الكناية في شعر مانع سعيد العتيبة

19 يونيو

المؤلف: موزة حمد المنصوري (الإمارات)

 إن من يقف على التجربة الشعرية للعتيبة يلحظ رقي المستوى البلاغي للأداء الكنائي في أشعاره إذ تُمثّلُ عنده أسلوباً فنياً وبلاغياً للتعبير عن جوانب متعددة من الوصف والمعاني التي تطرق لها في قصائده ذات الأغراض المتنوعة، فعبّر عمّا يجول في كينونته، دون أي تكلّف أو تصنّع.

            ولعل من أسباب بلاغة الصورة الكنائية أنها تُعطيك المعاني في صورة محسوسة، كالمصوِّر إذا رسم لك لوحة فنية تعبر عن التفاؤل والتشاؤم؛ فإنه يذهلك ويجعلك ترى ما كنت تعجز عن التعبير عنه واضحاً ملموساً أمام عينيك، ولنتأمل هذه الصورة في نص العتيبة من قصيدة له بعنوان "لماذا" يقول فيها:

لِمَاذَا نُصَلِّي لِرَبِّ الخَليقَة

                      وَيَقْتُلُ فينا الشَّقيقُ شَقيقَه

وَهَلْ يَقْبَلُ اللهُ مِنَّا صَـلاةً

                       إِذَا ما عَصَيْنا كُلَّ دَقيقَه

نُصادِقُ طُولَ الحَياةِ الخَطايا

                     فلا بَاركَ اللهُ تِلْكَ الصديقة

بأَلْفِ قِناعٍ نُغَطِّي الوُجوهَ

                    فَخِبْرَتُنا في التَّخَفِّي عَريقَة[1]

            في هذا السياق يستوقفنا هذا التصوير الذي يستند فيه العتيبة إلى محورين مهمين الأول: الاستفهام الموحي الذي يفتح باب التأويل، ويصنع لحظة التكثيف الشعري الموحي، والآخر الصورة البيانية التي اتخذت من الكناية مدخلاً لها، فهو يضج بالواقع المؤلم الذي يحيط به، إذ يتخلى الناس عن أخلاقهم وإسلامهم فيصبح التدين مظهراً لا جوهراً، وتنحرف الأخلاق عن مسارها، فنراه يصور هذا الواقع المؤلم بتعبير كنائي جميل يعكس مدى ملازمته للناس وتمسكهم به، وبدل هذا التصريح بالمعنى الأصلي يكني عن ذلك بقوله: "نُصادِقُ طُولَ الحَياةِ الخَطايا"، إذ يضمر المعنى شدة الملاصقة بشيء غير مرغوب، كما يعكس الديمومة عليه، ويبدو الفعل الكنائي أكثر تأثيرا حين يشير في بداية البيت الرابع بالقول: "بأَلْفِ قِناعٍ نُغَطِّي الوُجوهَ" في إيماء بعيد إلى صفة التبدل والتغير وفقاً للظروف والأهواء، وصولًا لإرضاء الذات على حساب القيم والأخلاق.

             في هذه السياقات تبدو اللغة أعمق تأثيراً من المعنى الذي تؤديه، إذ نلمس حضور إيحاء العبارة الشعرية، فالوظيفة التي تؤديها الصورة تبدو أكثر تأثيراً من إيراد المعنى على نحو مباشر بل إنها تبدو الملاذ الآمن، هنا سأختار نصًّا يمثل تجليات اللغة وقيامها بوظيفة الإيحاء، ورسم الصورة، وتجسيد الموقف، وستكون وقفتنا مع ديوان "عصماء" الذي تعددت فيه الدلالات الإيحائية، وغدت الإجابة عن ماهية عصماء "ساكنة في حروف القصائد، ولا تحتاج إلى هوامش الشرح والتفسير... عصماء هي العهد ... والحلم ... هي الطيف والأمنية ..."[2].

