الشعر النبطي في مواكب الشهداء

19 يونيو

المؤلف: منّي بونعامة (موريتانيا)

يعدّ الشعر النبطي الأصدق تعبيراً والأكثر تأثيراً في نفوس المتلقين من أبناء الإمارات، والأسهل وصولاً إليهم والتصاقاً بهم وملامسة لوجدانهم لكونه يمثّل هويتهم الثقافية التي تعتبر مصدر فخرهم واعتزازهم، وقد سطّر هذا الشعر الأمجاد والمآثر وخلّد البطولات واحتفى بالأبطال والقادة والساسة والحكام، وكان، وما يزال، حاضراً بقوة في تفاصيل حياة الإنسان الإماراتي من زمن الفهيم الماجدي بن ظاهر إلى وقتنا الراهن، وله وقع وتأثير في نفوس متلقيه، لذلك لم يكن غريباً تفاعل شعراء الإمارات مع شهداء الواجب الوطني الذين سقطوا دفاعاً عن الحق وانتصاراً للمظلوم في حرب تحرير اليمن، وجادوا بأرواحهم سخية في سبيل رفعة الإنسان الإماراتي وعزته وكرامته، وقد انبرى الشعراء للتغني ببطولات الشهداء والاحتفاء بما حققوه من تضحيات على غرار شهيد الإمارات الأول سالم بن سهيل بن خميس، الذي خرّ دفاعاً عن وطنه وأرضه، وقد ألهب الشعراء بقصائدهم أحاسيس الناس وأوقدوا مشاعرهم بعاطفتهم الجياشة وكلماتهم الصادقة المعبّرة عن فداحة الخطب ومرارة الفقد وعظم المصاب، وقد استحال الحدث في عيون الشعراء من الحزن إلى الفرح، فلم تكن القصائد رثائية بالمعنى التقليدي بقدر ما كانت مساحة للافتخار والعزة والكرامة التي قضى أولئك الفرسان الشجعان "عيال زايد" نحبهم من أجلها وفي سبيلها، يقول سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي في قصيدة «قبر الشهيد»:

يا ريّس الدولة يابو راشد يا بو خالد وازيد

                    يا شيوخنا في كل شبر من ثرى هذا الوطن

يا شعبنا اللي عن دروب الكرامه ما يحيد

                           بقول كلمه بالنيابة عن مشاعركم لِمن

يْحَسّب أنّا نرهب مْن الموت وِنْخاف الوَعيد

                    حِنّا رجال المعركة والسّيف والرمح الأسن

نْموت والرَّاية ترفرف والعدو حاله زهيد

                         مثل شهداء الوطن والعزّه اللي لا وَ لن

ننسى مواقفهم وما خطوه من دمّ الوريد

                    من مجد في يومٍ له الحاسد رغم أنفه ذَعَن

ويقف سموه وقفة إجلال وإكبار للجنود الأبرار والأخيار الأطهار جزاء تضحياتهم الكبيرة التي سطروها في سجل التاريخ بأحرف من ذهب، ويقول: 

لكم جموع الشعر ترفع راية المجد التليد

                      وأفعالكم بالفخر تسمو في البوادي والمُدن

والشعب في صنعاء يعزينا وهو ليس الوحيد

                         لكن بكت مأرب عليكم وأنزلت دمعة عدن

على ما قدمتوا من الإقدام والبأس الشديد

                    حتى استطعتوا ترجعون البسمة لشعب اليمن

وأصبح بعد فضل الله بوقفاتكم شعبٍ سعيد

                        واسقيتموا أهل الغدر كأس المذلة والغبن

ضفتوا على المجد القديم لداركم مجد جديد

                          ولم تلين عزومكم ولا شكيتوا من وَهن

 وقد أفاض الشعراء من حيث أفاض سموه في ترجمة معاني العزة والكرامة والبطولة والشهامة والفزعة للجار ونصرة المظلوم بقصائد شفافة وعاطفة صادقة،  يقول الشاعر عبد الله بن نورة الراشدي: 

ما نقبل الهيّن ولا نرد لأقدار

                 هاذي رفضناها وذي نلتزمها

والموت ما عنده لنا رفض وانكار

             أسلافنا في الحرب كم ساح دمها

في لازم الدوله وفي ردع لشرار

             فرصة ومن مرت عليه اغتنمها

دارك يا بو سلطان تفتخر بلحرار

               تخدم قيادتها وتخدم علمها

ماتوا على واجب وفزعه مع الجار

                  أعمارهم بالعز ربي ختمها

وقفاتهم يفخر بها كل مغوار

                وأهل العلوم الهيّن في ندمها

لكن يا الحوثي ترى شبّت النار

                وعينك ترى الفلاحي لطمها

والله ما ترتاح يا الفاسق الضار

            الفرس ترمي بك وربي هزمها  

النصر والشهادة هما طِلْبة الجندي الإماراتي المقدام الذي ترك أهله وأبناءه وراءه ظهرياً مقتحماً أرض الوغى وميدان الحرب والقتال بكل شجاعة وبسالة وتضحية باذلاً النفس والنفيس في سبيل رفعة بلده ونصرة إخوته في اليمن، ويمكننا أن نقرأ هذا المعنى العميق في قصيدة الشاعر سيف بن محمد بن نعمان الكعبي(عظم الله أجرك يا وطن)، حيث يقول:    

