سهيل

19 يونيو

نسج جنود الإمارات البواسل عبر تاريخ الدولة صورة مشرقة وبراقة سطروا من خلالها بطولاتهم الخالدة وبسالتهم وتفانيهم في خدمة الوطن والدفاع عن حوزته الترابية.

قصة الجندي الإماراتي سالم سهيل بن خميس، شهيد العلم، تلقي بظلال كثيفة على ذلك السجّل الحافل وتنير جوانب مهمة من تاريخ البطولة والإقدام في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث كان أول شهيد في تاريخ الدولة ظل يقاوم إلى آخر رمق حتى خرّ صريعاً دفاعاً عن سيادة جزيرة طنب الكبرى التي احتلتها إيران في 30 نوفمبر 1971، رافضاً التحاور مع المحتلين الإيرانيين.

لم يكن ذلك اليوم عادياً كما سائر الأيام الأخرى، ولم يمض بنفس الوتيرة المألوفة والروتين المعتاد بالنسبة لحماة الوطن الساهرين على أمنه واستقراره المرابطين على ثغوره في تلك الجزيرة الطنبية حماية لها من الأعداء المغتضبين الذين يتسلّلون لوذاً للانقضاض على شبر من أرضها متى ما أسعفتهم الفرصة.

بدأت فصول الحكاية تزامناً مع استعداد حكام الإمارات لإعلان اتحاد الدولة وقيام الكيان الإماراتي الوليد، والذي جاء بعد مخاض عسير، وبعد سلسلة من اللقاءات والمشاورات والاجتماعات بشأن الوحدة، وعلى حين غره، وفي غمرة انشغال حكام الإمارات وتأهبهم لإعلان هذا الحدث الكبير والنبأ العظيم لم يرق ذلك الأمر الجلل للمتربصين الإيرانيين فجاسوا خلال الديار وأثاروا الرعب في جنباتها وبين سكانها وأنزلوا من على طائراتهم منشورات تأمر أهالي الجزيرة بالاستسلام التام والخضوع الكامل للقوات الإيرانية التي أصبح السكان منذ ذلك الحين تابعين لها، وقد قوبل ذلك الأمر بالرفض الشديد من لدن أهالي الجزيرة، واستمات دونه فرسان مركز شرطة الجزيرة وذادوا عن حياضه في وجه العدو الغاشم، ومع استمرار الطلقات النارية بين بواسل الإمارات والمغتصبين الإيرانيين، وتلاحق الأحداث وتطور المشهد القتالي غير المتكافئ والجائر في نفس الوقت، قرر البطل الشهيد أن يتجمّع هو وزملاؤه حول ساریة علم رأس الخیمة دفاعاً عن سيادتها على الجزيرة وحقها الشرعي فيها، عندها لم يكن أمام الغاصبين سوى تصعيد الموقف وتأجيج نيران المعركة وإمطار الفرسان الإماراتيين في مركزهم، بوابل من الرصاص الطائش، وقطعوا عليهم سبل التواصل مع قياداتهم المركزية بتعطيل جهاز اللاسلكي.

ومع مرور الوقت وأمام إصرار الجنود الإماراتيين على الصمود والدفاع عن أرضهم ووطنهم طلب الغزاة التفاوض مع بواسل الجزيرة دون جدوى، ورفض الشهيد سالم سهيل إنزال علم بلاده من ساريتها، عندها لم يكن أمام المغتصبين سوى اللجوء إلى تصعيد الموقف والاستمرار في إطلاق النار ساعات طويلة، ثم قامت القوات الإيرانية بالاستعانة بجنود كوماندوز ومظلیین لاقتحام المبنى، لإنقاذ الموقف وترجيح كفة المعركة غير المتكافئة أصلاً، وقد لقيّ أربعة منهم مصرعهم على ید الجنود الإماراتیین مع قائد إيراني برتبة جنرال، وقد ردّ الغزاة رداً عنيفاً على ذلك بإطلاق قذائف زوارقھم الحربیة، مما أنهك قوى الجنود الإماراتيين، فجرح منهم اثنان.

ساعتها أدرك الفارس الشهيد سالم سهيل أن المعركة غير العادلة شارفت على النهاية، ووقف كالطود الشامخ عند سارية العلم رافضاً إنزاله، فأمطره المغتصبون بنيرانهم الجائر حتى خرّ شهيداً وروى بدمائه الطاهرة تراب الجزيرة، ثم استسلم الباقون لقوات الاحتلال وهم: حنتوش، حسن علي محمد، محمد عبد الله عبيد، محمد علي صالح، علي محسن محمد، ثم أفرج عنهم فيما بعد وعادوا على متن طائرة الصليب الأحمر الدولية إلى دبي، حيث كانوا في حفاوة كبيرة لدى استقبالهم في المطار في 25 ديسمبر 1971.                       

في رواية (سهيل) للكاتب والروائي الإماراتي الدكتور عبد الله الطابور يسرد الكاتب قصة ذلك الشهيد المغوار، ويعود إلى نشأته الأولى في أسرته ومحيطه في رأس الخيمة ابتداءاً من خمسينيات القرن الفارط إلى قيام الدولة، وبالذات في قرية الحدبة إحدى قرى المنيعي التابعة لإمارة رأس الخيمة، حيث عاش الشهيد وأهله في بساتين النخيل وزاولوا مهنة الزراعة التي كانت مصدر عيشهم في ذلك الوقت.   

تقع الرواية في 12 فصلاً استعرض فيها الطابور سيرة الشهيد ومسيرته من الميلاد وحتى الاستشهاد، كما تخلّل عرضه الحديث عن مباحثات البريطانيين مع حكام رأس الخيمة وما دار في كواليس الاجتماعات التي كانت تحوم حول إثنائهم عن المطالبة بالجزر الطنبية والتخلي عنها لصالح إيران مقابل مبالغ مادية.

وركز الطابور في الفصول الأخيرة من الرواية على الاحتلال الإيراني لجزيرة طنب في 30 نوفمبر 1971، وما قاموا به من إرجاف وترويع للسكان لدفعهم إلى الاستسلام والانقياد للمطالب الإيرانية.    
إن هذه الرواية تسرد في الواقع ملحمة تاريخية وبطولية خلّدت مآثر أبطال الإمارات، ووثقت، تاريخياً، بداية العدوان الإيراني الغاشم، وعرّت زيف ادعاءاتهم الواهية، كما عبّرت عن خصال فريدة ومزايا رفيعة تحلّى بها فارس الإمارات الباسل، من عزة وشموخ وإقدام، الذي تتجدّد ذكراه كل عام في لفتة كريمة وبادرة طيبة وفاءاً من دولة الوفاء لأبنائها، وإحياءاً لذكراهم وتمجيداً لسيرتهم العطرة وتثميناً لتضحياتهم النبيلة، وتخليداً لهم في الآخرين.

بطاقة تعريفية

سالم سهيل بن خميس، العمر 16 سنة، الوالد سهيل بن خميس والوالدة فاطمة بنت هالا، أخ لأربعة أولاد وهو أصغرهم سناً، مسؤول عن مركز طنب، الرقم 190، درس على "المطوع" وهو في سنّ السادسة من عمره، وأكمل دراسته في مدرسة "الحويلات" حتى الصف الثالث، زاول مهناً عديدة، وانضم إلى فرقة الموسيقى في الشارقة، ثم شرطة رأس الخيمة التي طالما كان يحلم بالتحاق بها، ولم يمهله القدر للالتحاق بالقوات المسلحة التي حجز فيها رقم 190.

شارك