       تحضر الكناية على مسار قصائد الديوان مكونة بنية مركزية ويبدو الإفصاح عنها وتحديد ماهيتها ضرباً من المستحيل، فهي غائبةٌ حاضرةٌ وتؤدي الكناية دورها المركزي في الحفاظ على المستوى الفني الذي يرافق ماهية "عصماء"، يقول العتيبة:

مُـدَّي يَدَيْكِ لِكَـيْ أَرْتاحَ مِنْ تَعَبٍ

                                  إِنَّ السَّعادَةَ فـي لُقْيَا أَيَادينا

إذا هَمَـسْتِ فَأُذْنُ الحُـبَّ مُصْـغِيَةٌ

                                 بِسِحْرِ هَمْسِكِ أَذْهَلْتِ المُحِبِّينا

وَإنْ صَرَخْتِ اسْتَبَدَّ الصَّمْتُ واسْتَمَعَتْ

                                   لِصَرْخَةِ الحَقِّ آذانُ المُلبِّينا[3]

       في هذه المقطوعة تبدو الحاجة إلى عصماء فهي الملاذ الآمن الذي يوفر للشاعر موطن الأمان بل إنها تعطي للوجود معنى، ويحضر التعبير عن هذا المعنى من خلال الكناية فهو يطلب منها أن تمد له يدها لتأخذ بيده إلى السعادة التي يَنْشِدُها، ولك أن تتصور كيف عبر العتيبة عن حضور أسباب قوته وإيجاد ذاته بهذا التصور المادي الجميل فيحول المعنى المعنوي إلى حضور مادي جميل يتمثلُ بمدِ اليد من أجل النهوض.

      هذا الحضور وهذه الحاجة تلحّ على الذاكرة المتقدة للشاعر فنراه يستعذبُ لحظة اللقاء، وليحدث بعد ذلك ما يحدث، يقول العتيبة:

كَالطِّفْلِ أُسْرِعُ نَحْو صَدْرَكِ مُلْقِيًا

                         رَأْسِـي بِمَا يَحْويهِ أَو مَا يَحْمِلُ

مَا هَمَّنِـي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إِنْ طَغَى

                          طَوفانُ نُـوحٍ وانْتَهَى مُسْتَقْبَلُ[4]

             إن طغيان طوفان نوح يعبّر عن مدى التضحية التي يمكن أن تتحملها الذات الشاعرة مقابل تلك السعادة وطغيان الطوفان كناية عن نهاية الوجود، بمعنى أن الفناء بهذه الصورة المذهلة يحمل في طياته تصويراً عميقاً للّحظة، وهذا التصوير يعكِسُ لحظة الشعور بالسعادة ونسيان المخاطر.

             إن البعد الكنائي عند العتيبة يوحي بالمعنى الغزير الذي تجسده العبارة في البيت الأول من هذه المقطوعة الشعرية التي يشير فيها إلى جمال اللقاء فيكنّي الشاعر عن الُلحمة وقوة العلاقة باجتماع الأنامل في اليد الواحدة، وهو تصوير موح جميل، في قوله:

 تَجَمُّعُهُمْ يَحْلُو عَلَى البِــرّ والتُّقَى

                           كَمَا في يَدٍ يَحْـلُو اجْتِمـاعُ الأَنامِلِرَسَمْتُ لَكُمْ بِالحَرْفِ وَجْهَ مَشاعِري

                           وَيُثْقِلُ هَمُّ الحَـرْفِ يا قَـوْمُ كَاهِلي[5]

             وتبدو الكناية فعلاً عميقاً في التعبير عن هم الذات الجماعية، لما تحويه من تصوير عميق للّحظة، إذ تبنى على التلميح دون التصريح، وقد اتخذ منها العتيبة وسيلة فنية للتعبير عن هم الذات الجماعية، فقد شغل الهم القومي تفكيره، وعبّر عن مآسي أمته محاولاً إيصال صرخته لجماهيرها الممتدة.

