناهضة العادات السّلبيّة. وهذا كلّه تعبير عن أنّ بداية سارة الجروان الرّوائيّة كانت صرخة اجتماعيّة لا ينقصها السّند الفكريّ المتين، ولا البناء الحكائيّ الماتع المقنع.

شارك