أبشّرك يا وطن والله العزوم كبار

                   وفي شدة الغمه بنا تكبر الهمه

إجراحنا النازفات تزيدنا إصرار

                     وشهيدنا بالفرح تستقبله أمه

الأم ياللي احتضنتنا يوم نحن صغار

                اليوم وجه الشهيد تزعفره بدمه

أبشرج يا أمي ترانا للوطن أبرار

                وافين له عالعهد من نخلف الذمه

جيش الرجال بسيله الجرار

               وإحنا على جبال صعده ندعس القمه

الجرح صار وسام وأرواحنا أنوار

               من جنة الخلد عطر قبورنا نشمه

إما النصر وإلا الشهاده ما لنا أعذار

                   والمجد عهدٍ علينا بكفنا نزمّه

 ويعبّر الشاعر علي القحطاني في قصيدته (وطن الشهداء) عن الأهبة التامة والاستعداد الكامل لخوض غمار الحرب وافتداء الوطن والفزعة للمظلوم وتلبية نداء القيادة الرشيدة، حيث يقول:

وقف الطود الفلاحي واحتماها

                    وعادته وقفته دايم يحتميها

قال اخو شما عسى العاثر فداها

                  والله ان اردها من خاطفيها

والله ان تضحك عقب مدة بكاها

                  السعيدة ما يليق الحزن فيها

و وكّل اللي ما تباطا فدعواها

                  محمد اللي كل عليا معتليها

قال سل سيوف زايد من خباها

                   والذلول الطيبه شدوا عليها

قال تبشر سيدي والخير ياها

                 من ترد الشأن فيكم ما عليها

قال اسنعها واسنع ما وراها

          واقلب الدعوى على اللي مدعيها

لوتبي نفزع لجيبوتي معاها

                كل صعبه هينه دامك تبيها

وأرسل اللي من صوايدها عشاها

                الحرار اللي تنومس منتقيها

ويقول:

نفتخر فيها و نفخر بشهداها

                  دارنا اللي كل عليا تعتليها

ودك ان الدار ما يعيش ف حماها

                 كود قومن فالنوايب بتحميها

مثل شعبٍ فيك وباسمك تباها

                     المنايا عنه لو تشرد يجيها

البلاد ارواحنا ترخص فداها

                    عقّب اللي كلمته فيها و فيها

ويحتفي الشاعر علي الخوار في قصيدته (يا جيشنا الباسل) بالقوات المسلحة الإماراتية وما حققته من انتصارات على أرض المعركة، ويقول:

يا جــيشنا الباسِــل من عــروقــنا رَوْ

نفخــر بدمٍ في الوغــى للوطــن سال

موت الشَّـــرف في شَفّـك يزيدنا قُــوْ

نحيا بعـــزّك .. والاّ نستشهـد ابطال

نحنا أسود البَر وصقـور في الجَــوْ

نرخص لك الأرواح ونســوم الآجــال

والموج في بحر الوغى نَشعله ضَوْ

واعتى الحصون نهـــدَّها هَـد زلزال

إلى أن يقول:

قاموســــنا ما فيه (ياليت) أو (لَــوْ)

نورد حياض الموت ونخوض الاهوال

ونقول يا جيش الوطــن إوْرد و رَوْ

من دمّنا واعقــد مع النصر الآمــال

لقد أذكى استشهاد الجنود الإماراتيين البواسل قرائح الشعراء وألهب مشاعرهم فنسجوا قصيدهم فرادى وجماعات تأثراً بالموقف وتفاعلاً معه، وهذا ما يتجلى في القصيدة الملحمية الجماعية "النجيب الطاهر" التي رواها الشعراء بمعاني البطولة الفياضة وقيم الشهادة الخالدة، وقد شارك فيها أكثر من ستين شاعراً وشاعرة، وعبّروا فيها عن عزة شعب ومجد وطن وتماسكه وتلاحمه يداً واحدة مع قيادته، وقد ذهب الشعراء طرائق قدداً في تصوّر قيم الشهادة ومعاني البطولة، يقول الشاعر راشد شرار:

جيشـــنا يضــرب لنا أروع مثل

في الشجاعه والرجال المخلصين

هو في حزات الوغــى قـول وفعـل

رافـعٍ للنصـر رايـات وجبيـن

وتقول الشاعرة مريم النقبي :

الخبـر زلزال ويهّـز الجبـل

ونحنا ما نهتــز خبْروا الحاقدين

المراجـل ترسـل القـول بفعـل

ولد زايد ما تعـوّد يســتكين

هكذا احتفى شعراء الإمارات بشهدائهم الذي خضبوا بدمائهم الطاهرة أرض اليمن، وسطرواً ملحمة تاريخية في الشجاعة والبسالة والإقدام ستبقى خالدة أبد الدهر، وهي، بحق، معراج الصعود إلى الجنات الخلود.   

شارك