            في هذا السياق تحضر دواوين كاملة للعتيبة بناها على الفعل اللغوي الذي يجعل من الصورة بُنية فنية لتحريك المشاعر، من مثل ديوان "عصماء"، وديوان "ليل طويل"، وستكون وقفتنا في هذا السياق مع ديوان "ليل طويل" الذي جاء بعد التطورات التاريخية التي مرت بها القضية العربية، ويقف العتيبة مصوراً الحدث، ومسجلاً اللحظة التاريخية بانفعالاتها، وقد اختار "فتاته" لتكون رمزاً لأمته العربية مناجياً إياها:

يا فَتاتي .. إنَّ لَيْلي في الهوى لَيْلٌ طَويلْ

                            وابتِعادي عَنْكِ لو تَدْرينَ .. أَمْرٌ مُسْتَحيلْ

أَيْنَ أيامي مَضَتْ بَيْنَ كُرُومٍ وَنَــخيلْ

                             أَتُرى تَرْجِعُ يَوْماً .. أَمْ هُو الدَّهْرُ بَخيلْ

مُنْذُ أَعْوامٍ يَنُوءُ القَلْبُ بالهَمِّ الثَّقيــلْ

                              يَرْقُبُ العَوْدَةَ للأَرْضِ وللحُبِّ الجَـميلْ[6]

           من الواضح في هذا السياق الشعري أن العتيبة لا يخاطب فتاته التي يحبها بقدر ما يخاطب أمته مصوراً حبه لها، وهو يضجُّ بالزمنِ الذي أثقلَ كاهله لكن هذا الهوى ليس عشقاً آدمياً وإنما هو عشق الإنسان لأمّتَه، وطول الليل لا يُنْبِئُ إلا عن ضيق النفس وضجرها، لذا يمضي العتيبة في تصوير المشاهد، وبيان مدى ألمه من الحالة التي وصلت لها الأمة موظفاً براعته في بناء صوره البيانية كما في مقطوعته التي يقول فيها:

يا فتاتي نَحْنُ سِرْنا في مُتاهاتِ الضَّلالْ

                             واخْتَلَفْنا بعدَما أَذَّنَ في الــفَجْرِ بِلالْ

هل تُرى كَبَّرَ يَدْعُونا لإذكاء القِتالْ

                              أَمْ لِصُلْحٍ مَع عَدُوفي بلادي لا يَزالْ[7]

            إن أذان الفجر لا يحمل تلك الدلالة الحقيقية التي تقدّم الفعل المجرد وإنما حملها السياق اللغوي لتشير إلى معنى الوحدة التي افتقدتها الأمة حين ضيعت طريق عزها، فتحولت هذه الوحدة إلى اقتتال وتناحر بين الأشقاء، وتحالف مع عدو غاصب لا يزال جاثماً على صدر الأرض والإنسان، لذا يضِجُ الشاعر بهذا الواقع ويوظف البعد الديني والتاريخي لتقريب الصورة بين ماض وحاضر، وكلما اشتدت لحظة الألم لجأَ الشاعرُ إلى وسائله الفنية ليبث شكواه الممزوجة بالخوف والحزن، يقول العتيبة:

اسمَعيني يا فَتاتي حَانَ وَقْتُ الاعتراف

                         عِنْدَمَا اشْتَدَّ ظَلامُ اللَّيْلِ أَصْبَحْـنا نَخافْ

وَأَمامَ الذِّئْبِ هَــْروَلْنا بِذُعْرٍ كالخِرَافْ

                         واحْتَرَفْنا الهَرَبَ الأَعْمَى فَبِئْسَ الاحْتِرَافْ

واخْتَلَفْنا حَوْلَ مَفْهُومِ الفِــدا والانحراف

                          ثُمَّ ضّيَّعْنا طَريقَ الفَجْرِ في لَيلِ الخِلافْ [8]

            هنا تبدو صورة الضجر من خلال مجيء وقت الاعتراف الذي ضج به الشاعر فهو قاس لأنه يحمل بين طياته عذاب الروح، لذا يكني العتيبة عن هذه اللحظة العصيبة باشتداد ظلام الليل حتى أضحينا نخاف من كل ما يحيط بنا، فغدا الظرف صعباً، لذا يكني العتيبة عن اختلاط الأمور وضياع البوصلة، إذ يشير بقوله: "واحْتَرَفْنا الهَرَبَ الأَعْمَى فَبِئْسَ الاحْتِرَافْ"، كما يصور فعل الخلاف بضياع النور" ثُمَّ ضّيَّعْنا طَريقَ الفَجْرِ في لَيلِ الخِلافْ".

            وهكذا يمضي العتيبة مصوراً واقع الحال الذي وصلت إليه حال الأمة بعد أن أقفرت الأرض وأضحت الأشجار بلا ثمر، وكل ذلك يُقَدَّمُ بصورة كنائية جميلة، يقول العتيبة في تصوير هذه الحال:

يا فتاتي لَمْ تَعُدْ أَرْضِي ملاذاً للمَطَرْ

                            غَيْمُها صَـارَ ضَبَاباً في رَوابيهَا انْتَشَرْ

وَتَعَرَّى الشَّجَرُ المَحْزونُ مِنْ ثَوْبِ الثَّمَرْ

                        ماتَتِ الخُضْرَةُ في الأّعْشابِ والزَّهْرُ انْتَحَرْ[9]

            وتبدو الصورة الكنائية في النص العتيبي مصدر إلهام متعدد الجوانب سواء أكانت في جانب التصوير أم الإيحاء بالمعنى، أم التعريض وغيرها من الوظائف التي تتحد في كثير من جوانبها ولعلنا نستعرض ذلك من خلال هذه المقطوعة الشعرية التي يقول فيها:

خُلِطَ الَحـابِلُ بالنَّابِلِ في

                      هـــــــــذِهِ الأَيَّامِ فَالـهادِمُ بَاني

والَّذي يُعْطي يُسمَّى مُسْرِفًا

                    وَالَّذي يُجْنَى عَلَيْهِ اليّوْمَ جَاني

لَبِـسَ العِمَّة دِيكٌ بَعْدَ أَنْ

                   عَافَهَا الشَّاهِينُ فَانْهالَتْ تَهَاني

فَوْقَ رَأْسِ الِّديكِ فَاغْتَرَّ وَقَدْ

                   رَحَلَ الشَّاهينُ عَنْ تِلْكَ المَغاني

صَاحَ إنِّي مَلِكُ الطَّيْرِ وَلي

                     مِخْلَبُ الصَّقْرِ وصَوْتُ الكَرَوانِ

 

أنا دِيكُ الأَرْضِ سُلْطانُ الفَضا

                   فانْظُروا مُلكي وَحَيُّوا صَوْلَجَاني[10]

            في هذه الأبيات يظهر الفعل الكنائي كيف تضيع الحقائق، وتختلط الأمور ويعبرُ عن ذلك بالقول: (خُلِطَ الَحابِلُ بالنَّابِلِ في*** هذِهِ الأَيَّامِ فَالهادِمُ بَاني)، كما أنه كنى عن هذا التحول الغريب بصورة جمالية لبس فيها الديك عمّة وصار يصول ويجول في إشارة إلى تغير الزمن وتبدله.

[1] - مانع سعيد العتيبة، لماذا، المصدر السابق، ص109

[2]- مانع سعيد العتيبة، عصماء، أبو ظبي، ط2، 2001م، ص3.

[3]-المصدر السابق، ص 37

[4]- مانع سعيد العتيبة، عصماء، المصدر السابق، ص76.

[5] - مانع سعيد العتيبة، أم البنات، المصدر السابق، 83.

[6]- مانع سعيد العتيبة، ليل طويل، أبو ظبي، مكتبة الجامعة، ط25، 2001م، ص5.

[7]- مانع سعيد العتيبة، ليل طويل، المصدر السابق، ص 49

[8]- المصدر السابق، ص53.

[9]- مانع سعيد العتيبة، ليل طويل، المصدر السابق، ص 55.

[10] - مانع سعيد العتيبة، الرحيل، المصدر السابق، ص15

شارك